العنوان الكيان الصهيوني.. أسباب البقاء وأسباب الانهيار
الكاتب عبد المنعم سليم
تاريخ النشر الثلاثاء 05-مارس-1996
مشاهدات 75
نشر في العدد 1190
نشر في الصفحة 42
الثلاثاء 05-مارس-1996
أخيرًا تم عرض المتهمين بقتل رئيس وزراء الكيان الصهيوني الغاصب إسحاق رابين على المحاكمة، وسط عديد من الملاحظات والحقائق التي يصعب على عرب العصر تجاهلها أو مواراتها.. أو صرف الأنظار عنها، خاصة وأن أبعادها أكثر من هامة وخطيرة، ومن ذلك:
أسباب البقاء:
1- إن محاكمة المتهمين تجري أمام قاضيهم الطبيعي، وفي إطار القانون المدني، أي لم يجر صياغة أو سلق أو تفصيل قانون جديد للمتهمين.. وأيضًا لم يجر تحويلهم لمحاكمة من محاكمات العسكر، وفي نفس الوقت لم يصاحب أو يعقب حادث مقتل رابين إعلان للطوارئ أو للأحكام العرفية بل مضت الأمور في الكيان الذي اغتصب ديار وحقوق العرب، وشرد جموعهم، وشتت شملهم دونما تبديل أو تغيير في نهج المسار أو حتى ملامح الأجواء.
2- أن عدد المتهمين لم يتجاوز أصابع اليد بمعنى أنه لم تجر حركة اعتقالات عشوائية لتشمل أقارب المتهم الأول، أو المتهمين الآخرين، وأصدقائهم، ولم يجر والد المتهم الأول أو والدته في الشوارع ليحتجزوا في السجون شديدة الحراسة أو دهاليز وسراديب أجهزة الأمن السري أو العلني.
3- إن الإعلام الصهيوني لم يسخر نفسه ولم يسخر من قبل أية جهة لتوزيع الاتهامات في كل اتجاه، ويردد أو يروج لأقوال وتصريحات مسؤول، ولم يطالب في صخب وضجيج أن تصادر حريات الأفراد في الكيان الصهيوني الغاصب، ولم يصفق ويهتف على صفحاته لدعوة لبتر أعناق الحاخامات رغم عديد سوءاتهم وسلوكياتهم، أو ما يسمى بالمعارضة اليمينية، ولم يتطوع أو يوظف نفسه لإضفاء أي شكل من أشكال المدح والثناء على سياسة وزير أو منفذ صهيوني بل تولى القضية من زواياها التي تخدم استمرار بقاء الكيان الغاصب، دون التفات لبقاء حكومته أو زوالها.. ودون دمغ لأساليب وأفكار المعارضة في الكيان الغاصب بأن تدور في فلك التطرف، وتتحرك من منطلق التطرف والإرهاب، وإن كان الأمر لا يدعو للعجب أو الدهشة حين يجري تسجيل هذا الموقف بالنسبة للإعلام الصهيوني، خاصة وأنه يخدم أهداف وغايات الصهيونية، وأهداف وغايات الكيان الصهيوني، وينحاز إلى صالح أفراد الكيان، وحرياتهم وحقوقهم، ويشحذ في نفس الوقت كافة أسلحته لبتر أعناق بني العرب، وتدمير وتخريب ديارهم لاجتثاث جذورهم، وبناء هيكله على أنقاضهم، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإنه ليس هناك لحكومة الكيان الصهيوني إمبراطورية إعلامية لتمجيدها ودق الطبول في مواكب مسؤوليها، مع التغني بإيجابيات مزعومة، أو إضفاء ثوب الجمال على أعمالها القبيحة، ولعل كثيرين يذكرون كيف اشتكى شامير حين كان رئيسًا لوزراء الكيان الغاصب من مهاجمة إذاعة الكيان وتلفازه لسياساته وانحيازه لجانب المعارضين في عدد من الأمور والقضايا يعتبرها أفراد الكيان الغاصب وأحزابه قضايا ذات أهمية وخطورة بالنسبة لهم.
4- أيضًا لم نشهد ولم نسمع باتهام واحد من أفراد الكيان الصهيوني بأنه قد علم ولم يبلغ، أو توانى في التبليغ، أو أهمل في التبليغ، وهو الاتهام المشهور والمعروف على الساحة العربية، والذي يوجه لكافة المواطنين وفي مقدمتهم ذوي الاتجاه الإسلامي.. حين يكون العجز عن تلمس اتهام يبرر صدور حكم على معارض.
5- أيضًا لم تصل اللوعة على رابين أو آلام الحزن على فراقه إلى مستوى ذرف الدموع أنهارًا على قبره، أو تظليل الكيان الغاصب الرابض فوق أرضنا المحتلة، وفوق صدورنا بالرايات السوداء، أو لطم الخدود لأن بني يهود قد عقموا فلم ينجبوا غير رابين، وإن كان عرب العصر قد نهضوا بالمهمة على وجه غير مسبوق فذرفوا الدموع مدرارًا.
أسباب الانهيار:
ثمة حقيقة لا ينكرها إلا غافل أو متحامل، أو مجامل للكيان الصهيوني، وهي أن هذا الكيان ينهض فوق العديد من أسباب انهياره، ومن ذلك أنه قام ويقوم على اغتصاب أرض الغير والبطش بهم وقهرهم، وملاحقتهم في كافة الأنحاء، الأمر الذي يدفع على المدى القريب أو البعيد لتوحيد أصحاب الحقوق لاقتلاع جذوره، خاصة والتاريخ قد سجل وسطر الكثير من نماذج الاغتصاب والاحتلال، التي امتدت أحيانًا إلى أن تتخطى الثمانين عامًا، ظل القدس فيها- على سبيل المثال- محرمًا على بني العرب والمسلمين، ثم زال الغاصب، ودالت دولته وانهار سلطانه، ووجوده، ورجعت القدس من خلال وحدة صف العرب والمسلمين نهضت على ثوابت الأمة، وترعرعت ونضجت وقويت في إطار أصالة هذه الأمة وتحت مظلة هويتها.
ومن ذلك أيضًا أن الفساد الأخلاقي ينخر في جسم هذا الكيان الغاصب الشاذ.. حتى أن الشذوذ قد دب وانتشر في مدارس حاخاماته بل وبين الحاخامات، كما دب وانتشر في جيشه ليصل إلى مستوى أن يطالب الشواذ فيه بتكوين رابطة أو نقابة تدعم «حقوقهم»، و«ترعى» شئونهم، وفي مقدمتها أن يكون لهم حق الأرامل في الإرث والمعاش ومختلف المزايا المادية.
إلا أن الكيان على الأقل حتى يومنا هذا يبدو متماسكًا في صلف، ماضيًا في طريق القهر والغدر في غرور وعجرفة، موجهًا قبضات التهديد في كل اتجاه، ملوحًا بسيوفه وكافة أسلحته في مختلف الوجوه، ونحسب أن لذلك أسبابه، وفي مقدمة الأسباب التي تحفظ على الكيان الغاصب تماسكه أو بقائه حتى اليوم على الأقل: احترام حقوق وحريات أفراده، وسيادة القانون والنظام بين جميع أشتاته، فالمصادرات المستمرة لحقوق الإنسان العربي صاحب الأرض وصاحب الديار ممنوعة بالنسبة لأفراد الكيان، والبطش والقهر المسلطان على أعناق وأرواح الفلسطينيين العرب أصحاب فلسطين الأرض والتاريخ والهوية والأصالة ممنوعان بالنسبة لقتلة رابين أو الذين حزنوا من بني يهود لمقتل رابين، كما أنه عند اختيار كافة مجالس هذا الكيان يجرم التزييف والتزوير، وتحترم الضمانات التي تكفل حق الفرد في الاختيار، فيمضي شامير إلى خارج الحكم في الكيان الغاصب دون أن يحاول تثبيت الجذور وتزييف الأصوات، أو تسليط البلطجية أو جيوش الأمن على معارضيه.
إذًا فالأفراد في كيان غاصب دخيل قام ويقوم على السلب والغدر، وتنخر في جسده العديد من العلل القبيحة والخلل الأخلاقي الغريب.. غير مهمشين.. لا يتعرضون لقهر أو مصادرة للحريات، ولا يلاحقون بالاعتقال أو التغييب وراء الأسوار، بل يدفعون لتقديم كافة ما يمكنهم تقديمه لتحقيق الغايات والأهداف.. وبالطبع على حساب العرب أصحاب الأرض والديار.. بل إن أفراد هذا الكيان الغاصب وخاصة على مستوى الذين يقودون حركته، ويتحملون مسؤولية تحقيق أطماعه، وتخطيط وتنفيذ سياساته يجعلون مصلحة هذا الكيان الدخيل فوق كل المصالح، ويسخرون كافة الإمكانيات داخل الكيان وخارجه لخدمة هذه المصالح.
ولعله من أجل ذلك يصبح من حق أي رئيس أمريكي أن يقول إن الكيان الصهيوني هو واحة الديمقراطية في الشرق الأوسط، وإن كان ذلك القول يحتاج إلى وقفة حتى لا يمضي على علاته، مسلمًا به في غير مناقشة.. خاصة حين ترمي أمريكا بكل ثقلها وراء كافة النظم المستبدة، خاصة في عالمنا العربي والإسلامي لمصادرة حقوق مواطنيها وحرمانهم من حرياتهم، وتهميش وجودهم لأنها تدرك أن إطلاق الحريات على هذه الساحة هو السبيل الصحيح للنهوض والتقدم علميًا وماديًا، مع ضمان استمرار هذا التقدم في استقرار الأوضاع وتنمية للموارد والإمكانات إذا واكب إطلاق الحريات التزام بالهوية والثوابت والقيم والمثل، الأمر الذي يفسر الحرص الأمريكي على أن يقترن تشجيع النظم المستبدة على مصادرة حريات الشعوب هنا أو هناك بالتشجيع على سلخ هذه الشعوب من هويتها.. والإبعاد بينها وبين قيمها ومثلها.
إن العقلاء والمخلصين على الساحة العربية يدركون لماذا يبقى كيان غاصب دخيل تنخر في جسمه الأمراض يمارس كافة سياساته، رابضًا فوق الصدور، جاثمًا فوق الأنفاس في قلب ديارهم.. في الوقت الذي يبدو العجز عند أصحاب الحقوق مخيمًا بظلاله.. وأبعاده.
ويدركون أيضًا أن سنن الكون وحقائق ووقائع التاريخ تؤكد أن أمة ضرب الإيمان بجذوره في أعماق قلوب أبنائها قادرة على أن تصحح المسار.. وتصحح الأوضاع.. وتستعيد الحقوق.. لأنها تأبى إلا أن تعيش في حرية، وتقرر بنفسها ومن خلال إرادتها، وفي إطار هويتها.. مصيرها ومستقبلها.