; إسرائيل الكبرى.. بيد أمريكية | مجلة المجتمع

العنوان إسرائيل الكبرى.. بيد أمريكية

الكاتب عبدالحكيم قماز

تاريخ النشر السبت 15-نوفمبر-2003

مشاهدات 96

نشر في العدد 1577

نشر في الصفحة 42

السبت 15-نوفمبر-2003

منذ ما يربو على نصف قرن، ودولة الاحتلال الصهيوني خنجر مسموم غرزته الامبراطورية البريطانية البائدة في قلب الأمة العربية، وسرطان يعيث في جسد الأمة فساداً، وهي بلا شك حصيلة تاريخ طويل من العمل الدؤوب الناتج من تخطيط محكم بدأ عقائديا منذ ولادة المذهب البروتستانتي وحركة الإصلاح الديني التي تزعمها القس والفيلسوف «مارتن لوثر»، الذي تجرأ في كتابه عام ١٥٢٣م «المسيح ولد يهوديا» فكتب ما يلي: «شاءت الروح القدس أن تنزل كل أسفار الكتاب المقدس عن طريق اليهود وحدهم، اليهود هم أبناء الرب، ونحن الضيوف الغرباء، وعلينا أن نرضى بأن نكون كالكلاب التي تأكل من فتات مائدة أسيادها»، وأحدث انقلابًا هائلًا في المعتقدات المسيحية فيما اعتبر آنذاك ثورة عارمة ضد الكنيسة الكاثوليكية. 

وكان من ثمرات هذا الانقلاب العقائدي أن أصبح «الكتاب المقدس» الذي يضم بين دفتيه العهد القديم وهو «التوراة المحرفة»، والعهد الجديد «وهو الإنجيل المحرف»، الكتاب الذي تتربى عليه الأجيال المسيحية البروتستانتية، فأصبحت اليهودية نتيجة لذلك جزءًا مهمًا من اعتقاد المسيحيين البروتستانت، وبعد أربعة قرون من انطلاق هذه الحركة وتحديداً في عام ١٩٦٦م، برأت الكنيسة الكاثوليكية اليهود من قتل المسيح -عليه السلام- وفق «معتقداتهم الباطلة»، الذي كان إلى ذلك التاريخ من أحد أهم العقائد المسيحية سواء كانت «أرثوذكسية» أم «كاثوليكية»، بينما احتفظت الكنائس الأرثوذكسية حتى هذا التاريخ -وهي كنائس شرقية- بهذا المعتقد، وهذا ما يبرر انفرادها -دون مسيحيي العالم- بنظرة خاصة تجاه اليهود.

وكنتيجة طبيعية لانتشار هذا المذهب البروتستانتي من خلال الحركة الإصلاحية الجديدة، أضحت العقائد اليهودية والأحلام التوراتية في أرض الميعاد وإسرائيل الكبرى وعودة المسيح حية في ضمير مسيحيي هذا المذهب، وكان ذلك إيذاناً بظهور تيار عارم قوي يعرف به «الصهيونية المسيحية». هذا التيار الذي أقنع الأمة المسيحية بأن عودة اليهود إلى أرض الميعاد «فلسطين» هي من مبشرات عودة المسيح التي سيحكم الأرض بعدها ألف عام، وهذا ما ينتظره المسيحيون قاطبة مع كل ألفية.

ومما يدل على حماسة الصهاينة المسيحيين لعودة اليهود إلى «فلسطين» معارضتهم لتيودور هرتزل الذي طرح فكرة الدولة اليهودية في مؤتمر بازل عام ۱۸۹۷م، واقترح لها مناطق أخرى لم يذكر منها «فلسطين»، فكان أن عارضه الصهاينة المسيحيون في أمريكا وأرسلوا له نسخة من «العهد القديم»، وفيه إشارة على الصفحات التي تحدد «فلسطين» «الوطن المختار للشعب المختار».

وفي عام ١٦٥٥م، قال الزعيم البروتستانتي بول فيلتهوفر: «إن اليهود في المجيء الثاني للمسيح سوف يعترفون به على أنه مسيحهم»، وفي عام ۱۸۳۹م، أمر اللورد بالمرستون -وزير خارجية بريطانيا حينئذ- بافتتاح أول قنصلية بريطانية في القدس، وبعدها بست سنوات أي في عام ١٨٤٥م، وضع إدوارد مينتفورد من مكتب المستعمرات البريطاني خطة لتوطين الشعب اليهودي في فلسطين ووصفها بأنها «سوف تضعنا في موقع قيادي محكم في الشرق الأوسط نستطيع منه متابعة خطة استلاب هذا العالم وردع الأعداء وصد عداواتهم إذا حدث» أما عام ١٨٤٤م، فقد كان موعد وصول أول قنصل أمريكي إلى القدس «ليقوم بعمل الرب ويساعد على إنشاء وطن قومي لليهود في أرض الميعاد».

وبعد ما يقرب من نصف قرن، أي في عام ۱۸۹۱م، قدمت عريضة إلى الرئيس الأمريكي هاريسون موقعاً عليها من قبل ٤١٣ من علية رجال الدين والسياسة مطالبين بتدخل أمريكا لإعادة اليهود إلى فلسطين.

لقد بلغت الحماسة الدينية لدى السياسيين الأمريكان من الصهاينة المسيحيين مبلغاً جعل هنري كابوت لودج رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس النواب الأمريكي يعلن، في خطاب له بمدينة بوسطن عام ۱۹۲۲م، قوله: «لم أحتمل أبداً فكرة وقوع القدس وفلسطين تحت سيطرة المحمديين، إن بقاء القدس وفلسطين المقدسة بالنسبة لليهود والأرض المقدسة بالنسبة لكل الأمم المسيحية في الغرب في أيدي الأتراك كان يبدو لي لسنوات طويلة وكأنه لطخة في جبين الحضارة من الواجب إزالتها».

أما الرئيس الأمريكي الديمقراطي جيمي كارتر فقد أعلن صراحة في خطاب له أمام الكونجرس علاقة أمريكا بإسرائيل أكثر من مجرد علاقة خاصة ... لقد كانت ولا تزال علاقة فريدة لا يمكن تقويضها لأنها متأصلة في وجدان وأخلاق وديانة ومعتقدات الشعب الأمريكي، ولنا أن نتخيل مقدار العمل الدؤوب والجهد الكبير الذي قام به اليهود والصهاينة المسيحيون في أمريكا حتى يصل الأمر لأن يصرح رئيس الولايات المتحدة بهذا التصريح بينما صرح بطل التحرير بنيامين فرانكلين في عام ۱۷۷۹م حينما ترأس أول اجتماع للمجلس التأسيسي للولايات المتحدة محذراً الأمة الأمريكية من اليهود: «أيها السادة لا تظنوا أن أمريكا قد نجت من الأخطار بمجرد أن نالت استقلالها فهي مازالت مهددة بخطر جسيم لا يقل خطورة عن الاستعمار الذي تخلصت منه وهذا الخطر يأتينا من تكاثر عدد اليهود في بلادنا ... أيها السادة: ثقوا بأنكم إذا لم تتخذوا هذا القرار فوراً فإن الأجيال الأمريكية القادمة ستلاحقكم بلعناتها وهي تئن تحت أقدام اليهود»، وما هو إلا قرن من الزمان أي في عام ١٨٩١م حتى قُدمت عريضة إلى الرئيس الأمريكي هاريسون تطالب بالتدخل لإعادة اليهود إلى فلسطين -كما ذكرنا-.

إن دور الإمبراطورية التي غابت عنها الشمس «بريطانيا»، وبدافع من قادتها المسيحيين الصليبيين المتصهينين، الذين أشربوا عقيدة عودة المسيح في قلوبهم، كان غرس هذه النبتة الخبيثة في الأرض الطاهرة أرض الأنبياء «فلسطين» ولم تخرج من «فلسطين» إلا بعد أن سلمتها للعصابات اليهودية التي تجمعت آنذاك وأعلنت «إسرائيل» في ذلك العام الحزين ١٩٤٨م.

بريطانيا.. مكر وخداع للعرب

ولتحقيق ذلك مارست بريطانيا العظمي «سابقًا»، ألوانًا شتى وصنوفًا مختلفة من الظلم والقهر والمكر وخداع العرب، حتى أنشأت «إسرائيل» المحتلة، ثم تهاوت عظمة بريطانيا وأصبحت تتوارى خلف قوة أمريكا «العظمي»، وحينها تسلمت هذه الأخيرة راية رعاية الدولة المحتلة، وانتقل العمل اليهودي والمسيحي المتصهين الدؤوب من أروقة السياسة البريطانية إلى ساحات السياسة الفسيحة في الدولة الكبرى الجديدة، وإمعاناً في المضي قدمًا لتحقيق المعتقد الصهيوني المسيحي التوراتي، واصلت القوة الجديدة ممارسة الخداع للعرب والكيل بمكاييل مختلفة، وسعت جاهدة من خلال الدعم السياسي والاقتصادي والعسكري إلى توسع الدولة اليهودية لتستولى على «القدس» الشريف وعلى كامل أرض الإسراء والمعراج من البحر إلى النهر، فأكملت لليهود بذلك المرحلة الأولى من حلمهم البغيض، كما أن الأجندة الصهيونية المسيحية في الإدارة الأمريكية لا ولن ترضى بدور أقل عند اليهود من ذلك الذي قامت به بريطانيا.

بدأت أمريكا في مرحلة الرئيس الجمهوري الأسبق رونالد ريجان منذ عام ۱۹۸۱م -وهو الذي اشتهر بحمله للكتاب المقدس «العهدين القديم والجديد»، في حملاته الانتخابية وهو يقول: «بين دفتي هذا الكتاب حلول كاملة لمشكلات العالم» والذي كان يبشر بحرب «هرمجدون»، المذكورة في كتابهم المقدس- بدأت في عهده برعاية توسع إسرائيل من أجل تحقيق الحلم التوراتي «إسرائيل الكبرى»، وهذا ما يفسر إقدام اليهود على دخول «بيروت» في العام الذي يليه واحتلال الجنوب اللبناني الذي استمر عقدين من الزمان.

والآن يسخر الرئيس بوش كل إمكانات أمريكا في سبيل الوصول إلى «إسرائيل الكبرى»، فبدأت الولايات المتحدة أول الطريق في عهده باحتلال «العراق» العدو التاريخي لليهود، حيث انتهت دولة «إسرائيل» في الشمال على يد سرجون الثاني الآشوري العراقي عام ۷۲۱ ق م، ودمر نبوخذ نصر البابلي «العراقي» مدينة أورشليم «القدس» عام ٥٨٦ ق.م، تدميراً كاملاً، ودمر الهيكل وأخذ جميع كنوز الهيكل ونفى ثلث سكان أورشليم بعد أن قتل الثلث وسمح للثلث بالبقاء، والعهد القديم مليء بالتحريض على تدمير بابل التي دمرت هيكلهم ونفتهم وقتلت منهم ودمرت دولتهم.

وفي هذا العصر فإن «العراق»، كان يمثل قوة عسكرية وموقعاً وثروة جعلت منه عدواً استراتيجياً ل «إسرائيل»، وقد تنفس شارون الصعداء يوم التاسع من أبريل ۲۰۰۳م عندما سقطت بغداد وأعلنها صريحة: «لقد زال الخطر الاستراتيجي الذي كانت يمثله العراق».

واستمرارًا لهذا النهج تواصل أمريكا تقديم خدماتها من أجل الوصول إلى «إسرائيل الكبرى»، فقامت بتهديد المنطقة بأكملها قبل الحرب على العراق بإعادة تشكيل الخريطة العربية «وفق المقاسات الإسرائيلية»، ووجهت تهديدات شديدة أخرى إلى سوريا التي وقعت في أزمة سياسية واقتصادية وعسكرية بعد احتلال العراق فأصبحت محاصرة بين فكي كماشة القوة اليهودية المحتلة لهضبة الجولان والقوة الأمريكية المحتلة للعراق.

انتظار «المسيا»

لقد رسخ في ذهن اليهود منذ تعرض دولتهم الأولى والثانية للتدمير أنه من الخير لهم ألا يرفعوا رؤوسهم وينشئوا دولة تضمهم فإن ذلك منذر لهم بالهلاك والدمار، ومن الأفضل لهم أن ينتظروا «المسيا» مخلصهم المنتظر ملك اليهود القادم، ليقيم لهم الدولة ويحكم العالم بأسره، ولكن الصهاينة اليهود والصهاينة المسيحيين أحدثوا انقلابًا هائلًا في هذه العقيدة فأقاموا دولة «إسرائيل»، التي يعتبر قيامها وعودة اليهود إليها من مبشرات دولتهم العظمى المنتظرة وظهور ملك اليهود الذي يحكم العالم. 

وبما أن اليهود ظلوا -بعد تدمير دولتهم الأخير- يتخفون خلف الأقوياء ويستخدمون الأميين لتنفيذ أمالهم ورغباتهم التوراتية، فها هم الآن يستخدمون القوة الكبرى في العالم بعد أن كان لليهود السوفييت دور كبير في إسقاط الاتحاد السوفييتي السابق لتتفرد أمريكا بالقوة والسيطرة والهيمنة على العالم، وليحكموا من خلف ستار من خلال حكمها وسيطرتها، إلى أن يأتي اليوم الذي يبنى فيه الهيكل ويظهر ملكهم الذي سيكون ملكاً للعالم كما يعتقدون.

إن استراتيجية «الإمبراطورية الأمريكية» -التي يعدها خبراؤها المتصهينون- للسيطرة على العالم من خلال السيطرة على منابع النفط     -الطاقة الحيوية لأي قوة في العالم- أصبحت لا تخفى على كل ذي عينين مبصرتين، فوجودها في أفغانستان وقواعدها قرب دول الاتحاد السوفييتي المستقلة قريبة من ثروات بحر قزوين وثروات دول المنطقة، وسيطرتها على منابع النفط في العراق، ووجودها المكثف في الخليج العربي يجعل منها المهيمنة على هذه الثروات الهائلة في العالم، وستتمكن بذلك من إيقاف أي من الدول الصناعية الكبرى أو الدول التي تطمح في أن تنافسها، مستخدمة سلاح النفط لبناء وحماية« إمبراطوريتها».

تدمير وتحييد للقوى

لقد دمرت أمريكا القوة العراقية وحيدت ما تبقى من جيش مصر وقوتها بتكبيلها بمعاهدات التسوية، وبرضوخها تحت نير المساعدات التي تستخدمها ورقة ضغط دائمة عليها، ولم يتبق من الجبهات التي يمكن أن تقلق «إسرائيل»، أو أن تقف حائلا أمام «إسرائيل الكبرى»، إلا ما تمثله سوريا وإيران من دعم للمنظمات الجهادية الإرهابية حسب رؤيتها»، إلا أن أمريكا توجهت نحو سوريا ووجهت إليها رسائل فهمتها، وها هي الآن تكاد تحيط ب«إيران» من الجهات الأربع بقواعدها العسكرية.

إن الصهيونية اليهودية والصهيونية المسيحية تحكمان العالم من البيت الأبيض، وبالتالي فإن اليهود يحكمون العالم بواسطة أمريكا ويسخرونها لإنشاء «إسرائيل الكبرى»، كما سخروا من قبلها بريطانيا.

ومما يظهر لنا أن «إسرائيل الكبرى» الاقتصادية فحسب، التي كان يدعو لها بعض السياسيين الصهاينة مثل شمعون بيريز، تراجعت أمام «إسرائيل الكبرى» «سياسيًا وجغرافيًا»، وما ذلك إلا نتيجة طبيعية لضعف العرب وتفككهم وتخاصمهم فيما بينهم.

«إسرائيل الكبرى» تعني أن يبتلع اليهود -حسب نبواءتهم- دولًا عربية عديدة تحقق لهم منها اثنان «فلسطين» وهي ترزح الآن تحت احتلال اليهود، و«العراق» التي تئن من احتلال الصهاينة الأمريكيين.

إن الأمة العربية تواجه هجوماً عنيفاً على وجودها وكيانها، يهدف إلى استئصال شأفتها واستعبادها. إن جراح الأندلس الضائع لا تزال غائرة في أجسادنا تثغب دمًا، ولا أظن تحديد «مدريد» لانطلاقة محادثات «السلام» اليهودية العربية إلا إشارة صهيونية صليبية واضحة إلى ما تخبئه لنا نفوسهم وعقولهم.

فهل نعي ذلك؟!.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل