العنوان إفلاس الشركات العملاقة.. يثير الذعر داخل أمريكا وخارجها
الكاتب عبد الرحيم حمودة
تاريخ النشر السبت 20-يوليو-2002
مشاهدات 71
نشر في العدد 1510
نشر في الصفحة 48
السبت 20-يوليو-2002
تراجع معدل النمو.. هروب الاستثمارات.. انخفاض قيمة الدولار وتفاقم عجز الميزان التجاري
من أسباب الكارثة: تضخيم الإنجازات.. توسع دائرة الفساد بين كبار المسؤولين.. رشوة السياسيين وتواطؤ شركات التدقيق
توقعات باستمرار الفضائح والتأثر الاقتصادي السلبي نتيجة تدفق الاستثمارات إلى أوروبا وآسيا
(*) خدمة وكالة قدس برس- لندن
تتواصل عمليات الكشف عن فضائح الفساد والتلاعب في أرقام الحسابات المالية للعديد من الشركات الأمريكية الكبرى، بدءًا من شركة «إنرون» العملاقة للطاقة وصولًا إلى «زيروكس»، ومرورًاً بـ «تيكو» و «جنرال موتورز» و«مايكرون تكنولوجي»، و«جلوبال كروسينج» و«بوينج»، وأخيرًا عملاق الاتصالات «وورلدكوم»!
أدت الفضائح إلى إفلاس العديد من الشركات ووضع أخرى على طريق التصفية, كما اهتزت أسواق الأسهم والأوراق المالية وتأثر الاقتصاد العالمي بأكمله.
جاءت آخر الفضائح حينما أعلنت مجموعة «وورلدكوم» ثاني أكبر شركة أمريكية للاتصالات وخدمات المعلومات الدولية التي تبلغ تكاليفها وفوائد ديونها 30 مليار دولار، في ٢٥ يونيو الماضي إثر اكتشاف مخالفات حسابية تبلغ قيمتها 3.85مليار دولار في عام ۲۰۰۱ وفي الفصل الأول من عام ٢٠٠٢م.
بعد ساعات من إعلان الشركة عن فصل مديرها المالي سكوت سوليفان, عقب اكتشاف مخالفات وأخطاء محاسبية, هبطت أسهم الشركة في أسواق المال العالمية بشكل حاد، حتى وصل إلى ٢٠ سنتًا، علمًا بأن سعر السهم في أسواق المال العالمية وصل منذ أشهر إلى ٦٤ دولارًا، ثم واصل انخفاضه حتى بلغ ٨ سنتات فقط أي أن السهم فقد 99.875% من قيمته.
أعلنت الشركة- التي يعمل فيها ٨٥ ألف موظف- أن المخالفات تضمنت تحويلات بين حسابات داخلية بلغت 3852 مليون دولار في عام ٢٠٠١ والربع الأول من عام ٢٠٠٢.
هذه التحويلات غير القانونية قللت أرباحها بقيمة ٦٣3٩ مليون دولار للعام ٢٠٠١ وبقيمة ١٣٦٨ مليون دولار للربع الأول من سنتها المالية ۲۰۰۲ أي أن مجموع الخسائر يزيد على ٧.٥ مليارات دولار خلال ١٥ شهرًا.
وسجلت «وورلد كوم» تكاليف تشغيل مثل رسوم استخدام شبكات شركات اتصالات أخرى باعتبارها استثمارات رأسمالية طويلة الأجل في خطوة مكنتها من إخفاء جانب من نفقاتها وتضخيم تدفقاتها المالية وإظهار أرباح غير حقيقية.
ويجري حاليًا حساب تكاليف انهيار «وورلد كوم»، فالشركة مدينة لبنوك على مستوى العالم بنحو ٤,٥ مليار دولار, فيما تبلغ مستحقات شركات التأمين الأمريكية لدى الشركة نحو ٥.٤ مليار دولار.
حلقة في سلسلة: لم تكن قضية الفساد في «وورلد كوم»، معزولة بين الشركات الأمريكية، فقد سبقها العديد من قضايا الفساد التي طالت شركات كبرى وكشفت النقاب عن شبكات كبيرة من العملاء والوسطاء يتبوأ الكثير من عناصرها مناصب كبيرة في الاقتصاد والإدارة الأمريكية، كما أدت شركات المحاسبة التي تتولى تدقيق حسابات هذه الشركات مثل شركة «أرثر أندرسون»، دورًا خطيرًا في هذه الفضائح.
وهناك فضيحة شركة زيروكس للتجهيزات المكتبية التي قالت صحيفة «وول ستريت جورنال» إنها أقدمت على ممارسات مغلوطة في حساباتها بين عامي ۱۹۹۷ و ۲۰۰۰ وسجلت أرقام أعمال تزيد على ٦ مليارات دولار، بدلًا من الرقم الحقيقي وهو ثلاثة مليارات، فيما قالت الشركة إنها عدلت في حساباتها المعلنة بما يقارب ملياري دولار خلال السنوات الخمس الماضية.
أسباب الانهيار
يرى الخبراء والمحللون الاقتصاديون أن هناك مجموعة من الأسباب تقف وراء هذه الفضائح والانهيارات منها:
1- غياب الشفافية والوضوح والتغاضي عن الأخطاء التي تُعتبر إحدى ضرورات التقدم الاقتصادي وحِيازة وامتلاك عناصر القوة المتجددة والدائمة، وهو ما يطرح تساؤلات عن كفاءة المؤسسات المالية والمصارف الأمريكية ذات الصبغة العالمية والمتعددة الجنسية في تقويم الجدارة الائتمانية للمقترضين الكبار.
2- تضخيم الإنجازات وتقديم أرقام وهمية عن أرباح خيالية أسهمت في رفع أسعار أسهم هذه الشركات في الأسواق المالية بدون مبررات اقتصادية فعلية؛ بهدف تضليل المستثمرين ودفعهم إلى الإقبال على شراء أسهم هذه الشركات بصورة كبيرة، مما أسهم في رفع قيمتها بصورة جنونية.
3- توسع دائرة الفساد بين المسؤولين الكبار في هذه الشركات, وتقديم رشا كبيرة للمسؤولين الاقتصاديين في الإدارة والكونجرس؛ للتغاضي عن الإجراءات غير القانونية، وهو ما أكدته صحيفة وول ستريت جورنال في ١٨ يونيو الماضي من أن رئيس شركة «إنرون» كينيث لاي حصل على ٦٧.٤ مليون دولار على الأقل على شكل رواتب ومكافآت وأسهم بدءًا من الثاني من يناير ٢٠٠٠ ولمدة عام كامل، وحصل كل مسؤول على مبلغ يقدر بنحو ٤,٨ مليون دولار، كما قدمت الشركة لحملة الانتخابات الرئاسية الأخيرة أكثر من ٦ ملايين دولار، وأضافت الصحيفة أن شركة إنرون للطاقة ستكشف في وقت لاحق أنها دفعت ٦٨١ مليون دولار نقدًاً وعلى شكل أسهم لـ ١٤٠ من مسؤوليها الكبار، بينما كانت تعد لإعلان إفلاسها قانونيًا!
4- تواطؤ شركات المحاسبة والتدقيق المعتمدة مع مسؤولي هذه الشركات، وهو ما أدينت به شركة «آرثر أندرسون» التي تعتبر من أكبر شركات تدقيق الحسابات في العالم, وتشغل ٢٦ ألف موظف- من قبل القضاء الأمريكي- فقد وجهت إليها أصابع الاتهام في انهيار مجموعة «إنرون» العملاقة للطاقة التي أعلنت إفلاسها في ديسمبر الماضي عبر إتلاف أطنان من الوثائق تتعلق بشركة إنرون, وبدأت أصابع الاتهام تشير إلى شركة أندرسون مع بدء التحقيق في انهيار إنرون على أساس مسؤوليتها من جانبين: الأول: أنها أسهمت في إخفاء خسائر إنرون عن طريق إنشاء شركــات وهمية على الورق، وادعاء أن إنرون تسهم فيها وتحقق منها أرباحًا وهمية، والثاني: أنها أخفت على المحققين حقيقة معاملاتها أو معاملات إنرون.
انعكاسات الفضائح
يشعر العديد من المسؤولين الأمريكيين بالقلق من جراء التداعيات السلبية لسلسلة الفضائح السابقة على مستقبل الاقتصاد الأمريكي الذي ما زال يعاني من الركود وآثار هجمات الحادي عشر من سبتمبر، وفيما يلي أهم الانعكاسات السلبية:
1- تراجع معدل النمو: وجهت فضائح الفساد ضربة قوية لانتعاش الاقتصاد الأمريكي الذي تحقق خلال النصف الأول من العام الجاري، هو ما أكدته «كاترين مان» الاقتصادية في معهد الاقتصاديات الدولية في واشنطن بقولها: «إن الفضائح ألقت بثقلها على النصف الثاني من العام ۲۰۰2، وستلجم نمو الدخل القومي في العام ٢٠٠٣».
وأوضحت أن إجمالي الناتج الداخلي سينمو نسبة ٢,٥ % فقط وفقًا للوتيرة السنوية من يوليو إلى ديسمبر هذا العام بدلًا من نسبة ٣.٥% المتوقعة سابقًا، وقد ارتفع إجمالي الناتج الداخلي في الفصل الأول منه بنسبة ٦.١% بحسب التوقعات الأخيرة التي نشرتها وزارة التجارة مقابل تقديرات سابقة تحدثت عن ٦,٥%, ويفسر هذا الارتفاع الكبير خصوصًا بانتهاء تصفية مخزون الشركات وأكدت «مان» أن «أزمة الثقة هذه لدى المستثمرين والجمهور تشكل سحابة سوداء للنمو في الولايات المتحدة والعالم».
هروب الاستثمارات: لا تزال حركة الاستثمار في الشركات تمثل الحلقة المفقودة في النشاط الاقتصادي الأمريكي, وتعتبر أساسية لضمان استمرار هذا النشاط عبر إيجاد فرص عمل جديدة، لكن خسارة عشرات الآلاف من الموظفين لوظائفهم سيزيد من معدلات البطالة التي ستؤدي إلى عودة الاقتصاد مجددًا لحالة الركود, بعد أن أدى إفلاس مجموعات أمريكية عملاقة في الفترة الأخيرة, وإعلان عدد آخر وجوب مراجعتها للنتائج المالية في السنوات الأخيرة بعد التلاعب بحساباتها في هز ثقة المستثمرين الأجانب بالأسواق المالية الأمريكية التي سجلت تراجعًا كبيرًا في الأشهر الأخيرة، وازدادت الريبة التي يشعر بها المستثمرون والمستهلكون والمؤسسات المالية في مواجهة تقويم الشركات عمقًاً، بينما شهد حاملو الأسهم في قطاع الاتصالات وحده تدهور قيمة أسهمهم في السنوات الأخيرة أكثر من ألفي مليار دولار، وبات نصف مليون موظف عاطلين عن العمل.
1- وقال جون لونسكي، أبرز العاملين في قسم التوقعات في شركة موديز التصنيف المالي «إن ما يزيد الخشية بعد فضيحة «وورلدكوم» أن حجم ديون الشركات غير المالية الأمريكية بلغ ٤٨٧٠ مليار دولار في الفصل الأول من العام، أي نحو نصف قيمة إجمالي الناتج الداخلي في الولايات المتحدة».
2- واعتبر لونسكي أن «قضية «وورلدكوم» قد يكون لها انعكاس مدمر على الطريقة التي ينظر من خلالها المستثمرون الأجانب إلى السوق الأمريكية, الأمر الذي قد يمنعهم من الاستثمار فيها, وبالتالي من تمويل العجز الخارجي للولايات المتحدة».
3- ويرى الخبراء أن الاستثمارات الأجنبية تتجه إلى منطقة اليورو، مما أدى إلى رفع قيمة العملة الأوروبية، وهو ما أكده رئيس المفوضية الأوروبية رومانو برودي بقوله: إن ارتفاع قيمة اليورو إلى المعدل الذي وصلت إليه في ٢٦ يونيو كان بسبب توقف تدفق رأس المال الأجنبي إلى الولايات المتحدة، مشيرًا إلى أن الزيادة جاءت أسرع مما كان متوقعًا، ومُعرِبًا عن أمله بألا يتراجع هذا التحسن.
4- هنا لا بد من التذكير أن الاستثمارات الخارجية أدت دورًا كبيرًا في النمو الكبير الذي حققه الاقتصاد الأمريكي خلال الفترات الماضية؛ فقد ارتفع تدفق الاستثمارات الأجنبية المباشرة وغير المباشرة من ٥ مليارات دولار عام ١٩٧٤ إلى 13.9 مليار عام ١٩٧٥، ثم ٣٢,٤ مليار دولار عام ۱۹۷۷، وتصاعدت بشكل كبير بعد ذلك فبلغت ٧٦٢.٥ مليار دولار عام ۲۰۰۰، لتسجل قيمة الاستثمارات المباشرة وغير المباشرة المتراكمة في الولايات المتحدة نحو 9377.2 مليار دولار في نهاية عام ٢٠٠٠.
زعزعة استقرار المجتمع الأمريكي: أوجدت حالات الإفلاس حالة من القلق وعدم التوازن داخل المجتمع الأمريكي, وخلفت هذه الفضائح أجواء من الشك في صفوف المواطنين والموظفين وحملة الأسهم في البورصة من الأمريكيين الذين يقدر عددهم بنحو ٨٠ مليون شخص، والخوف على مدخراتهم نتيجة الخسائر الباهظة التي منيت بها أسعار الأسهم، وأدى تدهور أسعار الأسهم ومناخ القلق الذي واكبه إلى القضاء على ثقة المستثمرين, وتواجه البورصات العالمية حاليًا هروب كبار المستثمرين الذين تركوا الساحة خالية لأموال المضاربات التي تملك نحو ٤ % من رؤوس الأموال في البورصات العالمية.
1- تراجع قيمة الدولار: يشهد الدولار الأمريكي تراجعًا غير مألوف في قيمته فمنذ بداية العام الحالي نمت العملة الأوروبية الموحدة بنسبة تتجاوز 11% مقابل الدولار، وفي شهر يونيو الماضي ارتفع اليورو سبعة سنتات تقريبًاً مع تزايد الشكوك في الانتعاش الاقتصادي الأمريكي.
تفاقم عجز الميزان التجاري: أشارت البيانات الأمريكية الأخيرة إلى تفاقم الحجز في الميزان التجاري بالولايات المتحدة، إذ سجلت عجزًا تجاريًا بلغت قيمته ٣٥,٩ مليار دولار في أبريل بزيادة طفيفة عن قيمة العجز المسجل في مارس «32.5 مليار دولار» كما أعلنت وزارة التجارة الأمريكية، الأمر الذي أدى إلى تراجع قيمة الدولار أمام اليورو.
هنا لا بد من التذكير أن الضغوط على الدولار قد تفاقمت في يونيو بعدما نقلت صحيفة «وول ستريت جورنال» عن رجل الأعمال جورج سوروس أن الدولار قد يفقد نحو ثلث قيمته إزاء اليورو خلال السنوات المقبلة بعد أن يتعادل معه قريبًا للمرة الأولى.
وأعلنت وزارة التجارة أيضًا أن الولايات المتحدة سجلت من جهة أخرى عجزًا قدره ١١٢.٥ مليار دولار في حساباتها الجارية في الفصل الأول من العام ۲۰۰۲ مقارنة بعجز قدره 95.1 مليار دولار في الفصل الرابع من عام ٢٠٠١.
ويعزز تزايد العجز التجاري الأمريكي توقعات كثير من المحللين أن الاقتصاد الأمريكي لا يزال غير قادر على استعادة مستوى نشاطه قبل موجة الكساد الأخيرة. ويرى هؤلاء أن موجة تكنولوجيا المعلومات التي أنعشت الاقتصاد الأمريكي في حقبة التسعينيات تتراجع الآن، ومن غير المنتظر أن تنمو بالشكل الذي حدث في تلك الحقبة.
بكلمة أخيرة وجهت فضائح الفساد والتلاعب في حسابات الشركات الأمريكية ضربة قاصمة للجهود المبذولة لتعزيز النمو الاقتصادي, والخروج من حالة الركود التي ضربت الاقتصاد الأمريكي، فقد أدت هذه الفضائح والانهيارات إلى انخفاض أسعار الأسهم, وتراجع سعر صرف الدولار مقابل اليورو, وارتفاع العجز في الميزان التجاري، مما أثر على تدفق الاستثمارات، ليس إلى داخل الولايات المتحدة بل اتجاه الأموال منها إلى منطقة أوروبا وآسيا، وهو ما سيكون له آثار سلبية على مستقبل هذا الاقتصاد وقوته.