; «كثلكة» الإسلام بين العسكر والمدنيين | مجلة المجتمع

العنوان «كثلكة» الإسلام بين العسكر والمدنيين

الكاتب المستشار سالم البهنساوي

تاريخ النشر الثلاثاء 16-نوفمبر-1999

مشاهدات 70

نشر في العدد 1376

نشر في الصفحة 35

الثلاثاء 16-نوفمبر-1999

* الوضع في أكبر دولتين مسلمتين: قائد الانقلاب في باكستان معجب بالذئب الأغبر.. ورئيس إندونيسيا معجب باليهود!

* تراجع علي عبد الرازق عن أفكاره التي نشرها في كتاب «الإسلام وأصول الحكم» لكن العلمانيين يتجاهلون ذلك!

ما استجد في باكستان وإندونيسيا يعيدنا إلى سياسة أوروبا التي رمت إلى كثلكة تركيا وبعض الدول الإسلامية فيما عرف بفصل الدين عن الدولة.

لقد تولى العسكر الحكم في باكستان بانقلاب عسكري قاده الجنرال برويز مشرف، وما إن اعترضت الإدارة الأمريكية على ذلك حتى عادت وأظهرت الرضا عن حكم العسكر، ولا يوجد سبب سوى إلعان برويز مشرف أنه يعتبر مصطفى كمال مثله الأعلى، وأعقب ذلك تشكيله مجلسًا للأمن القومي يهيمن على باكستان حتى بعد إعادة الحياة المدنية، وذلك على غرار ما تسير عليه تركيا، التي بادر مشرف بزيارتها ووقف برهة أمام قبر مصطفى كمال.

ولاشك أن العسكر لا يجهلون أن مصطفى كمال قد ألغى الحج والأذان وأغلق أكثر المساجد وسخر من القرآن الكريم وحارب الدين ومن تمسك به.

أما إندونيسيا فلم يكن متوقعًا أن يتولى رئاستها شخص يعلن أنه إسلامي حيث لا يسمح النظام العالمي الجديد بذلك، ولكن فجأة أصبح الإسلامي عبد الرحمن وحيد رئيسًا، والسبب ليس لغزًا.

فقد نشرت صحيفة جاكرتا بوست يوم 22/ 10/ 1999م أن إسرائيل رحبت بانتخاب عبد الرحمن وحيد ونقلت الصحيفة ما نشرته صحيفة يديعوت أحرونوت الإسرائيلية على لسان شيمون بيريز رئيس وزراء إسرائيل الأسبق أن عبد الرحمن صديق حميم لإسرائيل، وهو يمثل الإسلام المعتدل المتنور، كما نشرت صحيفة هاآرتس أنه ليس صديقًا لإسرائيل فحسب، بل يكن إعجابًا خاصًا باليهود.

وقد نشر ذلك الأستاذ فهمي هويدي في الأهرام المصرية والوطن الكويتية والراية القطرية يوم 26/ 10/ 199م، ومما قاله أنه قابل عبد الرحمن في منزله يوم 20/ 3/ 1999م وتناول معه حديثًا عن الحملة الانتخابية في إندونيسيا، فإذا به ينتقد بشدة الأحزاب الإسلامية التي تتحدث عن الشريعة الإسلامية وقال إن إندونيسيا تظل مستقرة طالما نحت الشريعة الإسلامية، فالإسلام موجود في التوحيد والأخلاق وينبغي ألا تكون له علاقة بشؤون الدنيا والدولة، وقال إنه لا يحب الدول التي تطبق الشريعة الإسلامية وأن إسرائيل أقرب إلى قلبه من هذه الدول.

إن الترحيب سالف الذكر بالحكم الجديد في باكستان وإندونيسيا يرجع إلى تبني هؤلاء سياسة الذئب الأغبر مصطفى كمال بعد تحسين وجهها القبيح بعدم إظهار محاربتهم للدين، ولهذا بادر الجنرال برويز بأداء العمرة.

لقد حاول الأتراك تحسين الوجه القبيح لعلمانية مصطفى كمال فأوعزوا إلى أحد العلماء المصريين بإصدار كتاب باسم الإسلام وأصول الحكم يدافع فيه عن فصل الدين عن الدنيا.

تسربل الشيخ علي عبد الرازق بمسوح الرهبان ليضفي صيغة دينية على جريمة العسكر في تركيا وجرائم العسكر من بعدهم في البلاد الإسلامية، وكان قد بدأ بعد تخرجه يدرس أصول القضاء في الإسلام حيث كان حديث العهد بهذه الوظيفة ثم تحول فجأة وبلا مقدمات أو مؤهلات إلى مجتهد وفقيه فنشرله كتاب «الإسلام وأصول الحكم» وذلك قبل فتنة طه حسين بعام، وزعم فيه أن الحكم الإسلامي ليس من الدين وأن الخلافة الإسلامية ليست من الدين، ولا يوجد سند بذلك في القرآن أو السنة النبوية، وأن سلطة النبي- صلى الله عليه وسلم- كانت روحية فقط ولم يكن حاكمًا للمسلمين في يوم من الأيام.

حاكم مصر آنذاك

أراد الملك فؤاد أن يتجنب الثورة ضده فأوعز إلى «هيئة كبار العلماء» في الأزهر أن تستدعي الشيخ علي عبد الرازق لتحاكمه وفقًا للمادة 101من القانون رقم 10 لسنة 1911م ونصها «إذا وقع من أحد العلماء آيًّا كانت وظيفته أو مهنته ما لا يتناسب وصفة العالمية، يحكم عليه من شيخ الجامع الأزهر بإجماع تسعة عشر عالمًا معه من هيئة كبار العلماء، بإخراجه من زمرة العلماء ولا يقبل الطعن في هذا الحكم، ويترتب على الحكم المذكور محو اسم المحكوم عليه من سجلات الجامع الأزهر والمعاهد الأخرى، وطرده من كل وظيفة، وعدم أهليته للقيام بأي وظيفة عمومية دينية كانت أو غير دينية.

وقد اجتمعت هيئة كبار العلماء فعلًا في 12 أغسطس 1925م برئاسة الشيخ محمد أبو الفضل شيخ الجامع الأزهر وحضور 24 عضوًا آخرين «والمتهم» الشيخ علي عبد الرازق وقد رفض المجلس الدفع الذي تقدم به مؤلف «الإسلام وأصول الحكم» بعدم اختصاص الهيئة بالنظر في القضية، ولكن الهيئة حكمت بالإجماع «بإخراج الشيخ علي عبد الرازق من زمرة العلماء» وتأكد الفصل مرة أخرى وكذا مصادرة الكتاب في مجلس التأديب الذي انعقد في 17 سبتمبر «أيلول» 1925م برئاسة مفتي الديار المصرية وبعض مشايخ القضاء الشرعي.

وقد جاء في حيثيات هيئة كبار العلماء الاتهامات التالية:

1- أنه جعل الشريعة الإسلامية شريعة روحية محض لا علاقة لها بالحكم والتنفيذ في أمور الدنيا.

2- وأن مهمة النبي صلى الله عليه وسلم كانت بلاغًا للشريعة مجردًا عن الحكم والتنفيذ.

3- وأنكر أن للقضاء وظيفة شرعية.

لقد تحدث سعد زغلول عن كتاب «الإسلام وأصول الحكم» فقال كلامًا هو حكم بالإدانة على دعوى صاحب هذا الكتاب. قال:

لقد قرأت كتاب «الإسلام وأصول الحكم» بإمعان، لأعرف مبلغ الحملات عليه من الخطأ والصواب، فعجبت: أولًا كيف يكتب عالم ديني بهذا الأسلوب، في مثل هذا الموضوع؟!

لقد قرأت كثيرًا للمستشرقين ولسواهم، فما وجدت ممن طعن منهم في الإسلام حدة كهذه حدة في التعبير، على نحو ما كتب الشيخ علي عبد الرازق.

لقد عرفت أنه جاهل بقواعد دينه، بل بالبسيط من نظرياته وإلا فكيف يدعى أن الإسلام ليس دينًا مدنيًّا؟! ولا هو بنظام يصلح للحكم؟! فأية ناحية من نواحي الحياة لم ينص عليها الإسلام؟! هل البيع؟ هل الإجارة؟ أو الهبة؟ أو أي نوع آخر من المعاملات؟؟ ألم يدرس شيئًا من هذا في الأزهر؟! أولم يقرأ أن أممًا حكمت بقواعد الإسلام فقط عهودًا طويلة كانت أنضر العصور؟! وأن أممًا لا تزال تحكم بهذه القواعد، وهي آمنة مطمئنة؟!

فكيف لا يكون الإسلام مدنيًّا ودين حكم؟!

أين كان هذا الشيخ من الدراسة الدينية الأزهرية؟!

إن قرار «هيئة كبار العلماء» بإخراج الشيخ علي من زمرتهم قرار صحيح لا عيب فيه، لأن لهم حقًا صريحًا بمقتضى القانون، أو بمقتضى المنطق والعقل، أن يخرجوا من يخرج على أنظمتهم من حظيرتهم، وذلك أمر لا علاقة له مطلقًا بحرية الرأي.. لقد فصل العلماء ما هو واجب وحق، وما لا يجوز أن توجه إليهم أدنى ملامة فيه.

والذي يؤلمني حقًا أن كثيرًا من الشبان الذين لم تقو مداركهم في العلم القومي، والذين تحملهم ثقافتهم الغربية على الإعجاب بكل جديد، سيتحيزون لمثل هذه الأفكار، خطأ كانت أو صوابًا، دون تمحيص ولا درس.

وكم وددت أن يفرق المدافعون عن الشيخ بين حرية الرأي وبين قواعد الإسلام الراسخة التي تصدى كتابه لهدمها»([2]).

حول افتراءات علي عبد الرازق وأتباعه

لقد ردد علي عبد الرازق مزاعم الحاقدين من غير المسلمين دون وعي أو فهم أو بصيرة، فزعم أن الناس أحرار في اتباع ما تقره عقولهم ومصالحهم، وهو في هذه المقولة يستشهد بأفكار «هوبز» و«لوك» من فلاسفة الإنجليز، وتناسى أنهما يقولان: إن هذه الحرية تؤدي إلى الصراع بين أفراد مما يلزم أن يتنازل كل فرد عن بعض حريته ليعيش الجميع في وئام، وهذا هو رأي «هوبز» في كتابه «العملاق» (1651م) وذلك حتى لا يحتكم الناس إلى القوة بدلًا من الاحتكام إلى القانون والتسريع، وهذا هو قول «لوك» في كتابه «رسالتان في الحكم» سنة 1690م.

وقد يجهل بسبب حداثة تخرجه أن الأفراد، في المجتمع مختلفون في عقولهم وعلومهم ومصالحهم وأهوائهم ونزعاتهم وعواطفهم وشهواتهم، بل منهم من لا يعرف هذه الأمور كالأطفال، فإن تمسك بما يهديه عقله إلى ما فيه مصلحته تنازعوا وتقاتلوا وأهلك بعضهم بعضًا([3]).

وهذه الدعوة العلمانية لا يجهل أصحابها أن الإسلام فقط ترك لهم حرية الأخذ بالتشريع الذي تهدى إليه عقولهم ومصالحهم فيما لم يرد فيه نص في القرآن والسنة دون أن تعارض اجتهادتهم هذه النصوص التي جاءت تخاطب المجتمعات والدول والجماعات.وأنكر عبد الرازق قيام دولة للمسلمين بقيادة النبي صلى الله عليه وسلم، بدعوى أن رئاسة الدولة تعني الملك وهو لم يكن ملكًا، وردد ذلك المستشار محمد سعيد العشماوي وزعم الشيخ علي عبد الرازق هذا ليس من سمات الرسالة وزعم أن عدم وجود ميزانية وعدم تنظيم القضاء والأموال ومصارفها في عهد النبي صلى الله عليه وسلم يفقد هذا المجتمع مقومات الدولة.

والملاحظ أن الشيخ ذكر في كتابه أنه تولى القضاء بالمحاكم الشرعية سنة 1323هـ فدعاه هذا إلى البحث في القضاء الشرعي لأن القضاء فرع من فروع الحكومة وركن منها، ويجيب عن ذلك الدكتور سيف الدولة بأن هذا يعني أنه كان يبحث في هذا الموضوع العميق وهو لم يتجاوز السابعة والعشرين من عمره حيث ولد سنة 1888م، وهذا لا يتيح له ملكة التحصيل لهذا العلم والاجتهاد في أصول الحكم وهذه يجهلها تمامًا، فالميزانية والشؤون المالية والدواوين ليست من النظم السياسية التي هي نظم الحكم بل تدخل في النظم الإدارية، فهذه لم تنشأ إلى في القرن الثامن عشر، كما أن تنظيم القضاء لا يسبق التشريع والقانون، وأوروبا خلال القرن الرابع عشر وحتى القرن السادس عشر كانت تناقش هل توجد ضرورة للقانون أم يكتف بحكمة الأمير أو الملك.

أما ادعاء أن قيام الدولة يعني الملك وهذا يتنافى مع الرسالة والنبوة، فهذا لا يجرؤ على قوله إلا من جهل أصول الحكم وجوهر الرسالة والنبوة معًا، فالنبي قد يكون حاكمًا ولا تهم التسمية، فالله يقول له: ﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ (النساء: 105).

فمن أصول الحكم أن يكون التشريع قبل القضاء ليخضع الحاكم والمحكوم لقواعد عامة مجردة وملزمة، وهذا ما تمثل في القرآن الكريم.

توبة علي عبد الرازق

ولقد رجع الشيخ علي عبد الرازق عن هذه المزاعم الباطلة التي روج لها الأوروبيون لتكريس إلغاء الخلافة الإسلامية، والتي صودرت بيد ربيبهم مصطفى كمال فيسنة 1924م.

ولقد كتب الشيخ علي عبد الرازق في مجلة «رسالة الإسلام» في عددها الثالث من السنة الثالثة الصادرة في رمضان 1380هـ «يوليو 1959م» كتب ما نصه: «قرأت بحثًا لحضرة صاحب العزة الدكتور أحمد أمين جاء في صره: إنه كان يتجادل معي فقلت له: إن دواء ذلك أن ترجع إلى ما نشرته قديمًا من أن رسالة الإسلام روحانية فقط، ولنا الحق فيما عدا ذلك من مسائل ومشاكل.

قال الشيخ علي عبد الرازق: ولقد وقفت أمام نظري كلمة رسالة روحانية ولم تشأ أن تمر من غير أن تثير ذكرى قديمة لهذه الكلمة معي، فقد زعم الباحثون أنني في غير هذا البحث قد جعلت الشريعة الإسلامية شريعة روحانية محضة، أما أنا فقد رددت عليهم: إنني لم أقل ذلك مطلقًا لا في الكتاب ولا في غيره».

ويعلق الدكتور رجب بيومي على ذلك بأن هذا تراجع صريح لأن الشيخ علي عبد الرازق قال في كتابه ص 69: «إن ولاية الرسول على قومه ولاية روحية منشؤها إيمان القلب، وولاية الحاكم ولاية مادية، تلك زعامة دينية وهذه زعامة سياسية»([4]).

ولكن أجهزة الإعلام التي روجت لأكاذيبه لم تنشر شيئًا عن تراجعه الصريح أو المقنع.

(1)  هذا هو تعليق سعد زغلول كما أورده الأستاذ محمد إبراهيم الجزيري في «سعد زغلول: ذكريات تاريخية» ص 92، 93، طبعة «كتاب اليوم» القاهرة.

(2) )عند الدكتور عصمت سيف الدولة في مقاله عن العروبة والإسلام، المنشور في الوطن، الصادر بالكويت يوم 11/ 1/ 1986م و6/ 1/ 1986، وصدر بعد ذلك في كتاب باسم «العروبة والإسلام».

(3) الخلافة العباسية ص 18-21 دار سينا للنشر- القاهرة- 1990م.

(4) عن كتاب «الزهر بين السياسة وحرية الفكر» ص 114 سلسلة كتاب الهلال.

الرابط المختصر :