; إسلامية الصراع حول القدس وفلسطين (3)- إسلامية الصراع.. انتقاص أم إضافة | مجلة المجتمع

العنوان إسلامية الصراع حول القدس وفلسطين (3)- إسلامية الصراع.. انتقاص أم إضافة

الكاتب د. محمد عمارة

تاريخ النشر السبت 06-أبريل-2013

مشاهدات 79

نشر في العدد 2047

نشر في الصفحة 44

السبت 06-أبريل-2013

ماذا تعنى «إسلامية هذا الصراع »؟ هل تعني إسقاط - أو حتى تهميش - البعد الوطني الفلسطيني، وإهمال طاقاته وإمكاناته في هذا الصراع ؟ أو الاستغناء بالبعد الإسلامي عن البعد القومي العربي لهذا الصراع ؟ إن هذا التصور غير وارد، بل ولا يخطر لعاقل ببال.

* «واقع» يضيف الإمكانات الإسلامية للإمكانات الوطنية الفلسطينية والطاقات القومية العربية.

فإسلامية هذا الصراع هي «واقع» يضيف الإمكانات الإسلامية للإمكانات الوطنية الفلسطينية والطاقات القومية العربية.. فهو يرفدها، ولا ينتقص منها, ويدعمها، ولا يضعفها، لأن البعد الإسلامي, والدائرة الإسلامية هي واحدة من دوائر الانتماء لإسلامنا، تضم وتحتضن وتدعم وتلي الدائرة الوطنية والدائرة القومية. 

صراع ديني

ثم.. هل تعني إسلامية هذا الصراع تحويله إلى «صراع ديني»، نستبدله بالأبعاد الوطنية والقومية للقضية؟ أو نستعدي به أهل الديانات الأخرى؟ كلا.. ذلك إن الإسلام ينكر ويستنكر الصراعات الدينية في أي ميدان من الميادين.. فالصراع ليس سبيلًا للدخول في دين الإسلام وإنما سبيله هو الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة؛ ﴿لا إكراه في الدِّينِ قَد تَبَيَّنَ الرَّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمَنْ بالله فَقَد اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (البقرة: 256)، ﴿وادْعُ  إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحَسَنَةِ وَجَادِلُهُم بالتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبِّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وهُوَ أَعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ﴾ (النحل: 125)، ذلك لأن الإيمان الإسلامي: تصديق قلبي، يبلغ مرتبة اليقين، وهذا لا يمكن أن يتم أو أن يكون ثمرة «للصراع الديني»، بأي حال من الأحوال! والصراع الديني مرفوض إسلاميًا - كذلك - لأن الإسلام يرى في التعددية في الملل والشرائع الدينية سُنة من سنن الله سبحانه وتعالى التي لا تبديل لها ولا تحويل؛ ﴿وأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالحَقِّ مُصَدِّقًا لَما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الكتابِ وَمُهَيْمَا عَلَيْهِ فَاحْكُم بينهم بمَا أَنزَلَ اللهُ وَلَا تتبع أهواءهم عما جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لكل جَعَلْنَا منكم شرعة ومنهاجًا ولو شَاءَ اللَّهُ لجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن ليبلوكم في ما آتاكمْ فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ إلى الله مرجعكم جميعًا فينبئكم بما كنتم فيه تَخْتَلَفُونَ﴾ (المائدة: 48).

إيمان بالتعددية

بل إن إيمان الإسلام بالتعددية التي يراها الأصل والقاعدة في كل ما عدا الخالق الواحد، قد جعل المنهاج الإسلامي رافضًا «لفلسفة الصراع»، كلها، لأن الصراع يعني: أن يصرع طرف الطرف الآخر، فيلغيه وينفيه وينفرد بالساحة ملغيًا بذلك التعددية؛ ولذلك آثر الإسلام منهاج «التدافع» سبيلًا لتعديل المواقف بالحراك بدلا من «الصراع»؛ ﴿ولا تَسْتَوِي الحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفع بالتي هي أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأنَهُ وَلَيَّ حَمِيمٌ﴾ (فصلت: 34).

بل إن هذا الطريق اللاصراعي هو الذي يراه الإسلام سبيلًا لبقاء الآخر غير الإسلامي، بل سبيلًا للحفاظ على وجوده المتميز.. فالتدافع لا يكون للحفاظ على مقدسات الإسلام وحدها، وإنما للحفاظ على كل مقدسات أصحاب المقدسات ﴿الذين خرجوا من ديارهم بِغَيْرِ حَقٍ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّه النَّاسَ بَعْضُهُ ومَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذكر فيها وليَنصُرَنَ الله مَن يَنصُرُهُ إن الله لقوي عزيز﴾ (الحج: 40).

الحفاظ على مقدمات الآخرين

فهو السبيل للحفاظ على المقدسات المتعددة، للملل المتعددة، حتى لقد ذكرها القرآن الكريم بالترتيب التاريخي لنبواتها وأمم رسالاتها، دون تقديم حتى مجرد تقديم - لمساجد ومقدسات الإسلام!

«فالصراع»، كالقتال يفرضه الآخرون على الإسلام والمسلمين دون أن يكون هو الخيار الإسلامي في حل المنازعات.

ولذلك .. فالإسلام لا يرى ولا يريد نفي اليهود من ديار الإسلام، وإنما هو يفتح لهم-  كما صنع تاريخيًا - ميادين العيش والتعايش والتفاعل في دياره وبين أمته؛ «لهم ما لنا وعليهم ما علينا»، ملة من الملل المتنوعة والمتمايزة في إطار الأمة الواحدة، وهو قد صنع ذلك قبل أربعة عشر قرنًا، وقبل أن تعرف الحضارات حتى مصطلح التسامح والتعايش والتعددية، عندما قرر دستور دولة المدينة، على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في مواده: «وأن يهود أمة مع المؤمنين, لليهود دينهم, وللمسلمين دينهم، وأن بينهم النصر، والنصح والنصيحة والبر، دون الإثم».([1]) فالمرفوض ليس اليهود ولا اليهودية, وإنما المرفوض هو المشروع الصهيوني الذي يمثل امتدادًا سرطانيًا للمشروع الإمبريالي الغربي والذي ينفي المشروع الإسلامي والوجود الإسلامي في قلب وطن العروبة وعالم الإسلام، «فالصراع الديني»، غير وارد بأي حال من الأحوال.

* «إسلامية القدس» لا تنفي «وطنيتها الفلسطينية» ولا «طابعها العربي» ولا تقتصر قداستها على الإسلام.. وهي «قدس شريف» لكل الرسالات. 

* تم فتحها صلحًا دون قتال.. صيانة لحرمتها وقدسيتها وتعظيمًا لمقدساتها ولم يكن بها مقدسات إسلامية غير «المسجد الأقصى».

أمينة مؤتمنة، بل إن «إسلامية هذا الصراع»، هي في مصلحة الآخر الديني, نصرانيًا كان هذا الآخر أو يهوديًا! ذلك أن الإسلام - وحده - هو الذي يعترف بدين هذا الآخر، حتى ليجعل من الإيمان بكل النبوات والرسالات والشرائع والملل، ومن ثم مقدسات أممها، شرطًا من شروط اكتمال وكمال الإيمان الإسلامي، فهو - وحده - ومن ثم أمته - وحدها - هي الأمينة، والمؤتمنة بحكم الاعتقاد الديني وليس بمجرد «التسامح» الإنساني الذي يمنع كما يمنح على كل مقدسات جميع الآخرين، تنافح عنها، وتدافع عن صيانة قدسيتها، وتقاتل لتحرير أراضيها: ولهذه الحقيقة من حقائق «إسلامية هذا الصراع» الذي فرض علينا أطلق المسلمون اسم «القدس الشريف» و«بيت المقدس و«الحرم القدسي»، على هذه المدينة, منذ أن دخلت سنة ١٥هـ / ٦٣٦م، في إطار الدولة الإسلامية، وحتى قبل بناء أي من مساجدها «عدا المسجد الأقصى)، وقبل إسلام أي واحد من سكانها، بل وعاملوها منذ اللحظة الأولى، وعلى مر تاريخها الإسلامي, معاملة «الحرم» الذي يجب صيانته عن «القتال» حتى في سبيل التحرير، فلقد حاصرها أبو عبيدة بن الجراح (٤٠ق هـ - ١٨هـ / ٥٨٤- ٦٣٩م)، أمين الأمة الإسلامية حتى صالح أهلها، وفتحت صلحًا دون قتال وذلك صيانة لحرمتها وقدسيتها، وتعظيمًا لمقدساتها، ولم يكن بها مقدسات إسلامية في ذلك التاريخ, بل واختصوها دون كل المدن المفتوحة بأن يتسلمها ويعقد عهدها أمير المؤمنين, وليس القائد الفاتح!

وصنع ذات الصنيع صلاح الدين الأيوبي, إبان تحريرها من الاحتلال الصليبي (٥٨٣ هـ / ١١٨٧م)، وكان الصليبيون قد دمروا واغتصبوا ودنسوا مقدسات المسلمين واليهود فيها .. فالحرمة كانت دائمًا لمطلق القدس، والقدسية كانت لكل المقدسات. 

* المرفوض ليس اليهود وإنما المشروع الصهيوني الذي يمثل امتدادًا سرطانيًا للمشروع الإمبريالي الغربي.

تعايش حر

ولذلك، ازدهرت في ظل السلطة والسيادة الإسلامية على القدس تعددية مقدسات الديانات فيها, حتى كانت الأسر المسلمة هي المؤتمنة على نظارة أوقاف الكنائس ومفاتيحها! ولم ينعم اليهود بالتعايش الحر في القدس إلا في ظلال الإسلام، بينما تميزت كل عهودها غير الإسلامية بالاحتكار للطرف المتغلب عليها، دون الآخرين، صنع ذلك الرومان في حقبة وثنيتهم، وبعد أن تنصروا, وصنع ذلك الصليبيون اللاتين «الفرنجة» عندما احتلوها، ويصنع ذلك الصهاينة اليهود اليوم، بالتهويد الذي ينفي وجود الآخر، وتزحف أخطاره على كل المقدسات غير اليهودية في المدينة المقدسة.

مظلة جامعة

«فإسلامية القدس»، لا تنفي «وطنيتها الفلسطينية»، ولا «طابعها العربي», ولا تحتكر قداستها للإسلام، وإنما هي المظلة الجامعة للوطنية, والعروبة وهي المؤتمنة على جعل هذه المدينة «قدسًا شريفًا»، لسائر مقدسات كل الديانات. 

ففي الصراع التاريخي، الذي فرضته الحروب الصليبية على أمتنا, كان «البعد الديني الإسلامي»، الذي حاربت أمتنا تحت راياته هو السبيل لإشاعة قداسة القدس لكل أصحاب المقدسات.

يجسد هذه الحقيقة صلاح الدين الأيوبي في الرسالة التي بعث بها إلى «ريتشارد قلب الأسد»، (۱۱۸۹-۱۱۹۹م) عندما يقول له: «القدس: إرثنا كما هي إرثكم, من القدس عرج نبينا إلى السماء، وفي القدس تجتمع الأنبياء لا تفكر بأنه يمكن لنا أن نتخلى عنها كأمة مسلمة، أما بالنسبة إلى الأرض، فإن احتلالكم فيها كان شيئًا عرضيًا، وحدث لأن المسلمين الذين عاشوا في البلاد حينها كانوا ضعفاء, ولن يمكنكم الله أن تشيدوا حجزًا واحدًا في هذه الأرض طالما استمر الجهاد».([2]

إرث مقدس

فالأمة الإسلامية والجهاد الإسلامي, لا يبغيان «احتكار القدس»، وإنما يسعيان لتكون «إرثًا» مقدسًا لكل أصحاب المقدسات, وبعبارة صلاح الدين الأيوبي لـ «ريتشارد قلب الأسد»: «القدس إرثنا, كما هي إرثكم»!

* «صلاح الدين» لـ«ريتشارد قلب الأسد »: القدس إرثنا كما هي إرثكم.

* الإسلام لا يريد نفي اليهود من ديار الإسلام وإنما يفتح لهم ميادين العيش في دياره وبين أمته.

ولذلك، فإذا كانت الكثرة من كنائس الغرب قد خانت القضية العادلة للقدس الشريف، وتنكرت لتاريخها مع اليهود, بل ولتراثها الديني! وغدت تدعم أو تصمت على تهويد القدس، وانحدرت على هذا المنحدر حتى أصبحت تستجدي من اليهود قبول التوبة والصفح والغفران! فإن كنائس النصرانية العربية والشرقية - حتى تلك التي لها علاقات مذهبية بالكنائس الغربية - هي مع الإسلام وأمته في خندق واحد، لأن هذه الكنائس الشرقية جزء أصيل من نسيج أمتنا؛ أعراقًا وثقافة وقيمًا، وحضارة، ومصيرًا، وهي تدرك بالتجربة التاريخية والحديثة والمعاصرة «أن إسلامية القدس» هي سبيل نجاتها من الاحتكار اليهودي، فبدون «إسلامية القدس»، لن يكون هناك هذا السياج الحافظ  لمقدساتهم في هذه المدينة، ذلك السياج الذي بلغ ويبلغ مستوى العقيدة الدينية الإسلامية, ولا يقف عند حدود «التسامح الإنساني», الذي يمنحه حاكم ويمنعه آخرون!

[1] انظر النص في: د. محمد عمارة «الإسلام وحقوق الإنسان.. ضرورات لا حقوق»، ص ١٥٨ - ١٦٢، طبعة القاهرة, سنة, ۱۹۸۹م

[2] صحيفة «الحياة», لندن, عدد 1996/1/27م

(*) مفكر إسلامي - مصر

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 1

2099

الثلاثاء 17-مارس-1970

الافتتاحية

نشر في العدد 17

107

الثلاثاء 07-يوليو-1970

حدث هذا الأسبوع - العدد 17