العنوان الأتراك وسيدهم العظيم
الكاتب محمد الراشد
تاريخ النشر الثلاثاء 28-مايو-1996
مشاهدات 82
نشر في العدد 1201
نشر في الصفحة 17
الثلاثاء 28-مايو-1996
كانت قذائف جيش السلطان الفاتح تدك باب «لندريس رومانوس»، الباب الذي فيما بعد «طوب قبو» أي باب المدفع، وذلك في عام ١٤٥٣م، وفي التاسع والعشرين من مايو منه أصبحت القسطنطينية بعد أن فتحها السلطان محمد الفاتح «الشاب ذو الثلاثة والعشرين ربيعًا» (إسلام بول) أي دار الإسلام.
هذا الشاب الذي كان اسمه يثير الرعب في أوروبا لمكانته وقدراته وحنكته السياسية وعلاقاته الدولية والحربية في آسيا وأوروبا وإفريقيا.
هذا الشاب الذي منذ أن سمع حديث الرسول صلى الله عليه وسلم في فتح القسطنطينية وهو ناشئ صغير في حلقات شيخه ومربيه الملا أحمد بن إسماعيل الكوراني وهو يتعاهد نفسه ليكون ذلك القائد الذي عناه الحديث: «لتفتحن القسطنطينية، فلنعم الأمير أميرها ولنعم الجيش جيشها»، لقد استطاع هذا الشاب خلال خمسين يومًا من الحصار تحطيم أسوار القسطنطينية وفتحها، ولا ننسى أسماء أبطاله وقادته (زغنوشي باشا) رئيس الجيش غير النظامي، و(صاريجه باشا) قائد الميسرة، و(إسحاق باشا) قائد الميمنة و(خليل باشا) مساعده في قيادة القلب، و(بالطه أوغلي) بطل وقائد الأسطول العثماني و(قره جه باشا)، و(فيروز أغا)، و(تورخان) وغيرهم من الأبطال.
هذا الأمير الشاب الذي رباه والده مراد الثاني على إدارة الحرب والدولة، وعلى حياة الجهاد منذ صغره لم يكن رجل حرب فقط وإنما اشتهر بالعلم والتقوى والورع، فكان شيخه ومربيه الملا أحمد بن إسماعيل الكوراني عالمًا وفقيهًا، وشهد له علماء عصره بالتفوق والإتقان وفق ما ذكره السيوطي، وكان الفاتح يسميه أبا حنيفة زمانه والأمير الشاب ختم القرآن صغيرًا على يديه، ودرس على يد شيوخ كثيرين منهم الشيخ ابن التمجيد، والشيخ خير الدين والشيخ سراج الدين الحلبي وكان السلطان محمد الفاتح يتحدث بست لغات: (العربية والفارسية، واللاتينية والإغريقية، والسلافية، والإيطالية)، وكان يتقنها لسببين: الأول: هو أن يقوم بنفسه على شؤون العدل بين رعاياه بالاتصال المباشر معهم، والآخر هو تنمية الذوق الأدبي الذي اشتهر به السلطان محمد الفاتح، وكان أول شاعر إمبراطوري، حيث كان يذيل أشعاره باسم مستعار وهو «عوني»، وله ديوان شعر باللغة التركية طبع عام 1944مFatih Divani) ) باسم (ديوان الفاتح).
وكان رحمه الله محبًا للعلماء، ودأب على مراسلة العلماء والمثقفين في فارس والهند وباكستان ومصر، ومن أشهرهم الشيخ محمد بن سليمان المحيوي (وهو شيخ السيوطي)، وكان بلاطه ساحة للعلماء والأدباء والمفكرين، ولم يذكر عنه أنه صلى في غير مسجد جامع إلا نادرًا، ولم يكن له ندماء ولا محظيات، وكانت حياته بسيطة للغاية، وكان بعيدًا عن الترف والاختلاط المبتذل، أحاط نفسه بمناخ من الجهاد والحرب والتأهب، وكانت لديه قدرة عالية في إدارة شؤون الدولة، وكانت فتوحاته لنشر الإسلام، وكان رحيمًا بخصومه، فعندما فتح القسطنطينية بحث عن قادة جيش قسطنطين وعفى عنهم وأكرمهم، وقام بنفسه بدفن قسطنطين بما يليق بمكانته كإمبراطور، واحتفى ببطريركهم «جناديوس» وأكرمه، وعفا عن جميع من قاتله، وأمَّنهم على أموالهم وأعراضهم.
هذا الشاب البطل أطلق عليه الأوروبيون لقب السيد العظيم (Great Seigner) وفرحت أوروبا بوفاته، وأقامت البابوية في روما الحفلات بذلك. وعندما دخل القائد الفرنسي عند احتلال الحلفاء لإسطنبول في الأيام الأخيرة لسقوط الخلافة العثمانية مسجد آيا صوفيا أقبل على قبر الفاتح وقال: «ها نحن عدنا يا فاتح».
واليوم تركيا تحاط بالحقبة العبرية الجديدة، حيث يتوج اليهود أهدافهم الاستراتيجية بعقد تحالف عسكري أمني تركي- إسرائيلي، حيث تعهدت إسرائيل بتدريب وحدات من الجيش التركي العامل على الحدود التركية مع كل من سورية وإيران والعراق مع استخدام الأجواء التركية من قبل سلاح الجو الإسرائيلي، كما يسمح لإسرائيل بالتنصت الإلكتروني على كل من سورية وإيران من الأراضي التركية، وذلك بموجب اتفاق للتعاون بين أجهزة المخابرات في البلدين.
وقد قامت السلطات التركية بناء على هذا التعاون في يوم الثلاثاء ٢١ مايو الجاري بتسليم 3 طلاب فلسطينيين بعد أن أخضعتهم للاستجواب بناء على طلب من الموساد ورحلوا إلى إسرائيل، فاليوم يقترب الإسرائيليون من قبر الفاتح ليخبروه بأنهم أسقطوا الخلافة، وأنهم يحيطون بقبره.
أعتقد أنهم لن يستطيعوا ذلك، فشباب الصحوة الإسلامية في تركيا والذين يحتفلون هذه الأيام بأيام الفتح، سيعيدون أمجاد «سيدهم العظيم»، بإذن الله.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل