; إفلاس تجربة القوانين الوضعية | مجلة المجتمع

العنوان إفلاس تجربة القوانين الوضعية

الكاتب المستشار سالم البهنساوي

تاريخ النشر السبت 01-ديسمبر-2001

مشاهدات 70

نشر في العدد 1479

نشر في الصفحة 46

السبت 01-ديسمبر-2001

نزيل بسجن أتلانتا: السجون بيئة لنمو الشخصية الإجرامية ومؤسسات لتخريج المجرمين

أغلب الشراح يفكرون في العودة إلى عقوبة الجلد، وقد اقترح تنفيذها في فرنسا على أعمال التعدي الشديد على الأشخاص

يزعم حماة القوانين الوضعية أن تلك القوانين أصلح للفرد والمجتمع، وأنها الضمان والأمان للفرد والمجتمع، ولكن الواقع العملي يكذب هذه المزاعم، فكل بلد يطبق هذه العقوبة زادت فيه الجرائم من هذا النوع انتشارًا والمجرمون عتوًا وسطوة، والإحصاءات في جميع الدول التي تأخذ بهذا النظام تؤكد زيادة الجرائم واضطراب الأمن، وانتشار الفزع والرعب وسطوة الإرهاب والمجرمين.

والقياس الصحيح لكل عقوبة هو أثرها على نفسية المجرمين والقضاء على الجريمة، فإذا لم يتحقق هذا الهدف فهي عقوبة فاسدة فاشلة تحتاج إلى عقوبة تقضي عليها، وتوجب استبدالها بعقوبات زاجرة رادعة، ومن ثم فإن الإمام مالكًا رضي الله عنه إذ كان يرى إطلاق يد الإمام في عقاب الذي ارتكب جريمة السرقة الكبرى، على ضوء ما يراه محققًا للمصلحة العامة، حيث يخير في عقاب الجاني بأية عقوبة مما جاء في النص القرآني، إلا أنه -أي الإمام مالك- لا يجوِّز له أن ينزل بالعقوبة في هذه الحالة عن عقوبة القطع، لأن الحرابة سرقة مشددة، وعقوبة السرقة أصلًا هي القطع، وهو بهذا يقترب من رأي الإمام ابن حزم الظاهري[1] (1)، وهذا يعني أن أقرب الآراء الإسلامية ليونة وبساطة حريصة على أن تحقق العقوبة هدفها من ناحية الزجر والردع حرصًا على المصلحة العامة وأخذًا بالقاعدة الفقهية التي تفيد أن تصرف الإمام على الرعية منوط بالمصلحة.

ومع هذا ترتفع عقيرة من ليس لهم حظ في العقول باتهام الإسلام بالقسوة والغلظة، ويرون أن عقوبته في هذا الشأن وحشية لا تناسب الحضارة والمدنية، كما أنها لا تتفق مع رقي الإنسانية، ويفضلون العقوبات الوضعية التي تعتبر السجن هو الوقاية والعلاج. إن العقوبات البدنية الشرعية أنسب وأصلح فمثلًا : عقوبة الجلد أشد أثرًا لأنها تمس جانبًا نفسيًّا للشخص، فتردعه وتزجر غيره، وقد اتجهت التشريعات الغربية الآن إلى إعادة النظر في هذه المسألة، وقد قال أحد النزلاء في أحد سجون الولايات المتحدة بولاية أتلانتا ما يلي: «إنني أعلم أن السجون مخطئة؛ لأنها تعلن بصراحة أنها مجتمع يعمل على وضع نظام لنمو الشخصية الإجرامية، مجتمع يحاول خلق إتمام أحد البرامج الخاصة بنشر الاتجاهات المعادية للمجتمع، مجتمع يحاول خلق مؤسسات تعمل على تخريج المجرمين بنسبة كبيرة، وإذًا فلا توجد هيئة أكثر تأثيرًا لبلوغ هذه الأهداف من السجن[2]» (۲).

وفي مصر الإسلامية يكفي الاطلاع على أحد تقارير السجون من عام ۱۹۳۰ حتى عام ١٩٩٧م لتجد عددًا هائلًا من المساجين ممن له سوابق، ومن ليس له، والأغلب الأعم منهم كان من النوع الأول، والأولى لهم -وللسلطات المختصة وللأمة جمعاء- إما وقف تنفيذ العقوبة لمن يتوسم القضاء فيهم أنهم أهل لذلك، وإما جلد من هو ضالع في الإجرام أو العائد إليه لردعه وزجر غيره.

وفي سنغافورة تم إقرار عقوبة الجلد لمن يكتب شعارات تشوه الجدران، وفي مايو ١٩٩٥م حكم على أمريكي هناك باثنتي عشرة جلدة، وبعد تدخل الرئيس الأمريكي كلينتون خففت العقوبة إلى ست جلدات، ولكن بعصٍ من شقين، فتصبح اثنتي عشرة جلدة، بل إن بعض الولايات الأمريكية أضافت عقوبة الجلد في قانون العقوبات لبعض الجرائم بشرط أن يكون ذلك علنًا أمام الناس[3] «

وإن أغلب المشرعين اليوم يفكرون في العودة إلى تقرير هذه العقوبة، ويسعون في وضع هذه الفكرة موضع التنفيذ، وقد اقترح فعلًا في فرنسا تقرير عقوبة الجلد على أعمال التعدي الشديد التي تقع على الأشخاص، وذُكر -تأييدًا لهذا الاقتراح- أن العادات قد تطورت تطورًا مخيفًا، وأن طبقات العامة أصبحت تلجأ إلى القوة والعنف لحسم المنازعات، وأن الإجرام تغير مظهره عن ذي قبل، فأصبح أكثر وأعظم حدة، وأن لا وسيلة لتوطيد الأمن إلا بإعادة العقوبات البدنية وأفضلها عقوبة الجلد [4](۳). قيل إن الجزاءات البدنية عمومًا تخلق جوًا من الكراهية في العلاقة بين المحكوم عليهم والقائمين على إدارة المؤسسة العقابية، وتجعل التعاون بين الفريقين عسيرًا، مما يهدد بإفساد جهود التهذيب والتأهيل[5] (٤).

والحق أن الخوف من ألم الجلد هو أول ما يخافه المجرمون، وتلك ميزة يجب الاستفادة منها بعودة هذا النوع من العقاب لإرهاب من تسول له نفسه الإقدام على السلوك المجرم، كما أن مسألة احترام مجرم تأصل في إجرامه أمر لا محل له في العقاب، لأن هذا المجرم ذاته لم يوفر لنفسه ما يجب من احترام، ولو خيرته بين السجن والجلد لاختار الجلد، لهذا يلزم سلطات الأمة توفير هذا اللون من العقوبة حرصًا على صيانة الأسرة والمحكوم عليه، بدنيًّا ونفسيًّا[6] (٥) ولا يكون ذلك إلا بنص في الدستور.

العجز الأمريكي والأوروبي

إن ما عرف بفضيحة مونيكا جيت، وهي المرأة اللعوب التي اتهمت الرئيس الأمريكي السابق عام ١٩٩٩م أنه زنى بها، وأنكر مما وضعه أمام تهمة الكذب، هذه الفضيحة كشفت عن عجز القانون الأمريكي عن حماية حتى رئيس الدولة من الوقوع في حبائل الشيطان. لهذا من باب أولى يعجز هذا القانون عن حماية الفرد والأسرة، وما يصدق على أمريكا يصدق على أوروبا وعلى أذنابها من العرب والأعراب. إن بعض المعلومات التي أوردها الأستاذ مختار المسلاتي في كتابه «أمريكا التي رأيناها» تكشف عن هذا العجز الصارخ.

ففي الولايات المتحدة كل ١٠ ثوان يتم السطو على بيت ومن كل ٣ عائلات أمريكية هناك عائلة تأثرت مباشرة بأحد الجرائم الخطيرة سنويًّا، مما ينتج عنه مجموعة كبيرة من الإصابات القاتلة أو إعاقة بدنية شاقة لأصحابها. وفي مدينة نيويورك وحدها بلغ عدد جرائم السرقة وحدها 3- 7- 21 جريمة باستخدام العنف في عام ۱۹۸۰م -على سبيل المثال- والسؤال: كم عدد الأبرياء الذين تكونت لديهم عاهات نتيجة هذا العنف المسلح، طبعًا الإحصائيات لا تذكر جميع الأرقام، أحد رجال البوليس وهو وليام ليش يصرح قائلًا: «المجرمون لم يكتفوا بسرقة الضحية، فهم يضربون ويعتدون باستخدام السكاكين والمسدسات على طريقة أفلام التليفزيون والسينما».

وبالنسبة لجرائم السرقة تمثل مدينة ديترويت بولاية متشجن مكان الصدارة، حيث يبلغ معدل هذا النوع من الجريمة ١٥٦٠ حالة لكل ۱۰۰۰۰۰ نسمة، ثم تأتي نيويورك ۱۱۲۰ حالة، ثم بوسطن ۱۰۰۰ حالة، وجريمة السطو على البيوت امتازت بها فيلادلفيا بولاية بنسلفانيا، حيث هناك ۳۷۷۰ حالة لكل ۱۰۰۰۰۰ نسمة، ثم دنفر ۲۸۲۰ حالة. أما جرائم اللصوصية فتحتل دالاس بولاية تكساس المرتبة الأولى فيها، إذ تصل إلى ٦٣٠٠ حالة ثم أتلانتا ٥٣٧٠ حالة، فنسبة الجريمة -«ولم نذكر إلا السرقة وتوابعها» قد ارتفعت خلال العشرين سنة الماضية، وتعتبر المشكلة الأولى، بل زادت نسبة المجرمين الذين يسرقون باستخدام العنف تحت سن ١٦.

وفي ميامي وحدها، في عام ۱۹۸۰م فقط تم بيع ۵۱۰۰۰ مسدس كسلاح للدفاع عن النفس من حوادث السرقة، حيث يقول المحامي «وليام فلاك» من منطقة برونكس في مجلة World Press Review «المجرمون يعترضون المارة ويقولون لهم« مالك أو حياتك»، والآن يقولون لهم: «مالك وحياتك». هذه الجرائم وغيرها دعت الرئيس الأمريكي الأسبق «رونالد ريجان» لإصدار أوامره بتخصيص مساعدات مالية لتغطية نفقات البحث في حوادث الإجرام التي عمت الولايات المتحدة في الثمانينيات، وفق ما نشرته CBS NEWS -لكن ماذا حدث عندما لم يكن هناك حل رادع لجريمة السرقة في المجتمعات الغربية، وعلى سبيل المثال الولايات المتحدة؟

ولهذا فإنه نتج عن النظام الوضعي المتهالك للعقوبات أنظمة أفرزتها الجريمة، وأصبحت تجارة الدفاع بالنفس ضد المجرمين رائجة، حيث انتشرت رياضة وسائل الدفاع عن النفس ضد السرقات وشراء صفارات الإنذار، والشركات المتخصصة لتركيب أنظمة حماية البيوت وانتابت الولايات المتحدة هستيريا الخوف، وعم الشعور بالأمن والأمان إلى حد أن أحد عمداء مدينة نيويورك، وهي السيدة إيلنا فينستن تقول:« إن كثيرًا من المواطنين وقعوا في فخ البقاء في بيوتهم بسبب خوفهم من الخروج ومواجهة الجريمة[7]» (٦).

إن العقوبات التي يزعم حماة القانون الوضعي أنها أنسب وأصلح من العقوبات الإسلامية، أثبت الواقع العملي عجزها تمامًا عن حماية المجتمعات من عبث العابثين الذين تزداد أعدادهم بسبب عدم جدوى العقاب الوضعي. إن هذه المجتمعات لم يقف انحرافها عند هذا الحد، بل أقرت الشذوذ بين الرجال وهو اللواط والشذوذ بين النساء، وهو السحاق، حتى إن بعض الكنائس قد سمحت بالزواج بين الرجال والنساء بعضهم بعضًا. لقد حذر نبي الإسلام من أخطار الفاحشة فقال صلى الله عليه وسلم: «ما شاعت الفاحشة في قوم يعمل بها علانية إلا ظهر فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن في أسلافهم».

وبعد خمسة عشر قرنًا ظهر مرض الإيدز الذي لم يكن في أسلافنا، كان أول ظهور له في عام ۱۹۸۱م في أمريكا، لقد وصل عدد الحالات التي أعلن عنها الخبراء حتى نهاية عام ١٩٩٢م مليوني ونصف مليون حالة، وأن حاملي هذا المرض يقدرون بنحو اثني عشر مليونًا، وفي يوم 24/ 2/ 1422هـ- 17/ 5/ 2001م نشرت جريدة القبس الكويتية، نقلا عن وكالة الأنباء الفرنسية: أن محكمة بروكلين في نيويورك ألغت حكمين صدرا على رجلين أمضيا ١٤ عامًا في السجن بتهمة ارتكاب جريمة قتل لا علاقة لهما بها.

فقد أدين أنتوني فيزون وتشارلز شبرد في ١٤ مارس ۱۹۸۷م بقتل سائق سيارة أجرة، استنادًا إلى شهادة مدمنة على الكوكايين أكدت أنها تعرفت عليهما أثناء الحادث. ولاحقًا اعترفت كارولين فان بورن لمحقق خاص يعمل لحساب فيزون وشيبرد أن صاحبها نيكي روبر أقنعها بالإدلاء بشهادتها ضد الرجلين لأنهما رفضا توظيفه بسبب إدمانه المخدرات. وقبل التمكن من الإفراج عن المتهمين اضطر المتحري إلى اقتفاء أثر صديقة المجرم الحقيقي الذي اعترف لها بجريمته في رسالة في ١٩٩٠م. وقال فيزون للصحافيين لدى خروجه من المحكمة كرجل حر منذ إدانته «لا بد من إعادة النظر بنظام القضاء الجنائي».

شهادة الواقع العملي

إن الواقع قد أثبت أن العقوبات البدنية هي التي عالجت الكثير من الجرائم، فيكفي أن تطبيقها في مدن المملكة العربية السعودية مع اتساعها الشاسع جدًا أدى إلى أن يأمن أهلها ومعهم الملايين من المسلمين الذين يفدون إلى مكة والمدينة في موسم الحج والعمرة، ولم يقطع من الأيدي خلال خمسة وعشرين عامًا إلا اثنتي عشرة يدًا: أي بمعدل يد واحدة كل سنتين.

وقد كانت لي تجربة عملية في محافظتي الدقهلية ودمياط في مصر، بمكاتب الهيئة العامة للتأمينات الاجتماعية خلال الفترة من عام ١٩٦٢ إلى عام ١٩٦٥م، ففي صيف عام ١٩٦٢ أبلغني الأستاذ عبد الكريم المغازي أن وزير العمل ورئيس مجلس إدارة الهيئة يرون إسناد مهمة تطهير هذه المنطقة من السرقة والرشوة إلي حيث إنه تعذر تحصيل نحو نصف مليون جنيه من أصحاب الأعمال بسبب وجود شهادات تفيد بعدم مديونيتهم، بينما تفتقر ملفاتهم إلى وجود سندات السداد وشيوع الرشوة والسرقة بين عدد غير قليل من الموظفين، وذلك يوجب أن أتولى هذه المهمة، على أن أستعين بجهاز الرقابة على الأموال العامة، فأوضحت أنه ليس لدى هؤلاء سوی ضبط الأشخاص وإبلاغ النيابة عنهم، ثم حبسهم، والحبس لا يعالج هذه الجرائم، بل يضر بالفرد وأولاده وأسرته، ولهذا يجب أن يترك لي اختيار الوسيلة التي أقررها، بما في ذلك نقل من أراه فورًا وانتداب من أرى انتدابه لمعاونتي، وبعد موافقة المسؤولين على ذلك انتقلت إلى هذه المنطقة، وأقمت في المنصورة في دلتا مصر، وانتهيت إلى ندب عدة أشخاص في طنطا والقاهرة، ونقل موظفة واحدة فقط خلال أربع وعشرين ساعة دون أن يقبل لها الشفاعة من أي مسؤول، مهما كان، بمن فيهم رئيس مجلس المدينة.

كما انتهيت إلى زيادة رواتب الموظفين عن طريق العمل الإضافي، مع التوعية المستمرة لهم بخطورة عقاب السرقة والرشوة ثم تخييرهم هم ومن يضبط من أصحاب العمل برشوة بين الجلد علانية أمام جميع المراجعين أو إبلاغ النيابة العامة عنه متلبسًا، فلم يطلب أحد منهم اختيار طريق القانون الوضعي وقبلوا الجلد، وبعد جلد عدة أشخاص من أصحاب الأعمال الذين عرضوا الرشوة النقدية أو العينية على عادتهم السابقة، استقر الأمر وتوارت حالات الرشوة، غير أن محامي شركة الخشب الحبيبي قد اعترض علانية على جلد أحد الأشخاص أمامه في صيف ١٩٦٤م، وزعم أن هذه همجية القرون الوسطى، وهدد بإبلاغ الرئيس جمال عبد الناصر، قاستضفته معي إلى الإدارة العليا في الدور العلوي، وطلبت سرًا ملف شركته، وأثناء تناوله القهوة أطلعت على الملف، فاتضح أنه يطالب ببدل إصابة عمل له مدعيًّا أنه وقع من السلم العلوي بالهيئة، واحتاج إلى علاج لمدة خمسة أيام، وقدم إقرارات بذلك، ولما كشفت له بالدليل كذب ادعائه هذا، خيرته بين أن يجلد أمام المراجعين حتى لا يسخر من الجلد وهو عقوبة وردت في القرآن الكريم أو أن نحيل أوراقه إلى النيابة العامة، وحدث بعد ذلك ما حدث، وتم القضاء على ظاهرة الرشوة تقريبًا. إن المجتمعات العربية والإسلامية تئن بالشكوى من استمرار القوانين الوضعية وفرضها على الشعوب رغمًا عنها، مطالبة بإعادة تطبيق الأحكام الشرعية لأنها العلاج الناجع لمشكلات المجتمع كلها..

الرابط المختصر :