; إشكاليات الحضور الإسلامي في ديار الغرب | مجلة المجتمع

العنوان إشكاليات الحضور الإسلامي في ديار الغرب

الكاتب جان ويديرت

تاريخ النشر الثلاثاء 17-نوفمبر-1992

مشاهدات 58

نشر في العدد 1025

نشر في الصفحة 35

الثلاثاء 17-نوفمبر-1992

قدمت مجلة بروجكت project (مشروع) الفرنسية في عددها ۲۳۱ خريف ۱۹۹۲ ملفًا بعنوان «المسلمون على الأرض الأوروبية» تناول قضايا عديدة تتعلق بالحضور الإسلامي في ديار الغرب، شملت دراسة حول أوضاع الإسلام في المناطق التي تنتمي إليها الجاليات المسلمة المقيمة في أوروبا وانتشاره في فرنسا وتواجده في الفضاء الأوروبي. 

وبحكم أهمية هذا الملف رأت «المجتمع» من المفيد نشر المقال الختامي بتصرف، وهو بقلم مساعد رئيس التحرير وعنوانه «مقترحات للختام»، مع الإشارة إلى القناعة المرسخة حتى لدى كبار الباحثين والمحللين الغربيين بوجود تناقض بين الفكرة الإسلامية الشمولية ومبدأ التعددية والديمقراطية السائدة في المجتمعات الغربية، وهو ما يعد إشكالًا خطيرًا على مستقبل الحضور الإسلامي في الغرب. 

«المجتمع»

نحاول هنا أن نقول ما نراه ضروريًّا لمعرفة هؤلاء المسلمين القادمين إلى أوروبا، ونقترح قراءات لأوضاع تبدو متطورة، ونقدم أحكامًا على ما يمكن أن يقوم به كل طرف لبناء مستقبل مشترك.

معرفة أفضل لتنوع المسلمين

قد يكون من الضروري أولًا معرفة المسلمين المقيمين في أوروبا كيف يعيشون؟ فحسب فكرة جد منتشرة؛ فإنهم يمثلون كتلة موحدة، بيد أنهم قدموا من بلدان- من آسيا والشرق الأوسط والمغرب العربي وإفريقيا- لكل واحدة منها تاريخ وعادات وأوضاع مالية واقتصادية واجتماعية وسياسية مختلفة جدًّا.

وينتمي أغلبهم إلى مجموعات سكانية فقيرة يغلب عليها الطابع الريفي، لكن نجد العديد من الأصناف الاجتماعية من بينهم، فما هو القاسم المشترك بين طبيب باكستاني في لندن وعامل من مالي في ضاحية من ضواحي باريس؟ فقد سلكت الموجات المتتابعة للهجرة مسالك مختلفة. فهناك العديد من المهاجرين قدموا مباشرة من قراهم، وآخرون مروا بالمدينة؛ حيث كانت لهم تجربة أولى مع المعاصرة.

كما أن الأقدمية في الإقامة في أوروبا (البعض ولدوا بها ودرسوا فيها) تؤثر على نوعية السلوك. 

وقد حمل أغلب هؤلاء المهاجرين من أصل متواضع عند قدومهم إسلامًا شعبيًّا أسريًّا بالخصوص يواجه اليوم قسوة الصدمة مع ثقافتنا.

وكما أشار برنارد لمابير (قس في مدينة مونباليي) فهم يعيشون الهجرة على مستوى هويتهم أيضًا ما بين أصولهم في حالة ابتعاد ومستقبل غامض، وهم ليسوا على نفس المستوى في هذا المسار؛ لكنهم جميعًا رجالًا ونساءً في حالة من التثاقف المكثف بعض الشيء. وفي هذا الموضع المتحرك فإن الدين- النواة الصلبة للثقافة التقليدية- يقدم نفسه كمعلم يعطي قيمة للحياة. وفي حين بقي التقليد الديني جد حاضر لدى الكبار، فإنه فتر لدى الشباب دون أن يندثر. وبإمكانه أن يبعد- مجددًا- ويتم تأويله من جديد على ضوء ثقافة غير ثقافة الأولياء.

وهذه الأمور الرائعة والتي لا تتحدث عنها وسائل الإعلام والمؤلفات الأدبية البتة يجب أن تكون معروفة ومفصلة أكثر، ويجب تطوير ونشر الدراسات الموثقة حول هذه المواضيع، والتي بدأت توجد من حسن الحظ.

إقرار حق التعبير العام عن العقيدة

وبحكم وضعهم كأقلية، فقد اضطر المسلمون إلى التأكيد على المظهر الخاص لحياتهم الدينية أكثر مما يعملون به على أرض الإسلام، لكنه لم يمكنهم التوقف عند هذا الحد؛ حيث حاولوا التعبير العام عن عقيدتهم وهو أمر طبيعي.. فماذا يعني ظهور قاعات الصلاة والمساجد وانتشارها؟ كيف يقيّم البروز الحديث للإسلام؟ لهذا الأمر تاريخ.. فالمهاجرون المسلمون لم يروا من المفيد أو ليس لهم إمكانيات لتنظيم شعائرهم التعبدية عندما كان شعور عدم الاستقرار يخالجهم، واكتفوا بإقامة بعض قاعات الصلاة في الأحياء؛ حيث كانوا يعيشون عزابًا أو في أماكن الشغل، إلا أن وصول العائلات جعل من الضروري تنظيم الشعائر التعبدية. فمن هنا وصاعدًا، بدا من الواضح أن الدين يجب أن يهاجر بأكمله هو الآخر، وتفكير الآباء في إعطاء تربية دينية لأبنائهم كان هو المحدد.. والإسلام المزروع خارج بلاده يدعو إلى النظر.. تعدد أماكن العبادة والمدارس القرآنية والمراكز الاجتماعية- الثقافية واحترام الإجراءات الغذائية في المطاعم والمدارس، وطلب أماكن خاصة بالمسلمين في المقابر، فلا يحتاج أحد إلى استعراض أي نوع من الإرادة التوسعية للسلطات الإسلامية؛ إذ إن أغلب هذه المراكز الدينية نشأت بمبادرات محلية.

علاقات معقدة مع الإسلام العالمي

وهذا الإسلام الشعبي مشتت ومجزأ إلى مجموعات متعددة حول جنسيات، أو تيارات، أو حساسيات، أو طرق، وتوجد فيدراليات للجمعيات، لكنها تبقى متنافسة ولا تضم أي واحدة أكثر من جزء من المسلمين، وأغلب هذه المجموعات المؤلفة من عمال تمتلك إمكانيات فكرية ومالية ضعيفة، ورغم تمسكها باستقلاليتها، إلا أنها تضطر في بعض الأحيان إلى اللجوء للمساعدات الخارجية.

وهناك العديد من المؤسسات في البلدان الإسلامية تهتم بالمهاجرين المسلمين؛ إذ إن حكومات البلدان الآن ترغب في مساعدة مواطنيها ومراقبتهم، وذلك من خلال السفارات أو القنصليات أو «الوداديات» التابعة لها وبطرق أخرى، وترسل أئمة ومعلمين للمدارس القرآنية. فمن المعروف مثلا العلاقة القوية بين المسجد الكبير في باريس والحكومة الجزائرية.. وبالإضافة إلى هذه الحكومات؛ فإن أصحاب الخير من الخواص والدول العربية يقدمون مساعدات مالية قيمة، كما ترسل المراكز الإسلامية ومختلف الجمعيات النشيطة دعاةً وكتبًا وأشرطةً إلى أوروبا، ويبدو أن هذه المصادر مستعملة بصفة واسعة من المسلمين المهاجرين، في حين أن الهوة تبقى كبيرة بين إسلام الأحياء الشعبية وإسلام السفارات.

عدم الحكم مسبقًا على قدرة المسلمين في العيش كمواطنين في بلدان ذات تعددية

لا نستغرب إذا وجدنا لدى المسلمين المقيمين في أوروبا مختلف التيارات التي تشق الإسلام اليوم، إلا أن الحركات الشيعية ليس لها تأثير مباشر على الأغلبية العظمى لهؤلاء المهاجرين من السنة، ويجب التعامل مع فكرة سهلة الرواج في أوروبا بنظرة نقدية.. هذه الفكرة تعتبر أن الحركات الإسلامية الراديكالية ليست سوى ترجمة لشيء جوهري في الإسلام متمثل في عدم القدرة على فصل السياسة عن الدين، فبالنسبة لمسلم ملتزم بدينه، فإن قانون كل من الدولة والمجتمع هو بالضرورة قانون إلهي أي الشريعة؛ ولذا لا يمكن أن يكون المسلم الحقيقي عضوًا في مجتمع تعددي وعلماني وبصفة أقل مواطن في دولة ديموقراطية علمانيًّا. ويجب عدم أخذ هذا الموضوع ببساطة؛ لأن المسافة بين الأصولية الدينية المهيمنة على الإسلام اليوم والتصورات الغربية للمجتمع السياسي كبيرة، لكن يجب التذكير بأن أغلب الدول الإسلامية تفرق بين القانون المدني والقانون الديني، ويدور حوار كبير داخل العالم الإسلامي نفسه بين الأصوليين ومن يرون استحالة استخلاص إسلام سياسي من خلال القرآن والسنة. 

وفي أوروبا يعيش عدد كبير من المسلمين المؤمنين انتماؤهم الديني وانخراطهم في أنماط مجتمعنا في أمان، وليس هناك ما يمنع من التفكير في إمكانية التوصل إلى حلول مقبولة على المستوى العملي وعلى مستوى المبادئ، كما كان الحال بالنسبة لمختلف الديانات المسيحية أو اليهودية، أما العوائق الواجب تجاوزها لتحقيق هذه الأهداف، فهي لا تتمثل في الأصولية فحسب، وإنما أيضًا في نزعة علمانية متطرفة والتي- بحجة الوقوف في وجه الخطر الكبير الذي يمثله الدين- ترغب في حصره في رأي خاص.

القانون المشترك بأكمله ولا غير

والسؤال حول كيفية اتخاذ الإسلام موضعًا له كواقع اجتماعي، مطروح في كامل أوروبا، وبصفة عامة فإن الدول تعتقد بأن عالمية القانون كمبدأ أساسي في الديمقراطية يطبق على المسلمين وبالخصوص على وضعهم الشخصي (زواج، طلاق، قرابة، حقوق المرأة والطفل، الوراثة)؛ وحيث توجد بعض الخصوصيات فإن الاتجاه يسير نحو إصلاحها، كما يوضحه التقرير الجديد للمجلس الأعلى للاندماج بفرنسا، وفي المقابل ليس هناك أي داعٍ في التعامل بنفس الحزم إزاء العادات، (عدا النشطة منها مثل الطهارة النسائية التي ليس لها عمليًّا أية علاقة مع الإسلام).

ومن واجب دولة القانون ضمان تطبيق الحرية الدينية في إطار احترام القوانين للجميع، وللبلديات دور مهم أيضًا لأن إجراءات تطبيق هذه الحرية تتم غالبًا على مستوى محلي، وعلى عكس الديانات التقليدية في أوروبا، فإن المسلمين موزعون بين جاليات مختلفة، لا يربط بينها سوى وحدة العقيدة، فلا وجود لمنظمة قادرة على تمثيلهم جميعًا.

وترغب الدول المحتاجة إلى ناطق باسم الجاليات مرخص له في عدم تأخر قيام مثل هذه المنظمة، لكن يجب عدم الخلط بين المستويات، فالدولة لها صلاحية الاهتمام بالمسائل المتعلقة بالوضع القانوني لدين معين، لكن لا تتدخل في نظامه الداخلي، وبقدر ما هو مرغوب في تشجيع جهود تنظيم الدين الإسلامي ومصاحبتها، بقدر ما هو غير منصوح بالرغبة في دفعها، ظنًّا بأن هذا الأمر سيحرض على تأسيس إسلام «أوروبي» أو «فرنسي»، فالمسلمون هم الذين سيبلورون بدرجة أولى صورة دينهم في أوروبا.

دور المجتمع المدني

نشير في الختام إلى كل ما يتعلق بالمجتمع المدني.

فردود الفعل الرافضة للمسلمين لا يمكن أن تكون سوى عائق أمام اندماجهم، وتعيق داخلهم الاتجاهات الأشد كرهًا للمجتمع الغربي؛ إذ يجب على العكس مضاعفة مناطق الحوار معهم. وقد تم وضع معالم لهذا الحوار: فهناك جمعيات ذات اتجاهات مختلفة كانت قريبة من المسلمين في المقاومة ضد الاستعمار، تدافع اليوم عن حقوق المهاجرين، كما تطورت اللقاءات بين المسيحيين والمسلمين في هذه الظروف. 

ويجب أن يتنامى هذا الحوار مع الانتباه لعدم إذكاء التخوف من قيام جبهة موحدة للأديان، ومع الأسف تم التعبير في بعض الأحيان عن هذا التخوف دون أسباب، وعلى المؤمنين أن يفكروا جميعًا في القضايا التي يطرحها التعبير الديني في الفضاء العام داخل المجتمعات الغربية المعاصرة، كما تجب عليهم المساهمة في الحوار حول المسائل الأخلاقية.

ترجمة محمد الغمقي- باريس

الرابط المختصر :