; إضاءات حول تطور الوضع في البوسنة | مجلة المجتمع

العنوان إضاءات حول تطور الوضع في البوسنة

الكاتب النذير المصمودي

تاريخ النشر الثلاثاء 18-يوليو-1995

مشاهدات 70

نشر في العدد 1158

نشر في الصفحة 30

الثلاثاء 18-يوليو-1995

تصريحات ومواقف ساسة الغرب المتكررة من البوسنة تؤكد تطورهم ضد السلمين

     لم يعد المراقب للحالة البوسنية يفاجأ بما يحدث بين الحين والآخر، وبلا مقدمات من تطور في القضية البوسنية على مختلف الأصعدة والمستويات، فما هي أخطر التطورات الأخيرة على النطاقين المحلي والدوي، وما هي انعكاساتها المتوقعة؟

     فقد حقق الجيش البوسني نقلة نوعية في هجومه المثير الذي شنه في الأيام الأخيرة لإنهاء الحصار الذي عانت منه سراييفو طوال ثلاثة أعوام، وهذا الهجوم سبقته معلومات مؤكدة على نشاط عسكري لقوات الجيش البوسني شمل استعدادات مكثفة، وتدريبات عسكرية كبيرة، تبعتها حملة دعائية واسعة في محاولة لكسب التأييد العالي، وإشاعة الأمل في النفوس بقرب أوان وضع حد لعمليات الخناق التي تفرضها المليشيات الصربية على سراييفو، وبصرف  النظر الآن عن نتائج الهجوم، فإن إصرار الحكومة البوسنية على المضي قدمًا في فك الحصار عن سراييفو، رغم تهديدات الصرب، وتحذيرات الأمم المتحدة، ودول مجموعة الاتصال أوجد دواعي مشجعة على الاعتقاد بأن الظروف ربما تهيأت للانتقال إلى مرحلة جديدة تنتهي إلى تحقيق الهدف الكبير الذي طالما عجزت عن تحقيقه جهات الأمم المتحدة، وقرارات مجلس الأمن، لكن هل سيؤدي الإصرار وحده إلى تحقيق الهدف بعيدًا عن أي دعم دولي خارجي؟

     وهل سيسفر تعاقب الأيام عن المفاجأة السارة التي تلغي تكهنات الخبراء العسكريين بدءًا بالكندي «مكنزي» ومرورًا بالفرنسي «موريون» وانتهاء بالإنجليزي «مايكل روز».

      الجواب بالمقاييس العسكرية البحتة لا يؤكد أن المحاولات الهجومية التي ينفذها الجيش البوسنوي بإمكاناته الذاتية المحدودة، ستحقق قريبًا العد التنازلي الذي يضع حدًا لاستمرار هيمنة الصرب على (٧٠%) من الأراضي البوسنية، كما لا تؤكد أن الضربات العسكرية الموجعة هي الوحيدة القادرة على إرغام الصرب على التخلي عن حصار سراييفو، ووضع حد لرفضهم السافل كل مشروع سلمي يستند على حقيقة البوسنة الموحدة وسيادتها الإقليمية.

     لكن وبالمقاييس الموضوعة المنطقية فإن الإجابة تتخذ منحى آخر، وتستوجب أولًا استجلاء ملابسات الموضوع ومعطياته الواقعية في الإطار الذي لا تبدو الأمم المتحدة والدول العظمى إلا كجزء من مخطط القضاة على الوجود البشري والحضاري للمسلمين في البلقان.

الأمم المتحدة والتخاذل المفضوح: 

     لقد أصبح من الملل سرد المتناقضات الصارخة للأمم المتحدة في التعاطي مع الحالة البوسنية منذ اندلاع الحرب وإلى حد الساعة، وأصبح ثابتًا أن تعامل الأمم المتحدة مع الطرف الصربي اتسم بما يشبه التأييد غير المعلن.

     على إثر الهجوم الأخير الذي شنته قوات الجيش البوسني، تعالت الأصوات بضرورية الرجوع إلي الحالة السلمية، وعاد الوسطاء الدوليون لنشاطهم الرتيب، وفي مقدمتهم الروسي «فيتالي مشوركين»  الذي كان قد أقسم في العام الماضي، على أنه لن يعود إلي «بالي» بعد أن خذله الصرب وكذبوا عليه في شأن عدوانهم على مدينة «جورازدي»، وفي الوقت نفسه تجاهل الوسيط الأوروبي الجديد «كارل بليف» بسرعة كبيرة تصريحه بعدم إجراء اتصالات جديدة مع صرب  البوسنة  لم يوافقوا على خطة مجموعة الاتصال الدولية، تجاهل ذلك استجابة لطلب فرنسا كرئيس للاتحاد الأوروبي، التي دعته إلي التعجيل ببدء محادثات مع كل الأطراف، لكن المحصلة كعادتها كانت لصالح الصرب وحدهم، سواء من هم في «بالي» أو في «بلجراد» على السواء؛ مما دفع المراقبون إلى الإصرار على أن ما يجري هو تنفيذ أمين لصفقات مبرمة بين الصرب والأمم المتحدة. 

الدول الكبرى: مصالح وأهداف. 

       اختلاف مصالح الدول الكبرى في القضية البوسنية لم يمنعها من الابتعاد عما يراد صنعه في البلقان وبالوجود الإسلامي فيه.

     فقد صرح الرئيس الفرنسي السابق «فرانسوا ميتران» مع بداية العدوان الصربي عام ١٩٢٢م «بأن القتال المباشر يمثل دفاعًا عن أوروبا التي لا مكان فيها لدولة إسلامية ولا حضارة غير أوروبية» وهو التصريح الذي كرسته في الواقع مواقف الدول الأوروبية على مدار ثلاثة أعوام ، كان آخرها موقف الحكومة البريطانية من الهجوم الذي شنته مؤخرًا القوات الحكومية البوسنية على الصرب حول سراييفو، والذي تضمن تحذيرًا صريحًا (من أن محاولة القوات البوسنية الحكومية بفك الحصار من سراييفو تمثل  خطرًا على القوات الدولية ومهامها، وسيكون سببًا في العمل على سحبها من المنطقة).

     أما «الصديق» الأمريكي فقد تمخضت  قناعته بعد تناقصات واضحة عن أن مبدأ استخدام القوة لاسترجاع ما أخذ بالقوة قد فات أوانه بالنسبة للمسلمين في البوسنة، وهو غير مستعد للتضحية بأبناء أمريكا من أجل قضية في أوروبا، فالولايات المتحدة الأمريكية كما قال «جيمس بيكر» وزير خارجيتها السابق «لا تسطيع أن تكون » ولا يجوز أن يتوقع منها أن شرطي العالم الجاهز والمستعد للتضحية بأرواح الأمريكيين لمنع التطهير العرقي في البوسنة، أو المجازر الجماعية في رواندا. 

     إن مثل هذه التصريحات والمواقف الرسمية الصادرة عن ساسة الغرب لا تدعي مجالًا للشك في توجيه التهمة للدول الكبرى، أما ممارستها لرفض حظر السلاح عن المسلمين وعدم السماح لهم بالدفاع عن أنفسهم فجريمة دولية واضحة لا تحتاج إلى إثبات، والأشنع منها أن يعامل المعتدى عليه حين يتحرك دفاعًا عن حياته ووجوده معاملة المعتدي، ولهذا لم يعد مستغربًا أن تعيد الحكومة البوسنية النظر في بقاء قوات الأمم المتحدة، والتي يخشى أن تتحول مع الأيام إلى طرف في الأزمة كما حدث لها في الصومال.

توقعات مستقبلية:

      لا ينبغي المبالغة فيما يحققه الجيش البوسني من انتصارات جزئية حول سراييفو في هجومه الأخير، ويجب أن نأخذ بالاعتبار فوارق التفوق العسكري في السلاح بين الطرفين.

     واعتمادًا على تلك الفوارق فإنه لا يتوقع أن يحرز الجيش البوسني بسلاحه الخفيف تقدمًا كبيرًا على أرض المعركة، أو دحر القوات الصربية في أكثر من موقع من الأرض المحتلة، خصوصًا في الأيام  القليلة المقبلة ومن المحتمل في هذه الظروف تكثف القوات الصربية من  قصفها للأهداف المدنية خصوصًا العاصمة سراييفو، ويعتقد المراقبون العسكريون أن يطال القذف مواقع قوات الأمم المتحدة لإرغامها على الانسحاب أو لإعطائها مبررًا جديدًا على الانسحاب في إطار المسرحية المتفق على حلقاتها مسبقًا، وكل هذا يعني في القريب مزيدًا من الدمار، وارتفاعًا في نسبة الخسائر في الأرواح بين المدنيين والمسلمين.

      ويعني إذا استمرت الحكومة البوسنية في إصرارها على الهجوم العسكري تحولًا في نظام المفاوضات المقبلة بين الطرفين، كما في ميزان المعادلات العسكرية المعقدة على أرض المعركة.

     ولن يضيع حق وراءه طالب -كما يقول- والخسارة مهما بلغت فإنها ضريبة استرداد الحق.

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل