العنوان السنوسية في الميزان (العدد 484)
الكاتب أ.د. عجيل جاسم النشمي
تاريخ النشر الثلاثاء 10-يونيو-1980
مشاهدات 95
نشر في العدد 484
نشر في الصفحة 46
الثلاثاء 10-يونيو-1980
إعادة ترتيب أوراق سقوط الخلافة
الحلقة الثالثة والعشرون
- كان موقف السنوسي من دولة الخلافة المؤازرة والمساندة.
- أرسلان يقول: إن سقوط طرابلس الغرب هو بداية لسقوط دولة الخلافة بكاملها.
موقف الحركة من القوى الخارجية
كان على السنوسية أن تحدد سياسة مدروسة تجاه القوى الخارجية التي كانت بمثابة مؤثرات قوية على مستقبل الحركة في طرابلس ودول المغرب العربي وبقية أقطار البلاد الإسلامية التي للسنوسية فيها تأثير. فكان على السنوسي أن يسير بالحركة موازنًا بين طور التكوين والتربية والإعداد وطور نشر الدعوة وتقويتها ويستعد للطور الجديد طور المصادمات الجهادية. فكان عليه أن يحدد موقفه من دولة الخلافة الإسلامية، وعليه أن يواجه خطر المصادمات مع محمد أحمد «مهدي السودان» وعليه في نفس الوقت أن يأخذ أهبته للدول الاستعمارية التي لم تكن مطامعها في القضاء على الحركة واستعمار الشمال الأفريقي وأفريقيا كلها خافية على أحد.
موقف الحركة من دول الخلافة: المساندة والعزلة
كان محمد بن علي السنوسي قد حدد وجهة نظره في شرعية حكم آل عثمان لدولة الخلافة الإسلامية حينما قال: إن الخلافة ينبغي أن تكون في يد قرشي، وهذا الرأي أيضًا رأي الحركة الوهابية والمهدية. وينبني على هذا الرأي الرغبة في الانفصال عن هذه الدولة وإعلان الاستقلال.
إلا أن محمد بن علي- ومن بعده ابنه- لم تكن هذه نتيجة رأيه في الخلافة، بل كان يرى ضرورة بقاء دولة الخلافة لأنها هي السياج الحافظ للبلاد الإسلامية الأخرى وأن زوالها لن يكون في صالح المسلمين إطلاقًا، بل سيكون في صالح الدول الاستعمارية التي تتحين الفرصة لإسقاط الخلافة وابتلاع ما تبقى من دويلات إسلامية وكان يرى أن معاداة دولة الخلافة فضلًا عن إعلان الحرب عليها فيه إضعاف للمسلمين والحركات الإسلامية الرامية إلى إعادة الخلافة إلى قوتها وهيبتها، فأي جهد ضد دولة الخلافة إنما هو بمثابة معول هدم لصرح الإسلام والمسلمين. وإن علاج دولة الخلافة إنما هو الإصلاح والمساندة لا الهدم والمعاداة، وكان هذا رأي الواعين من السياسيين في تلك الفترة ومنهم شكيب أرسلان الذي قال للخديوي حينما عرض عليه مثل هذه الفكرة من المعاداة أو الانفصال وكان يريد من ورائها إشعال الحركات الانفصالية في الدول العربية «إن كل حركة ضد الدولة العثمانية تلحق بها ضعفًا وتزلزل أركانها وتقيد الإفرنج وتضر العرب والترك معًا «۱».
ولعل السنوسي قد استفاد هذا الرأي من موقف الحركة الوهابية مع دولة الخلافة حينما عادتها وشهرت السلاح في وجهها، فلم تكن النتيجة في صالح أي من الطرفين، فأضعفت دولة الخلافة، وأضرت بالحركة الوهابية وكسر طموحاتها وحصرتها في نطاق ضيق داخل أراضي الجزيرة العربية وهذا ما سنستوفيه في الكلام عن الحركة الوهابية في حينه.
وكان السنوسي يدرك بأن الأزمة بين تركيا والدول الإسلامية عمومًا والدول العربية خصوصًا أزمة ثقة ناتجة من عدم قدرة الخلافة من فرض سيطرتها وهيمنتها على تلك البلاد وبالتالي فإن سوء الأحوال والرغبة في الانفصال ناتج من هذا، ولذلك عمل السنوسي جهده ليكون وسيطًا بين تركيا والدول العربية، وذلك بعدم معاداته للترك وإعلان الولاء الكامل لها، وتعميم ذلك على كل الزوايا التي كانت موجودة في العالم الإسلامي.
أما في أفريقيا فقد قبل السنوسي أن يكون منفذ السياسة دولة الخلافة فيها، وأوكلت إليه حكم دواخل أفريقيا، ولقد قام بدور كبير في إعادة الثقة حتى أن القبائل كانت تقبل أوامر الترك عن طريق السنوسي- كما سبق-.
ولقد استفاد هو أيضًا من هذا الموقف حيث إعطاء الثقة والقوة في أن واحد، وفي نفس الوقت فوت على الدول الأوروبية الاستعمارية محاولات الإيقاع بينه وبين دولة الخلافة، فاتباع السنوسي سياسة الاعتراف السلطان دولة الخلافة ومحاولة العزلة عن أي صدام بينهما كانت سياسة منسجمة مع هدفه من الحركة في الوصول إلى إعادة القوة لدولة الخلافة الإسلامية عن طريق تقوية الأقطار الإسلامية لتصب في إطار تقوية دولة الخلافة الإسلامية.
ولقد استفاد من هذه السياسة في تحقيق هدفين هامين:
الأول: التفرغ لتقوية حركته في طور التكوين والتربية والإعداد، دون أن يضطر للخروج من هذه المرحلة قبل اكتمالها، مما سيكون تأثيره بليغًا على سير الحركة واستمرارها.
الثاني: البعد عن الدخول في تحالف مع دولة الخلافة، فإن أي تحالف يعني تفريغ طاقته وعدم تمكنه من رسم سياسته التي كان يهدف منها إلى إعطاء القوة والمساندة لدولة الخلافة في وقتها الذي يحدده هو بعد اكتمال خط الحركة من جميع جوانبه، ولعله استفاد ذلك من موقف محمد علي حينما حالف الدولة العثمانية وسير جيوشه وقوته لضرب الخارجين عليها كالوهابيين، فأفقده ذلك قوة كان بإمكانه ادخارها حتى يكتمل له بناء صرح دولة قوية. ولصعوبة تحقيق هذه السياسة بنتائجها فإن علاقته بدولة الخلافة كادت تنقطع وذلك حينما طلب السلطان عبد الحميد من السنوسي إرسال قوة من الأقطار البرقاوية الطرابلسيةلمساعدة دولة الخلافة في حربها مع روسيا عام ۱۸۷۷ وامتنع السنوسي عن تقديم هذه المساعدة مما جعل السلطان عبد الحميد يشك في ولائه، فأرسل له الرسل لتطلع على حقيقة الموقف، فعادت رسله تؤكد ولاء السنوسي.
وموقف السنوسي هذا ليس له ما يبرره سوى أنه كان يتوقع قرب الهجوم على طرابلس في أي وقت، وهو لا يستطيع لذلك إرسال مثل هذه القوة وهو في أمس الحاجة لها. ولعل ذلك سيعجل بمثل هذا الهجوم الذي لم تكتمل عدة السنوسي لمواجهته. ولقد كان السنوسي يدرك يقينًا من سياسة الود مع دولة الخلافة أن هذه السياسة ضرورية للطرفين، فإن سقوط طرابلس يعني سقوط الأستانة وسقوط الأستانة يعني سقوط طرابلس، فالأنظار كلها تتجه إلى هذين المعقلين.
ولقد كان شكيب أرسلان يعلن مثل هذا الرأي وينبه بكل الوسائل المتاحة له فيقول: «إن تسلیم طرابلس الغرب أو التساهل بها لا يكون سببًا فقط لذل المسلمين في طرابلس وأفريقية فقط واستطالت الأجانب عليهم فيها، بل يكون بداية لانهيار السلطنة العثمانية بأجمعها، وطالما قلت إن الحرب الطرابلسية ستكون فاتحة حروب كل واحدة منها أعظم من التي سبقتها.
وهكذا كان فإن الحرب الطرابلسية أدت إلى الحرب البلقانية، والحرب البلقانية أفضت إلى الحرب العامة.. فكنت أرى وجوب الدفاع عن طرابلس إلى النفس الأخير خوفًا من عواقب «التفكك»، وكانت دولة الخلافة تدرك أن قوة السنوسية في طرابلس قوة لها، ولذلك وهي في أشد الفترات حرجًا، حاولت- كما رأينا في مقال سابق- بجهود شكيب أرسلان إمداد المجاهدين السنوسيين بالمال والسلاح سرًا، وأنها لما عقدت معاهدة الصلح مع إيطاليا لم تترك حق السيادة لإيطاليا على طرابلس، بل تركت الأهالي أحرارًا في شأنهم.