; إعادة ترتيب أوراق سقوط الخلافة.. ظهور المهدية كحركة جهادية | مجلة المجتمع

العنوان إعادة ترتيب أوراق سقوط الخلافة.. ظهور المهدية كحركة جهادية

الكاتب أ.د. عجيل جاسم النشمي

تاريخ النشر الثلاثاء 24-يونيو-1980

مشاهدات 103

نشر في العدد 486

نشر في الصفحة 46

الثلاثاء 24-يونيو-1980

المهدية تهدف إلى إعادة الخلافة وجعلها في مكة بدل الأستانة 

لم يكن سقوط دولة الخلافة الإسلامية، أو بوادر ومظاهر السقوط أمرًا سهلًا يمكن أن يمر دون ردة فعل في أرجاء العالم الإسلامي، رغم التمهيد الماكر لجعل هذا السقوط أمرًا واقعًا وتشويه دولة الخلافة في أذهان المسلمين وإظهار الأوروبيين بمظهر المنقذ المتحضر، حتى إذا سقطت الخلافة تسقط وفي النفوس رغبة فيه.

 فجنَّد الصليبيون واليهود وأعوانهم أنفسهم وكل ما يملكون للوصول إلى تلك الغاية، وهيأوا الأجواء لامتصاص آثار ذلك السقوط بعد أن جزأوا المسلمين وبلادهم، وبعثوا القوميات للفتنة من جديد وأشعلوا فتيل الطائفية، ودسوا جواسيسهم وصنائعهم ليأسسوا أوكار الفساد وجمعيات الفرقة والتدني.

ورغم كل ذلك فإن هذا السقوط وبوادره تبعته آثار ذكرنا أطرافًا منها في مقالات سابقة فبينا في حينه.

كيف كانت مشاعر المسلمين الحانقة ضد هذا السقوط، وكيف استطاعت الأبواق المتآمرة أن تمتص تلك المشاعر وتحيدها، بل وتكبتها وتئدها في مهدها! ثم كيف كان مصير المؤتمرات التي ينادي المسلمون لها كردة فعل لهذا السقوط؟ وكيف انتهت هذه المؤتمرات وفرغت من مهمتها بعد أن فرغ الخطباء والعلماء من تفريغ حسرتهم وحماسهم بما لم يغن لهم من الأمر الواقع شيئًا، وانفضت تلك المؤتمرات قبل أن تتفق على شيء لأن الخرق كان أكبر من الرقع، وأكبر من أن ترأب صدعه مثل تلك الكلمات.

وبينَّا كيف أن هذا الأمر يحتاج إلى بيعة جديدة، بيعة على الموت في سبيل إعلاء كلمة الإسلام من جديد، إنه يحتاج إلى عدة الجهاد ودماء المجاهدين ترويه كي يستشرب جسد الرجل المريض هذه الدماء حارة، فتسري الروح والحياة فيه من جديد، لقد كان الأمر أكبر مما يتصوره المؤتمرون؛ رفع أصوات وجمع توقيعات، كان أمرًا دون رقابِ الرجال ودمائهم وترميل النساء ويتم أولادهن.

ولم تغن الحركات الفردية التي قام بها بعض النابهين من علماء الأمة المخلصين، فقد كان التخطيط الماكر شاملًا لمثل هذه الحركات كي يمتصها ويستوعبها.

إلا أن الأمر المهم الذي ينبغي الوقوف عنده وتسليط الإشعاع عليه وجمع الهمة لدراسته، تلك الحركات الإسلامية التي وقفت ضد تلك القوى المتآمرة، وجاهدت بأسلوبها الجماعي للذود على بقية الخير في هذه الأمة وجمع شتاتها وتركيز قوتها ضد تيار السقوط، الأمر الذي كاد أن يفعل شيئًا مهمًّا في هذا الخصوص، مما دعا القوى المتآمرة توحد كلمتها وقوتها لمحاصرة تلك الحركات وضربها.

وإذا كانت السنوسية قد قامت بدورها في شمال إفريقيا -كما رأينا في مقالات سابقة- فإن المهدية في السودان قد قامت بالدور نفسه في قلب إفريقيا.

فلنلقِ الضوء موجزًا على هذه الحركة كأثر من آثار سقوط الخلافة أو إشرافها على السقوط، نتابعها من تأسيسها وسير تاريخها وأثرها وما حققته من مكاسب، لنستطيع بعد ذلك تقييمها واقعيًّا وعلميًّا بما لها وما عليها.

فمؤسس الحركة هو محمد ابن عبد الله المهدي السوداني.

ولد في جزيرة لبب جنوب مدينة دنقلة في ١٢ أغسطس ١٨٤٤.

وكان أبوه فقيهًا فتعلم على يديه القراءة والكتابة، وحفظ القرآن وهو في الثانية عشرة من عمره، ودرس العلوم الشرعية في بربر والخرطوم، واشتهر بالتقوى، والورع، والزهد والتقشف.

وتأثر بشيخه محمد شریف نور الدائم أحد مشايخ الطريقة السمانية، وكان يعمل ويحتطب وينظف في مدرسة شيخه، ومنحه الشيخ لقب الأستاذية بعد سبع سنوات من الملازمة.

ثم أنشأ في الخرطوم مدرسة سنة ١٨٦٣، ثم صار فقيهًا يلتف حوله التلاميذ يأخذون عنه العلم، ثم سافر في عام ١٨٦٨ إلى جزيرة أبا في النيل الأبيض وانقطع هناك للعبادة والتصوف والدرس والتدريس مدة خمسة عشر عامًا، وفي جزيرة أبا بدأ ينشر دعوته، وبعد أن كثر مريدوه سافر إلى كردفان ونشر فيها رسالة من تأليفه يدعو فيها إلى تطهير البلاد من مفاسد الحكام، وأكثر من رحلاته بعد ذلك في شمال البلاد وغربها.

وامتاز بالفطنة والفصاحة وقوة الحجة والقدرة على التأثير والإقناع، وتوفي بالجُدري في يونيو سنة ١٨٨٥ ودُفن في أبي ركبة.

أما عن هدف الحركة فتعد الحركة المهدية من الحركات الجهادية التي تهدف إلى إعادة الخلافة الإسلامية، وجعل مكة عاصمة الدولة الإسلامية. 

وكان أهل السودان كغيرهم من الشعوب المسلمة تتوق إلى مخلص لها من الظلم والفساد الذي تعيشه البلاد، خصوصًا بعد ضعف دولة الخلافة في الأستانة.

وتبرز الحركة طريقها الجهادي لإعادة الخلافة في الأسلوب التجميعي الذي سلكه محمد المهدي لمواجهة الاستعمار وأعوانه في السودان، ويبرز كذلك في الرسائل التي كان يرسلها إلى السلطان عبد الحميد بما يشير إلى أنه لا يعتد بشرعية خلافته، ورسائله كذلك إلى ملكة إنجلترا والخديوي في مصر بما يشعرهم بعدم جدوى التحدي والوقوف أمام مد الثورة المهدية.

وقد سوغ محمد أحمد لنفسه محاربة أولي الأمر في السودان وخارجها بحجة أنهم فقدوا الطاعة الشرعية باستعانتهم بالأجانب الكفار والدخلاء وولوهم أمور البلاد والعباد، وظلموا الناس وقتلوا الأبرياء وهتكوا الأعراض.

وقد اجتمعت للمهدية كل الأسباب المؤدية للثورة، وبالتحديد عند دخول المصريين السودان منذ أوائل القرن التاسع عشر وما نتج عن ذلك.

فقد كانت الحدود الشرعية معطلة والفساد الإداري على أشده وما تبع ذلك من ظلم وضياع للحقوق، كل ذلك أوجد تذمرًا لدى فئات الشعب، وبلغ هذا التذمر ذروته عام ۱۸۸۰.

وإذا كانت هذه الأمور تصلح أسبابًا للثورة وظهور الحركة المهدية، فإن هناك سببين مباشرين أشعلا الثورة:

أولهما: ضعف الحكومة المركزية في مقر الخديوية في القاهرة، فبعد أن تغلغل النفوذ الإنجليزي في مصر وضعفت سيادة الحكومة في إدارة شؤونها، أدى ذلك تبعًا إلى ضعف السيطرة على الحكم في السودان وحسن إدارته.

ثانيهما: إلغاء تجارة الرقيق، فاتبعت الحكومة السودانية سياسة إلغاء الرقيق بالعنف والشدة، وكانت الأُسر في السودان تقوم حياتها الاجتماعية والاقتصادية خصوصًا بين الطبقات المتوسطة والغنية على الرق، فكان إلغاؤه بصورة فجائية مهددًا لحياة المجتمع في قناته المؤثرة.

وقد كشفت محاولة إلغاء تجارة الرقيق عن مواطن الضعف الكامنة في حالة التخلخل التي كان لا يزال المجتمع السوداني يمر في مراحلها الأخيرة، عندما فرض عليه الحكم المصري جهازًا للحكم والإدارة انتقل السودان بسببه من الإقطاع الشرقي الذي كان عليه عند مجيء المصريين إلى النظام السياسي الذي أوجب الخضوع لسلطان الحكومة الواحدة، وعلى ذلك نشأ في السودان في أواخر السبعينيات وأوائل الثمانينيات -أي السنوات التي نفذ فيها الحكمداريون ابتداء من غوردون ومن بعده محمد رؤوف سياسة إلغاء الرقيق العنيفة- وضعٌ يمكن إيجاز عناصره فيما يلي:

أولًا- مجتمع متفكك ومتخلخل؛ لأنه لا يزال في مرحلة الانتقال من الإقطاع إلى التنظيم الحكومي الموحد بأنظمته وأجهزته الإدارية والضريبية.

ثانيًا- تذمر منتشر بين الأهلين بسبب شعورهم بثقل عبء النظام الضريبي الذي ظل جامدًا بعد ١٨٥٧.

ثالثًا- تذمر منتشر بسبب سياسة إلغاء الرقيق.

كل ذلك مهد لقيام ثورة محمد أحمد ونجاحها.

وقد فشلت قبل المهدي ثورة سليمان الزبير في بحر الغزال، وهارون في دارفور في عامي ۱۸۷۷ و۱۸۷۹ لأنهما اعتمدا على تجار الرقيق وأخفقا في استمالة سواد الشعب، مما جعل غردون وأعوانه يقضون على ثورتهما.

أما محمد أحمد فقد استكمل أركان القوة في المجتمع السوداني، فاعتمد على تجار الرقيق وحرص على استمالتهم فآزروه وأيدوه، وكان أقرب أعوانه وخليفته من بعده عبد الله التعايشي من هؤلاء التجار.

وإلى جانب ذلك استطاع محمد أحمد أن يبث روح الثورة في أوساط الشعب ببعث الروح الدينية واستثارتها لمواجهة الظلم والحيف ورفعها عن كواهل الشعب، واستطاع أن يربط المشكلات السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي يعانيها الشعب بتعطيل الشريعة الإسلامية ونبذ كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فاستطاع بذلك أن يوجه دفة المجتمع السوداني بكامل فئاته إلى وجهة واحدة هي الثورة ضد الدخلاء.

وبذلك استطاعت الحركة المهدية أن تقوض الحكم المصري الذي بدأ من أوائل القرن التاسع عشر إلى ۱۸۸1.

واستطاعت أن تحكم السودان مدة ستة عشر عامًا انتهت بدخول القوات الإنجليزية المصرية وفرض معاهدة عام ۱۸۸۹ التي خضع السودان بموجبها للحكم الثنائي.

الرابط المختصر :