العنوان (تركيا )أسرار فشل المباحثات بين يلماظ وأربكان في اللحظة الأخيرة
الكاتب محمد العباسي
تاريخ النشر الثلاثاء 05-مارس-1996
مشاهدات 84
نشر في العدد 1190
نشر في الصفحة 32
الثلاثاء 05-مارس-1996
الجيش والعلمانيون لعبا دورًا كبيرًا في إفشال الاتفاق
أربكان ضحى بمنصب رئيس الوزراء.. ويلماظ أصر على عدم منح الرفاه وزارات ومؤسسات سيادية وأن تكون مشاركته هامشية
أثبت الصراع السياسي الحالي على السلطة في تركيا أن هدف الأحزاب العلمانية ليس خدمة الشعب التركي والتجربة الديمقراطية الناجحة في دول الشرق الأوسط قاطبة، بل التكالب على كرسي الحكم وتحدي إرادة الجماهير، وعدم إعطاء الفرصة لحزب الرفاه الإسلامي لممارسة حقه الطبيعي في الحكم حتى بعدما أعلن نجم الدين أربكان- زعيم الحزب- تخليه عن برنامجه المعروف بالنظام العادل ما دام لم يصل إلى الحكم بمفرده.
إذ يخشى العلمانيون نجاح الرفاه في إدارة البلاد مثلما فعلوا في إدارة البلديات التي فاز بها في مارس ١٩٩٤م، رغم العراقيل التي وضعتها الحكومة في طريقها، وهو الأمر الذي دفع الشعب باختيار حزب الرفاه في انتخابات ديسمبر ١٩٩٥م، ليحتل المركز الأول، وبالتالي تولي رئاسة الوزراء وتشكيل حكومة ائتلافية، بل تم اختيار بلدية إسطنبول التي يتولاها الرفاه كأفضل بلدية في العالم.
وإذا كانت تانسو تشيللر- رئيسة الوزراء الانتقالية-، وزعيمة حزب الطريق القويم، وصاحبة الـ١٣٥ مقعدًا في مجلس الشعب، وبذلك تكون الثانية من حيث الترتيب بعد حزب الرفاه صاحب الـ١٥٨ مقعدًا رفضت التنازل عن منصبها لزعيم حزب الوطن الأم وصاحب الـ١٢٥ مقعدًا، ومنهم ٣٠ على الأقل من الاتجاه الإسلامي لمنصب رئيس الوزراء الذي يتمسك به دون أي منطق سياسي، فإن نجم الدين أربكان في سبيل نفي رغبته في الكرسي وافق على تناوب المنصب مع يلماظ، بل أعطاه الشهور العشر الأولى لتولي المنصب حتى دون أن يتولى أربكان أي منصب في تلك الحكومة، على أن يتولى المنصب السنتين التاليتين ۹۷ و١٩٩٨م، ثم يتولى يلماظ عام ۱۹۹۹م على أن يتم تشكيل حكومة انتخابية يتولاها شخص ثالث من الرفاه عام ٢٠٠٠م، يتم فيها عمل الانتخابات البرلمانية، وبرر أربكان موقفه بأنه لا يريد للبلاد أن تعيش حالة فراغ سياسي خاصة في ظل الضغوط اليونانية حاليًا، والتي تهدد الأمن القومي التركي، وكذلك لخدمة الجماهير التي يعمل من أجلها الرفاه، وليس من أجل كرسي الحكم الذي يتمسك به يلماظ.
التقسيم الوزاري
وحتى على مستوى التقسيم الوزاري انتقى الوطن وزارات الخارجية، والدفاع، والتعليم، والصحة، والاتصالات، والسياحة، والثقافة، والغابات، وكذلك وزارة الدولة للشؤون الاقتصادية، وأراد أيضًا المالية، وهو الأمر الذي رفضه الرفاه، إذ أصر على المالية أو الوحدات الاقتصادية التابعة له في حالة تمسك الوطن، إذ طالب الرفاه بهيئات مثل: الخزانة، والبنك المركزي، ومستشارية التجارة الخارجية، وهيئة الخصخصة، والقطاع العام، بل وافق على تقاسمها مع الوطن الذي رفض بإصرار معتبرٍا أن تولي القطاع الاقتصادي بكافة وحداته التابعة علاوة على الوزارات السابقة، وكذلك توليه رئاسة الشؤون الدينية وهيئة الإذاعة والتلفاز هو الحد الأدنى الذي يقبله لإعلان تحالفه مع «الرفاه الإسلامي»، وبعد 5 اجتماعات بين يلماظ وأربكان، تم الإعلان عن فشل المباحثات يوم ٢٤ فبراير الماضي بسبب رفض أربكان أن يأخذ جوالًا فارغًا، مؤكدًا أن الرفاه ضحى من أجل ملء الفراغ السياسي، وأنه لا يمكنه المجازفة بحق الشعب، وإعطاء القطاع الاقتصادي بالكامل للوطن الأم الذي يعتبر هو المسؤول الأساسي عن الأزمة الاقتصادية في تركيا، وأكد بأنه مع ائتلاف على أساس المشاركة في المسؤولية وليس على أساس تقسيم البلاد ومؤسساتها .
تنازل تشيللر
وعند الإعلان عن فشل المباحثات سارعت تشيللر بالإعلان عن فرحتها بذلك، وقالت إن الرأي العام الداخلي والخارجي- تقصد وسائل الإعلام التركية والعواصم الغربية- قد تنفس الصعداء، وبعثت بمندوبيها إلى الوطن الأم عارضة إعادة فتح موضوع تحالفها معه وفقًا للشروط التي كانت قد رفضتها قبل اتفاقه مع الرفاه، منها أن يتولى يلماظ رئاسة الوزراء في البداية، وتقاسم الوزارات على أساس ٩ للطريق هي:
الخارجية، العدالة، الصناعة، الاتصالات، التعليم، الصحة، الزراعة، الغابات، بينما يتولى الوطن: الداخلية، المالية، الدفاع، الطاقة، التعمير، العمل، الثقافة، والبيئة، رغم أن عدد مقاعد الحزبين ٢٦٠ مقعدًا، ويحتاجان إلى ١٧ صوتًا من أجل عبور تلك الحكومة جلسة التصويت بالثقة.
والسؤال المثير والذي من الصعب والسهل الإجابة عليه هو: لماذا تراجعت تشيللر مع الوطن، وازداد تعنت يلماظ مع أربكان الذي أعطاه حصة وزارية أفضل؟، بل وجعل يلماظ في موقف أقوى أمام تشيللر وأعطاه مشروعية للمطالبة بمنصب رئاسة الوزراء، وهو خطأ تكتيكي اقترفه أربكان بدون شك، وإن كان يستهدف من خلفه مكاسب استراتيجية منها: فتح أبواب هيئات الدولة أمام شباب الرفاه والحركة الإسلامية ليتم تدريبها وكودرتها لتكون الأساس المستقبلي للحكم في حالة نجاح الرفاه بمفرده، علاوة على إثبات نجاحه في إدارة الدولة والتأكيد على أن الإسلاميين رجال دولة أيضًا وليسوا أئمة وخطباء فقط.
دور الجيش
الإجابة وفقًا لما ذكرته صحيفة «حرييت» التركية يوم ٢٧ فبراير الماضي استنادًا إلى تصريح لأحد نواب حزب الوحدة الكبير «إسلامي- قومي» والذي تحالف مع الوطن الأم، وأعلن انفصاله يوم الثلاثاء الماضي 27 /2/ 1996، بعد فشل ائتلاف الوطن والرفاه، ذكر فيه أن يلماظ أبلغ محسن يازجي أوغلي- زعيم الوحدة- بعدم راحة الجيش من الرفاه، وأضافت الصحيفة بأن إسماعيل حقي قرة داي- رئيس الأركان التركي- أبلغ تشيللر أثناء إجازة عيد الفطر في أولوداغ أنه ضد تحالف الوطن والرفاه، ومع تحالف الوطن والطريق، مما اعتبره البعض رسالة ضغط من الجيش لتشيللر بالتنازل، كما أن هناك ادعاءات حول لقاء تم بين تويمان كومان- قائد حرس الحدود- الذي يقاتل حزب العمال الكردي، ومسعود يلماظ، وإن كان الأخير قد كذب ذلك، ولكن السكرتير العام لحزب الحركة القومية الذي فشل في الانتخابات بسبب حصوله على 8.5% فقط، قال بأن الجيش غير مستريح للرفاه، مشيرًا إلى أن زيارة ألب أرسلان تورکش- زعيم حزب الحركة القومية- لأربكان في منتصف الليل كانت لإبلاغه تلك الرسالة.
ورغم عدم وجود أدلة قاطعة حول تلك الادعاءات والتي نفاها أربكان في تصريح لـ «المجتمع»، أكد فيها أن الجيش بجانب الديمقراطية ولا يقحم نفسه مطلقًا في الأعمال السياسية، ويحترم إرادة الجماهير، كما نفاها أيضًا متحدث عسكري، إذ صرح بأن تلك الادعاءات لا أساس لها من الصحة.
التغيير التآمري
إلا أن تراجع تشيللر وخضوعها ليلماظ، وعدم تمسكها بموقفها السابق الخاص بإجراء انتخابات مبكرة، هو ما كانت قد عرضته على الرفاه أثناء مباحثات الأخير مع الوطن، يشير إلى وجود ضغوط عليها من خارج الحزب، كما أن الأنباء التي تشير إلى احتمال إعطاء حقيبة وزارية لألب أرسلان توركش- زعيم حزب الحركة القومية- وأحد أعمدة انقلاب ١٩٦٠م، والمسؤول عن إعدام عدنان مندريس، وفقًا لبعض الروايات، وإن كان قد نفاها، رغم عدم دخوله لمجلس الشعب، يشير إلى وجود مؤامرة أو ضغوط لا يريد أحد كشفها، خاصة وأن زيارته لأربكان وطلبه إعطاء فرصة ليلماظ لتشكيل حكومة أقلية وحده يزيد من احتمالات صحة التفسير التآمري للأحداث.
حكومة ميتة قبل الولادة
وحتى إذا تم الإعلان عن الحكومة، وطرحت للثقة ونجحت في تخطي تلك العقبة ستفشل تلك الحكومة، خاصة وأنه إذا لم يتم تشكيل حكومة حتى يوم ٢٢ مارس الجاري سيتم حل مجلس الشعب ويدعو رئيس الجمهورية الناخبين لإجراء انتخابات جديدة، والوحيد الذي أعلن رسميًا موافقته على ذلك هو أربكان مؤكدًا ثقته بالحصول على ٣٠% وليس 21,5%، وإن كانت تشيللر قد صرحت من قبل رغبتها في ذلك، إلا أن تحالفها مع يلماظ رغم العداء الشديد بينهما يؤكد خشيتهما معًا من دخول الانتخابات أمام الرفاه، إذ إن تلك الحكومة ستكون لتخطي عقبة دستورية ليس إلا، خاصة وأن دنيز بيقال- زعيم الشعب الجمهوري- أعلن أنه لن يدعم تلك الحكومة، مشيرًا إلى ضرورة تشكيل حكومة من الوطن والطريق واليسار، لأن حكومة غير ثلاثية لن تحل المشكلات، أما بولنت أجاويد فاشترط لتأييده عدم دخول الوحدة الجمركية وفقًا لشروطها، وعدم التجديد لقوة المطرقة، كذلك فإن حزبي اليسار، خاصة وهما في المعارضة لا يمكنهما الموافقة على الخطوط الرئيسية لبرنامج حكومة الوطن- الطريق، ومنها خصخصة القطاع العام خلال سنة، وكافة البنوك العامة عدا بنك الزراعة خلال ٦ شهور، وهو الأمر الذي يرفضه العمال الذين يؤيدون حزبي اليسار، مما يعني أن تلك الحكومة ستولد ميتة، على حد قول أربكان، وبالتالي ستتعثر كل القرارات، ويتوقف العمل الحكومي في أقرب فرصة ممكنة.
كل ذلك بهدف منع الرفاه من تولي الحكم، وإثبات أهليته، ويبدو أن يلماظ فهم تضحية الرفاه، وتنازله بأنه رغبة دفينة في الكرسي، ولذلك أراد أن يستفيد من خلال ابتزازه إلى أقصى درجة ممكنة، والحصول على كافة الوزارات الهامة، وفي حالة نجاحه في إدارتها سيرجع الفضل لنفسه، وفي حالة فشله المتوقع سيلقي بالمسؤولية على الرفاه.
ورغم أن أربكان رفض بيع الشعب التركي من أجل الكرسي، ونجح في تنمية شعبية حزبه وجعله في المركز الأول، إلا أن يلماظ استفاد بدون شك من تنازلات الرفاه في مساومته مع تشيللر التي ترفض أيضًا الابتعاد عن أضواء الحكم، وبدلًا من أن يقدم يلماظ وتشيللر استقالتهما من حزبيهما بسبب تراجع شعبيتهما في الانتخابات، إذ إن تشيللر تسببت في تراجع نسبة شعبية حزبها من ۲۷ % إلى ۱۹%، مقارنة بانتخابات ۱۹۹۱م، وأفقدته السلطة.
كما أن يلماظ تسبب أيضًا في خروج حزبه من السلطة رغم أنه كان يحكم منفردًا قبل ۱۹۹۱م، وتراجعت شعبية حزبه أيضًا من ٢١% عام ١٩٩١م إلى ١٩% في انتخابات ١٩٩٥م، فها هما يتمسكان بالسلطة ويتحديان إرادة الجماهير من أجل إبعاد الرفاه عن السلطة، رغم تنازله عن برنامجه من أجل احترام واحتواء غضب الجيش المحتمل، ومحاولة طمأنة الغرب، وذلك في محاولة لإثبات نقاء عناصره، وقدرتها على إدارة الدولة وتقديم القدوة لإقناع الجماهير باختيار حزب الرفاه وحده ليحكم تركيا، وهذا ما يخشى منه العلمانيون، لذلك أرادوا عرقلة الرفاه .