; فاس نمبر ٢ | مجلة المجتمع

العنوان فاس نمبر ٢

الكاتب محمد عبدالهادى

تاريخ النشر الثلاثاء 14-سبتمبر-1982

مشاهدات 85

نشر في العدد 587

نشر في الصفحة 14

الثلاثاء 14-سبتمبر-1982

موضوع الغلاف:

كان محور المؤتمر السياسي الذي عقد للقمة العربية في فاس، وضع مشروع اتفق عليه جميع الزعماء العرب الذين اجتمعوا هناك، وقد وصف أحد المتحدثين باسم المؤتمر أن مشروع الحكومات العربية «للسلام يصلح أن يكون مدخلًا وقاعدة لمفاوضات سلام مع إسرائيل».
وإلى جانب هذا ناقش المؤتمرون قضايا أخرى هي:
١- موضوع الغزو الإسرائيلي للبنان. 
٢- عودة النظام المصري إلى صف الأنظمة العربية. 
٣- حرب الخليج الدائرة بين العراق وإیران.
٤- الحرب الدائرة في القرن الأفريقي بين الصومال وإثيوبيا.
ثلاث ملاحظات:
وقبل الدخول في تقييم المؤتمر والبيان الصادر عنه، لابد من الإشارة إلى الأمور الثلاثة الآتية:
1-    هنالك إجماع لدى المراقبين الإسلاميين أن مؤتمر فاس الثاني كغيره من المؤتمرات العربية من حيث احتوائه على «الاتفاقات العربية» السرية أولًا والعلنية ثانيًا، وأكثر ما دل المراقبين على وجود بنود سرية حفظتها ملفات المؤتمر إصرار الملك المغربي على السرية التامة لدى المؤتمرين، وعدم السماح لأي منهم بالتحدث باسم المؤتمر، مع تعيين ناطق واحد ينوب عن الجميع، وبالتالي فإنه يطلب أن تكون هنالك بنود سرية اتفق عليها الزعماء العرب، ولم يشر إليها البيان الختامي الذي صدر يوم الجمعة الماضي ١٩٨2/٩/١٠
٢- تمثيل القمة لجميع الزعماء العرب ماعدا ليبيا، يعني أن هنالك إجماعًا عربيًا حول سلمية الحل للقضية الفلسطينية والأراضي العربية المحتلة عام ١٩٦٧ والموافقة من ثم على المصالحة مع إسرائيل. 
٣- تأخر استئناف انعقاد قمة فاس من نهاية العام الماضي حتى الشهر التاسع لهذا العام، يبين أن أقطاب الأنظمة العربية كانت تنتظر أمرًا أو أمورًا ما، لاستئناف القمة «الفاسية» ليكتمل النصاب القانوني للاجتماع، فهل كان اكتمال النصاب ينتظر ما حصل قبل القمة «إنهاء المقاومة الفلسطينية في لبنان- وطرح الرئيس الأمريكي ريغان لمبادرته»؟؟

الكلية والجزئية:
لا يمكن للمراقب أن يطلق على جزء دون جزء من قرارات المؤتمر وما صدر عنه من توصيات وتعهدات، فاعتماد بعض القرارات ورفض الأخرى لا يشكل الهيكل السليم لتبني مقررات المؤتمر أو رفضها، لذا فلابد من نظرة كلية تتناول مضامين المؤتمر وشكله، بعد إلقاء النظرة التجزيئية على كل بند من بنود المؤتمر، لتستطيع الحكم بالتالي على قمة فاس.
ومن هنا فإننا لو تفحصنا في كل بند تضمنه البيان الختامي لقمة فاس، فإننا نستطيع إطلاق صفة ما على البند، لكن لا يعني هذا أن ننقل الصفة نفسها إلى سائر البنود، فالتقييم النهائي هو الذي يحكم على محصلة الصفات بالمقياس الكلي فيما بعد، حيث يكون الفرز وازن بين إيجابيات المؤتمر وسلبياته بدقة وتأمل.
إيجابيات:
وقبل سردها لابد أن ننوه هنا أن ورود الموقف الإيجابي في موضوع متشابك النقاط لا يؤدي بالضرورة إلى تبنيه من خلال مشروع كبير، يضم بين ثناياه ذلك الموقف. فنحن مثلًا نؤيد تحرير القدس، لكننا لا نؤيد، ولا نذهب مع الذاهبين في لغة التحرير من خلال المساومة المؤدية إلى التنازل والاستسلام، من هذا يمكن أن نحصر إيجابيات قمة فاس في النقاط التالية:
١- إصرار البيان الختامي للمؤتمرعلى تأكيد حق الشعب الفلسطيني بإقامة دولته وتقرير مصيره وممارساته لحقوقه الثابتة غير القابلة للتصرف.
٢- إزالة المستعمرات التي أقامها العدو الإسرائيلي بعد عام ١٩٦٧ في الأراضي العربية. 
٣- انسحاب القوات الإسرائيلية من جميع الأراضي العربية التي احتلتها تلك القوات عام ١٩٦٧
٤- الإصرار على انسحاب اليهود من القدس المحتلة، لتكون عاصمة الدولة الفلسطينية في المستقبل.
٥- إنهاء مهام قوات الردع السورية في لبنان.
٦- الدعوة إلى وقف حرب الخليج بين العراق إیران.
هذه البنود الخاصة بالقضية الفلسطينية، لابد أن تلقى التأييد في مضامينها فقط، حيث تظل ذات ملامح إيجابية ما لم تقترن بأمرين:
الأول:
أن تكون مطالب ضمن مساومات أكبر وأعم وأشمل من قضية التحرير، وهي المساومات الشبيهة بكامب ديفيد، والمؤدية إلى مصالحة بين الأنظمة العربية وإسرائيل.
الثاني:
الاكتفاء بها وإقرار الوجود الشرعي لدولة اليهود في فلسطين، والتنازل من ثم عن القسم الغربي من فلسطين المحتلة التي طرد أهلها عام ١٩٤٨.
على أن إبعاد المطالب العربية التي تضمنها البيان عن سياق المصالحة مع حكومة العدو سيلقى تجاوبًا شعبيًا كبيرًا لو حصل، لكن الحاصل هو غير ذلك، فهذه البنود بمضامينها جميعًا ليست سوى الثمن البخس الذي تطالب به الأنظمة العربية «سواء كانت المطالبة شكلية أو جادة» مقابل الاعتراف بشرعية الوجود الصهيوني على الأرض العربية، كما نصت مبادرة الحبيب بورقيبة، والتي اتخذها المؤتمرون أبرز أسسه لطرح المشروع الجديد.
سلبيات:
في المؤتمر كما كشف البيان الختامي له سلبيات لا محدودة سلكت نقاط الضوء في طياتها لتقدمها في إطار مبادرة تضمنت:
١- دعوة إسرائيل إلى فتح صفحة جديدة بين العرب واليهود، وكأن لليهود ذمة وكرامة على غير ما نبه إليه القرآن الكريم.
۲- الموافقة على شرعية الوجود الإسرائيلي في دولة نعترف بها على الأرض العربية، وذلك باعتماد قرار مجلس الأمن رقم (۱۸۱) لعام ١٩٤٨، وهو قرار التقسيم.
٣- الفصل بين الاعتداءات الإسرائيلية على أرضنا وأمتنا، بغض النظرعن كل ما قبل عدوان عام ١٩٦٧ ومناقشة الموضوع ابتداء من تلك الفترة فقط.
٤- تجنب المؤتمر البت بإلزام بشير الجميل بعدم عقد معاهدة صلح مع إسرائيل، علمًا بأن مصادر المؤتمر ذكرت أن القضية أثيرت ولم يتخذ بها أي قرار.
٥- البقاء في إطار قرارات الأمم المتحدة فيما يتعلق بأزمة لبنان والاحتلال الإسرائيلي لها، وهي قرارات رفضها العدو الإسرائيلي يوم صدورها. 
٦- استمرار الاعتماد في حل القضايا العربية على الدول الكبرى، ولاسيما الولايات المتحدة والدول الأوروبية الرئيسة، حيث شكلت لجنة خاصة للاتصال بحكام تلك الدول. 
٧- الثناء على الجهد السوري فيما يتعلق بالأزمة اللبنانية، مقترنًا بالثناء على المقاومة الفلسطينية والشعب اللبناني، وكأن المؤتمر يعتقد أن نظام دمشق دافع عن لبنان!!
نتائج مباشرة: 
لعل من النتائج المباشرة لمؤتمر القمة في فاس الأمور الآتية:
أولًا: شق الصف الفلسطيني.
وسواء أكانت أيديولوجية الرافضين من رجال منظمة التحرير الفلسطيني تتصف بالاعتدال أم بالتطرف، فإن بيان فاس الختامي جعل مجموعة من قياديي الفلسطينيين يعلنون رفضهم، وهذا قد يؤدي في النتيجة إلى قسم بقايا المنظمة، بعد أن تم إجهاضها عسكريًا في لبنان، ففي صبيحة إعلان مبادئ «فاس» الثانية أعلن ثلاثة مسؤولين فلسطينيين رفضهم للبند السابع مما اتفق عليه الزعماء العرب، مقابل ما أسموه بآمال وهمية، فقد تضمن مشروع القمة ما يخالف قرارات المجلس الوطني الفلسطيني. 
ثانيًا: التمهيد لإعادة النظام المصري المتمسك بمبادئ كامب ديفيد إلى صف الأنظمة العربية، وإن كان هذا الأمر لم يعد يضير الشعب العربي، فإنه يحمل الدلالة القاطعة على اقتراب وجهات النظر العربية نحو وجهة النظر المصرية. وهنا يلاحظ أن بنودًا أساسية تتلاقى بين مشروع فاس والكامب ولاسيما بنود التنازل عن أرض فلسطين التي احتلت عام ١٩٤٨.
ثالثًا: الاقتراب من أمريكا:
مع اختلاف ردود الفعل بين سياسيي البيت الأبيض بالنسبة لقرارات قمة «فاس» الثانية فإن مشروع القمة كان قريبًا جدًا من روح مشروع ريغان ومضامينه، وتبقى فوارق الشكليات لا تشكل جوهرًا يبعد المشروع العربي عن مبادرة ريغان، وهذا يقودنا بالتالي إلى طرح السؤال التالي:
هل حققت سياسة البيت الأبيض نفسها وراء كواليس القمة الأخير؟ وإذا كان الأمر كذلك؟ فهل هو لمصلحة العرب أم لمصلحة العدو اليهودي؟ أم لمصلحة الأنظمة المجردة عن شعوبها فقط!!
وبعد: ماذا يمكن أن يقول المواطن العربي عن فاس؟
إن المواطن العربي يعيش اليوم حالة من اللا «اكتراث» بما يصدر عن الكبار «فالزعيق» الماضي أثقب كلتا أذنيه، فلم يعد يأبه للبيانات والقرارات والمبادرات بقدر ما يعمل من قناعات مبنية على الاعتقاد بإفلاس سياسة الأنظمة العربية وتبعيتها في معظم الأحوال.
على أن المواطن المسلم يعتقد- إلى جانب ذلك- أن إسقاط السلاح والحل العسكري من حسبان الأنظمة نهائيًا أدخل الأمة وبشكل علني في مرحلة جديدة انتصرت فيها سياسة السادات على كل الأشكال التي كانت مطروحة من قبل سائر الأنظمة العربية، ولعل مرد ذلك يعود إلى تخلي الأمة ومناهجها عن الإسلام الذي هو الحكم الفصل في كل شيء.
إن التخلي عن شريعة الإسلام «كحكم» فيما بين أمتنًا وأعدائنا اليهود لن يعود علينا وعلى أنظمتنا إلا بالخسران، وكل شؤوننا الحالية، وكل أيامنا المشهودة، وكل سياساتنا الوضعية أو التبعية او اللا إسلامية هي مقدمات الخسران الكبير..

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 592

81

الثلاثاء 26-أكتوبر-1982

رسائل العدد 592

نشر في العدد 580

125

الثلاثاء 27-يوليو-1982

المجتمع الدولي..عدد 580