; أيام في إسطنبول-عبق الخلافة الإسلامية مازال يتجدد | مجلة المجتمع

العنوان أيام في إسطنبول-عبق الخلافة الإسلامية مازال يتجدد

الكاتب د. محمد بن موسى الشريف

تاريخ النشر السبت 17-فبراير-2007

مشاهدات 71

نشر في العدد 1739

نشر في الصفحة 44

السبت 17-فبراير-2007

قلت للمشاركين في مؤتمر «بديع الزمان النورسي» الأخير: إنكم تفتخرون بأنكم نورسيون.. لكن ماذا صنعتم لإكمال عمل النورسي ومسيرته وجهده؟!

جسد المهندسون الأتراك كل الآثار التاريخية المتناثرة في البقاع التركية الواسعة.. ووضعوها في العاصمة إسطنبول لتحكي تاريخ العصور المختلفة

مسار الحضارة العثمانية خارج تركيا من أعظم الآثار العالمية.. ومن أهمها جسر موستار في البوسنة وقلعة أجياد بمكة... وذلك يؤكد أنها كانت حضارة بناء وليست احتلالًا عثمانيًا كما يزعم البعض

شددت الرحال إلى تركيا في صيف ١٤٢٧ هـ ٢٠٠٦م الحضور مؤتمر النورسيين السنوي، وهو مؤتمر خاص يدعون له بعض أهل الرأي والفكر، ويجعلون اليوم الأخير منه للجمهور، وقد جئتهم معقبًا على بعض ما طرح، وكنت قد شاركتهم في عام ٢٠٠٥م ببحث لكن لم يقدر لي الحضور معهم فبعثت به إليهم.

وقد تحدثت إلى جمهور النورسيين في اليوم الأخير من المؤتمر. وأثنيت على المصلحين ومن أهمهم «بديع الزمان النورسي»، وقلت لهم: إنكم تتباهون وتفتخرون لأنكم نورسيون، لكن ماذا صنعتم لإكمال عمل النورسي ومسيرته وجهده؟ وضربت لهم مثلًا بقولي للجزائريين لما زرتهم أنتم تفخرون بأنكم أبناء وأحفاد المليون ونصف مليون شهيد.. فماذا صنعتم لإكمال مسيرة هؤلاء الشهداء العظام؟ وكذلك قولي لأهل اليمن لما زرتهم: أنتم تفخرون بمدح رسول الله ﷺ لكم، لكن هل عملتم من العمل ما تحققون به مقتضيات هذا المدح الذي مدحه أسلافكم في دنيا الناس اليوم؟

رحلة عبر التاريخ

وكنت قد زرت معرضًا تاريخيًا مهمًا رأيت أن أبسط فكرته للقراء الكرام، لأنه أعظم ما لفت نظري وأعجبني من المشروعات والمعارض التاريخية التي رأيتها، وهو مشروع لطيف مبتكر اسمه تركيا الصغرى حيث قد جمعت كل آثار تركيا في مكان واحد!! وجسم المهندسون الأتراك كل الآثار التاريخية المتناثرة في البقاع التركية الواسعة، ووضعوها في مكان واحد في العاصمة إسطنبول وهو مكان فسيح مكشوف يدخله الداخل ليسير في مسار محدد له، يشاهد به جميع هذه الآثار في نسق مرتب بديع وتذكرة الدخول تتضمن مفتاحًا «شفرة» بعدة لغات، فإذا أخبرت بائع التذاكر بلغتك أعطاك التذكرة، فتقف أمام الأثر وتدخل التذكرة في آلة صغيرة فتتحدث عن الأثر باستفاضة باللغة التي اخترتها.

مساجد ومتاحف

وخلال زيارتي للمتحف توقفت عند مسجد السليمية، أعظم الآثار في مدينة أدرنة القريبة من الحدود البلغارية، وهو باسم السلطان سليم الثاني، بني خلال الفترة من ١٥٦٨م – ١٥٧٥م تحت إشراف المهندس المبدع «سنان» الذي بنى معظم الآثار التركية الفاخرة، وهذا المسجد بعد من جملة آثاره الفاخرة.

ثم مررت بالجامع الضخم «أولو جامع» في بورصة، وكانت عاصمة للدولة العثمانية قبل إسطنبول، وافتتح سنة ١٤٠٠م بأمر يزيد الصاعقة، ولما دخل تيمورلنك بورصة منتصرًا على الدولة العثمانية أمر بإحراقه، ثم جدد بعد ذلك في عهد محمد الأول. 

ثم مررت بـ «مسجد علاء الدين»، في قونية، وهو من الآثار السلجوقية الباقية فالسلطان علاء الدين سلجوقي، وبدأ بناء المسجد في عام ١١٥٥م وانتهى عام ١٢٠٠ م!! في عهد السلطان كيقباذ الأول. وجدد مرات كثيرة عبر القرون وأضيف إليه أبنية، وهو أقدم مثال على هيئة البناء العربي للمساجد في الأناضول. 

ثم مررت ببناء غريب، بني في جوف جبل، وهو مخبأ فيه بحيث إن القائم على الجبل البالغ ارتفاعه «۱۳۰۰م» لا يدرك أن تحته بناءً هائلًا على هذا النحو، وهو معبد بني عام ٣٨٥م، وهو بناء عجيب غريب. 

ثم مررت بمدينة ماردين، وهي مدينة قائمة منذ عهد الرومان، ومرت بعهود الفرس والبيزنطيين والسوريين والعرب، وبيوت المدينة مبنية من الصخور، وهي متراصة على هيئة غريبة بحيث لا يحجز بيت بيتًا، فكل البيوت في الواجهة!! 

ثم مررت بمسجد السليمانية – نسبة إلى السلطان سليمان القانوني أكبر سلاطين آل عثمان وإن لم يكن أفضلهم - وقد توفي سنة ٩٧٤هـ بعد أن حکم ٥٠ سنة، والجامع الضخم في إسطنبول وبني بأمر السلطان سليمان، وبناه المعماري المميز «سنان» في ذروة أستاذيته، وبني خلال الفترة من ١٥٥٠م – ١٥٥٩م. وزخرف المسجد من قبل فناني عصره والمسجد مشهور بنظام التهوية المبدع، وفيه أربع منارات فيها عشر شرفات ترمز إلى أن السلطان سليمان هو السلطان العاشر العثماني، وقد جلب الرخام الأبيض من جزيرة مرمرة والرخام الملون من بقايا مدينة بلقيس من اليمن والرخام الأخضر من جزيرة العرب. 

ومررت بمسجد السلطان أيوب كما يسمونه، وهو الصحابي الجليل أبو أيوب الأنصاري امة، والذي أمر ببنائه هو السلطان محمد الفاتح حين فتح إسطنبول ووقف على قبر أبي أيوب، وكان قد أوصى بدفنه عند أسوار القسطنطينية، حين كان يحاصرها مع الصحابة والتابعين زمن الخليفة معاوية بن أبي سفيان ﷺ وهذا المسجد هو أول مسجد بني في إسطنبول، ثم أعيد بناء المسجد زمن السلطان سليم الثالث.

ثم مررت بمسجد السلطان أحمد الأول الذي بني عام ١٦٠٩م وسماه الأوروبيون الجامع الأزرق وذلك لكثرة وجود البلاط الأبيض والأزرق داخل جدرانه، وهو المسجد الوحيد في تركيا بست منارات، وقد أقيم على أنقاض قصر بيزنطي قديم، وقد صليت في المسجد مرارًا، وهو آية في الجمال سواء في بنائه أو في موقعه الفريد أمام مسجد أيا صوفيا ويطل على البسفور. 

ثم مررت بقصر توب كابي «الباب العالي» حيث كان يقيم السلاطين، وهو مبني على مساحة ٧٠٠ هكتار على تل في إسطنبول، وقد بدأ بناؤه في زمن السلطان محمد الفاتح ما بين عامي ١٤٦١ – ١٤٦٨م، ومنذ عهد السلطان محمد الفاتح عاش في هذا القصر ٢٤ خليفة أو سلطانًا مع أزواجهم وأطفالهم وخدمهم إلى منتصف القرن التاسع عشر.. واليوم هو متحف يضم بعض الآثار النبوية الشريفة وكثيرًا من الآثار التاريخية الأخرى. 

ثم مررت بمجسم أيا صوفيا، وهو كنيسة ضخمة بناها جستنيان الأول البيزنطي سنة ٥٣٧م، وقد سقطت قبتها عدة مرات، وآخر مرة أعيد بناؤها سنة ١٣٤٦م، وقد أجريت عدة تقويات وترميمات للمبنى في العهد العثماني، وقد غير السلطان محمد الفاتح المبنى ليكون مسجدًا، وأضاف إليه منارة، ثم أضيفت إليه منارة أخرى زمن السلطان بايزيد الثاني، وقد كان أيا صوفيا مسجدًا لمدة ٤٨١ سنة ثم حوله أتاتورك إلى متحف عام ١٩٣٤م.

التاريخ العثماني خارج تركيا

وهناك مجسمات عديدة أخرى أضرب عن ذكرها صفحًا للإيجاز، لكني لا أستطيع أن أغادر تركيا دون ذكر المسار الفريد الذي ضم أهم آثار العثمانيين خارج تركيا، فمنه مجسم لقلعة أجياد في مكة التي هدمت قبل ثلاث سنوات، ومجسم للمسجد الأقصى الذي أعيد بناؤه في عهد السلطان سليم لما دخل مصر والشام فاتحًا، وجسر موستار العظيم الذي ليس له مثيل، والذي هدمه الصرب في حرب البوسنة، وبقي مجسمه! وبهذا أتيت على سرد أهم ما مررت عليه من مجسمات في ذلك المكان الجميل ذي الفكرة الرائعة، فقد مررت على كل آثار الدولة العثمانية في أقل من ساعتين!

وهناك متحف ملحق بأرض العرض لم يتسع وقتي لزيارته، وأحيل زيارته لمن يزور تركيا بعدي إن شاء الله.

الرابط المختصر :