العنوان إدارة الجودة الشاملة في مفهوم الإسلام
الكاتب سداد صبري
تاريخ النشر الثلاثاء 14-فبراير-1995
مشاهدات 61
نشر في العدد 1138
نشر في الصفحة 55
الثلاثاء 14-فبراير-1995
النظام
في الإدارة يشمل ثلاث مكونات، وهي:
الإدارة:
وهو حسن استعمال
الموارد المتاحة والاستثمار الأفضل بحيث نحصل على أحسن خدمة بأقل تكلفة، ولا يحصل
هذا إلا إذا حرصنا على الاستثمار الأمثل لأنظمة التشغيل، والأفراد، والوسائل،
والمباني، والوقت، والاستثمار الأفضل، والتخلص من الوقت الضائع، والجهد الضائع،
والتشغيل الخاطئ، والتخلص من أنظمة التشغيل الخاطئة أو المعقدة، وحسن معاملة
الأفراد، وحسن استغلال المباني والوقت.
الجودة:
وهو تقديم
الأفضل في الأداء، والمنتج، والخدمة.
الشاملة:
وهو شمول هذا
المبدأ كل شيء في أي مكان، وهو شمولها كل العاملين مديرين وأجراء، وكل المنتجات،
وكل أجزاء الخدمة معدات، ومباني، وسائر الوسائل، وكل مكونات نظام التشغيل
"نظام وطريقة وإنتاج"، وحسن استعمال الوقت.
إدارة
الجودة الشاملة في الإسلام
الدين الإسلامي
كان أول مصدر كامل وشامل لإدارة الجودة الشاملة بالمفهوم الحديث، ووردت تعاليم
الإسلام في الجودة ليراد بها "الإتقان في العمل"، و"الحذق
فيه"، و"الإحسان في الأداء"، و"حسن استعمال الوقت".
والإسلام يدعو
إلى إحسان العمل وإتقانه حتى يبلغ من الجودة مبلغًا عظيمًا، حتى رتب الإسلام
الثواب على الإتقان فقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا
الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾ (الكهف: 30).
وقال تعالى:
﴿لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ﴾ (يونس: 26).
﴿لِّلَّذِينَ
أَحْسَنُوا فِي هَٰذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ﴾ (النحل: 30).
وأمر الإسلام أن
يحسن المسلم الأداء في دينه ودنياه، ويطور هذا الأداء حتى يصل إلى الأداء الأمثل:
﴿وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ۖ وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ
إِلَيْكَ﴾ (القصص: 77).
وأخبر الحق
تعالى المسلم أن إحسانه مردود عليه، وجودة أدائه وإتقانه العمل يرجع إليه أولًا
قبل غيره: ﴿إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ ۖ وَإِنْ أَسَأْتُمْ
فَلَهَا﴾ (الإسراء: 7).
وشاء المعلم
الأول في الإسلام محمد بن عبد الله -صلى الله عليه وسلم- أن يعلمنا حرصه على تأكيد
مبدأ الجودة في الأداء والإحسان في العمل، فقال: "إن الله تعالى يحب إذا عمل
أحدكم عملًا أن يتقنه"، وفي رواية: "أن يحسنه" "صحيح الجامع
الصغير 2/47"، وتبعه علماء المسلمين بقولهم: "على العامل أن يعمل بما
علمه الله عمل إتقان وإحسان بقصد ونفع خلق الله -عز وجل-، ولا يعمل على مقدار
الأجر، بل حسب ما يقتضيه العمل من إتقان" "فيض القدير 2/281-287".
وأوضح رسول الله
-صلى الله عليه وسلم- أن الله سبحانه وتعالى أمر العامل أن يحسن العمل لأن الله
قضى بذلك وكتبه، والخروج عن إحسان العمل عصيان وشذوذ، قال -صلى الله عليه وسلم-:
"إن الله كتب الإحسان على كل شيء" "الفتح الكبير 1/341".
مراجعة
الأداء والمحاسبة
وهذا المبدأ أحد
أهم مبادئ تحقيق الجودة، والذي يقوم على مبادئ مراجعة الأداء، وتحليل القصور فيه،
وتحقيق وسائل الوصول إلى الأداء الأفضل والمنتج الأفضل، وهنا نجد الإسلام قد سبق
الآخرين بتحقيق مبدأ المراقبة والمحاسبة ومراجعة الأداء الذاتي، قال تعالى: ﴿يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ
لِغَدٍ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ (الحشر:
18).
وقال -صلى الله
عليه وسلم-: "الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت"، أي: حاسبها، وقال
عمر بن الخطاب: "حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن
عليكم".
منزلة
الوقت
أقسم الله
سبحانه وتعالى في كتابه العزيز بالوقت في آيات كثيرة: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ
الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ (العصر: 1- 2).
﴿وَالضُّحَىٰ *
وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ﴾ (الضحى: 1- 2).
وغيرها كثير من
الآيات، وهذا دليل على قدسية الوقت في الإسلام، وليس أهميته فقط.
وقد قال تعالى:
﴿إِنَّ فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي
السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَّقُونَ﴾ (يونس: 6).
وقد جعل الإسلام
استغلال الوقت من دلائل الإيمان وأمارات التقوى، وقد قال تعالى: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ
فَانصَبْ * وَإِلَىٰ رَبِّكَ فَارْغَب﴾ (الشرح: 7- 8).
وقد أمرنا الله
تعالى ألا نضيع حتى وقت الفراغ، فقدسية الوقت في الإسلام لم تقتصر على إدارة وقت
العمل، بل امتدت حتى إلى وقت الفراغ، وقد أمرنا في هذه الآية إلى حسن استغلال وقت
الفراغ، لأن الوقت هو الحياة، وإن إهدار الوقت وإضاعته يعني إضاعة الحياة.
اغتنام
الوقت
والوقت إن لم
تملأه بما ينفع شغلك بالباطل والإثم والقصور، وقد قال -صلى الله عليه وسلم-:
"اغتنم خمسًا قبل خمس: حياتك قبل موتك، وصحتك قبل سقمك، وفراغك قبل شغلك،
وشبابك قبل هرمك، وغناك قبل فقرك".
وقد قال -صلى
الله عليه وسلم-: "لا تزول قدما عبد حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيما أفناه،
وعن علمه ما فعل به، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه، وعن جسمه فيما
أبلاه".
ومن استغل وقته
وطاقته وعلمه وماله فيما ينفع الناس فقد ضمن الجائزة يوم القيامة، وقد قال تعالى:
﴿ فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ
فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ (19) إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلَاقٍ
حِسَابِيَهْ (20) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ (21) فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (22)
قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ (23) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي
الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ (24)﴾ (الحاقة: 19-24).
ومعنى "بما
أسلفتم" أي: بما قدمتم من أعمال نافعة في أيام الدنيا، وهل يقدم إنسان عملًا
نافعًا في الدنيا من غير حسن استعمال الوقت وإتقانه العمل.
يقول الإمام ابن
القيم الجوزية -رحمه الله-: "وقت الإنسان هو عمره، وهو مادة حياته الأبدية في
النعيم المقيم، ومادة معيشته الضنك في العذاب الأليم، وهو يمر مر السحاب، فما كان
من وقته لله وبالله فهو حياته وعمره، وغير ذلك ليس محسوبًا من حياته، وإن عاش فيه عيش
البهائم، فإذا قطع وقته في الغفلة والسهو والأماني الباطلة، وكان خير ما قطعه به
النوم والبطالة، فموت هذا خير له من حياته" "الجواب الكافي ص 184 لابن
القيم".
وقد جعل الله
تعالى صفة الفراغ العقلي للدواب: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللَّهِ الصُّمُّ
الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾ (الأنفال: 22).
ويشابهها
الإنسان عندما يعطل دور عقله في تحصيل العلوم النافعة، لذا كان لزامًا على المسلم
حسن إدارة وقته، وأن يملأه بالعمل النافع، وأن يحسن استغلال فراغه بما ينفعه وينفع
الناس.
(*) مدير إدارة
الجودة ومنع العدوى في وزارة الصحة الكويتية.