; الجيش والحكومة.. في السياسة الباكستانية | مجلة المجتمع

العنوان الجيش والحكومة.. في السياسة الباكستانية

الكاتب عامر الحسن

تاريخ النشر الثلاثاء 18-أغسطس-1998

مشاهدات 66

نشر في العدد 1313

نشر في الصفحة 30

الثلاثاء 18-أغسطس-1998

باكستان

  • استفاد نواز من أزمة بنازير بوتو مع الجيش وحرص على تحقيق حالة من الانسجام والتعاون الكاملين مع المؤسسة العسكرية وتجنب تجاوز الخطوط الحمراء.
  • يمثل رئيس الأركان في باكستان ثلث حجم القوة في ترويكا السلطة: رئيس الوزراء ورئيس الدولة والجيش.

لم يكن رئيس الوزراء الباكستاني نواز شريف يستجيب للضغط الشعبي فحسب عندما قام بعرض قدراته النووية ردًا على تجارب الهند النووية، وإنما لضغوط المؤسسة العسكرية أيضًا، والتي ترى في الهند الخطر الأول الذي يتهدد الأمن الباكستاني في المنطقة، فبالرغم من أنه لا يمكن اعتبار باكستان دولة عسكرية كما كانت في عهد الجنرال ضياء الحق في ۱۹۷۷م، وإنما حكومة مدنية جاءت عبر صناديق الاقتراع، إلا إنه لا يزال للمؤسسة العسكرية حضور قوي شبيه بالحالة التركية، وتأثير على القضايا السياسية الخارجية والأمنية والمحلية، ومع أنه لا يوجد في الدستور أو القانون الباكستانيين ما ينص على ذلك تحديدًا، إلا إنه بات من المسلمات السياسية لأي حكومةٍ مدنيةٍ باكستانية تريد أن تستمر في سلطتها من دون مشاكل قصوى أن تعترف بوضعية ميزان القوى الذي يلعب فيه الجيش أحد أهم أطرافه، حيث بمقدور المؤسسة العسكرية أن تعرقل عملية انتقال باكستان للديمقراطية بشكلٍ كاملٍ.

بدأ تاريخ باكستان السياسي عسكريًا تحت ظلال الأحكام العرفية، نظرًا لظروف نشأتها الاستثنائية عام ١٩٤٧م مستقلة عن الهند وبريطانيا في آن واحد، وهيأت تلك الظروف منذ وقتٍ مبكرٍ تربة مناسبة لنشوب سلسلة من الانقلابات العسكرية بدأت بانقلاب رئيس الأركان الجنرال أيوب خان في أكتوبر ١٩٥٨ إلى يونيو ١٩٦٢م، الذي سعى لتعزيز قوته باستيعاب بعض السياسيين المدنيين في حكومته، ثم انقلابًا ثانيًا في مارس ١٩٦٩م للجنرال يحيى خان الذي سلم سلطة الدولة لقيادة مدنية منتخبة في ديسمبر ۱۹۷۱م، بعد هزيمة باكستان في حربها مع الهند وانفصال بنجلاديش، ثم انقلابًا ثالثًا قاده الجنرال ضياء الحق على الحكومة المدنية في يوليو ۱۹۷۷م شهدت فيه باكستان أطول فترة لسيادة القوانين العرفية امتدت منذ يوليو ۱۹۷۷م إلى ديسمبر ١٩٨٥م، وسعى ضياء الحق لتعزيز قوة الجيش عبر تعديلات في دستور ۱۹۷۳م، أكد فيها على سلطات رئيس الدولة -ضياء نفسه- دون رئيس الوزراء، ولما حاول رئيس الوزراء الاستقلال برأيه في اتخاذ بعض القرارات الحاسمة، قام ضياء الحق بعزله في مايو ۱۹۸۸م، وكان ضياء بذلك يسعى لاستيعاب مسؤولين مدنيين يفهمون معادلة سيادة المؤسسة العسكرية على الحكومة المدنية. 

لم يكن من السهل -ضمن هذه الظروف التاريخية- أن تبتعد المؤسسة العسكرية تمامًا عن شؤون الدولة السياسية والاستراتيجية، لقد نمت قناعة لدى الجيش بضرورة الاستقلال النسبي عن الحكومة بالمقدار الذي لا يجعل باكستان دولة عسكرية، ويجنب البلاد حالة اللا ستقرار التي خلفتها سلسلة الانقلابات الماضية، لكن ليس للحد الذي يرجع المؤسسة العسكرية لوضعها الطبيعي في أي دولةٍ ديمقراطيةٍ، فإلى الآن يمثل رئيس الأركان في باكستان ثلث حجم القوة ضمن «ترويكا» القوى الثلاث رئيس الوزراء، والرئيس، والجيش، حتى مع إن رئيس الأركان يعقد لقاءات دورية مستقلة كل من رئيس الوزراء ورئيس الدولة للتباحث في الشؤون السياسية والأمنية، بالإضافة للاجتماعات المنتظمة لرئيس الأركان مع المسؤولين العسكريين والمدنيين لمناقشة القضايا ذاتها.

مصالح المؤسسة العسكرية

من مصلحة أي رئيس وزراء باكستاني ألا يصطدم بالمؤسسة العسكرية وبمصالحها إذا ما أراد لعلاقة الانسجام والتعاون أن تستمر بينه وبين الجيش، وأهم مصالح المؤسسة العسكرية في باكستان هي:

1- الأمن القومي: ففي عهد الجنرال ضياء الحق، كان الجيش هو المسؤول مباشرة عن سياسة القدرات النووية، وعن الحرب الأفغانية، وسعى الجيش للمحافظة على هذه المكتسبات بعد رحيل ضياء ومجيء بنازير بوتو للحكم، والتي اشتكت في سبتمبر ١٩٩١م في دورتها الحكومية الأولى من أن الجيش يخفي عنها معلومات مهمة فيما يتعلق بقدرات باكستان النووية، وبالرغم من أن قدرة الخارجية الباكستانية والمسؤولين المدنيين على صياغة سياسة باكستان من الحرب الأفغانية تنامت بعد انسحاب السوفييت في ۱۹۸۹م، إلا إن الاستخبارات العسكرية والمسؤولين العسكريين كان لهم مساحة كبيرة من التأثير، أيضًا للجيش اهتمام خاص بالهند وموضوع كشمير، ومع أنه لا يعارض حدوث تقارب باكستاني- هندي، إلا إنه حريص على ألا تتجاهل الحكومة المدنية في باكستان أجندة الهند في رغبتها للسيطرة على المنطقة، عمليًا الجيش لعدم حدوث تحسن في العلاقات الباكستانية- الهندية، إلا بعد حل مشكلة كشمير. 

۲- شراء معدات عسكرية متطورة من الخارج، وممارسة ضغوط على الحكومة الصياغة سياسة خارجية تدفع بهذا الاتجاه. 

٣- المحافظة على استقلالية الجيش وعدم تدخل الحكومة بشؤون الداخلية والتنظيمية ولا سيما فيما يتعلق بقرارات التعيين والنقل والعزل، ورواتب المسؤولين المهمين، ويمارس رئيس الأركان استقلالية مؤسسته بعيدًا عن تدخلات وزارة الدفاع نفسها.

٤- رفض المؤسسة العسكرية لأي قراٍر لخفض حجم الإنفاق على الدفاع، ويقبل المسؤولون العسكريون مناقشة الحكومة بشأن تحديد موازنة المؤسسة العسكرية على شكل اجتماعاتٍ ثنائيةٍ بين الطرفين، من دون أن يتحول الموضوع لقضية تصريحات علنية من جانب الحكومة للصحافة والرأي العام. 

5- المحافظة على المكتسبات والامتيازات التي حققتها المؤسسة العسكرية طيلة فترة الحكم العسكري، وسيادة الأحكام العرفية، ولن ترضى المؤسسة بالتخلي عن تلك المكتسبات والامتيازات الآن، بل تسعى لتحسينها وتطويرها مستقبلًا. 

٦- تتوقع المؤسسة العسكرية من الحكومة المدنية أن تتمكن من الحفاظ على الاستقرار السياسي والاجتماعي، ويستعرض المسؤولون العسكريون بصورةٍ دوريةٍ أداء الحكومة الاقتصادي والسياسي، ولا سيما ما يتعلق بالعلاقة بين الحكومة والمعارضة، وطرق المحافظة على الأمن والقانون والقضاء على الفساد الإداري والسياسي.

المؤسسة العسكرية والاستخبارات

تعتمد المؤسسة العسكرية على مراكز الاستخبارات في التأثير على العملية السياسية وبخاصةٍ ما يتعلق بمراقبة أنشطة المعارضة ويمكن تقسيم أجهزة الاستخبارات لثلاثة أجهزة رئيسة: «إم، أي» وهي الاستخبارات العسكرية مع أنها تجاوزت هذا الدور في عهد ضياء الحق وتدخلت في الشؤون السياسية، و «أي، إس، أي»، ويمكن اعتبارها شبه عسكرية، من حيث إن مديرها جنرال في الجيش، وترفع تقاريرها للسلطتين المدنية والعسكرية و «أي، بي»، وهو جهاز الاستخبارات المدني.

وينشط جهاز «أي، إس، أي» و «أي، بي»، في السياسة المحلية، حيث اكتسب الجهاز الأول شهرته من خلال دوره في الحرب الأفغانية- السوفييتية وعلاقته الحميمة بالاستخبارات الأمريكية، فيما يهتم الجهاز الثاني بتطبيق الأجندة السياسية للمؤسسة العسكرية. 

ويستخدم رئيس الأركان المعلومات التي تجمعها هذه الأجهزة ولا سيما ما يتعلق بالشؤون الأمنية الداخلية والخارجية ويناقشها في اجتماعاته الدورية بالرئيس ورئيس الوزراء، وقد يستعمل رئيس الدولة المعلومات الاستخباراتية التي جمعها الجيش لعزل الحكومة بتهمة الفساد.

بنازير بوتو والمؤسسة العسكرية 

سعت رئيسة الوزراء السابقة بنازير بوتو منذ دورتها الأولى في السلطة من ديسمبر ۱۹۸۸م إلى أغسطس ۱۹۹۰م لاحتواء المؤسسة العسكرية وإرضاء رموزها تحاشيًا للاصطدام بها، غير إن شهر العسل بينهما لم يدم طويلًا، إذ سرعان ما تدهورت العلاقة نتيجة لسوء إدارة الحكومة السياسية والاقتصادية، وتفاقم ظاهرة الفساد، وتنامي الصراع بين الحكومة والمعارضة على حساب تعزيز الأمن والاستقرار في الدولة، ولم يكن المسؤولون العسكريون مرتاحين أيضًا من تدخلات بوتو المتكررة في الشؤون الداخلية والتنظيمية للجيش، على اعتبار أنها من خصوصيات المؤسسة العسكرية، ومن مظاهر استقلاليتها، ونشب أول توتر بين بوتو والجيش في مايو ۱۹۸۹م عندما قامت الحكومة بتغيير مدير الاستخبارات «أي، إس، أي» لتقليص تدخل الجهاز في الشؤون الداخلية. 

غير إن علاقة بوتو بالجيش تحسنت في دورتها الحكومية الثانية من أكتوبر ۱۹۹۳م إلى نوفمبر ١٩٩٦م بعد أن استفادت رئيسة الوزراء من الدروس السابقة في عدم التدخل في شؤون الجيش الداخلية، وإشراك المؤسسة العسكرية في مناقشة وصياغة أهم القضايا الأمنية والسياسة الخارجية، غير إن تنامي ظاهرة الفساد مرة ثانية، ورواج إشاعات قوية عن تورط زوج بوتو ومقربين منها في ملفات اختلاس وسوء إدارة لم يشفع لبقاء الانسجام طويلًا بينها وبين الجيش، الذي كان مسؤولًا مع قوى أخرى عن عزلها، وبداية فترة ثانية مع رئيس الوزراء «الحالي» نواز شريف.

نواز شريف والمؤسسة العسكرية 

مستفيدًا من دروس بوتو مع الجيش، حرص نواز على تحقيق حالة من الانسجام والتعاون الكاملين مع المؤسسة العسكرية، وتجنب تجاوز الخطوط الحمراء فيما يتعلق بمصالحها، فعزز منذ بداية دورته الأولى في نوفمبر ۱۹۹۰م دور الجيش، ووطد علاقته الشخصية مع أهم المسؤولين فيه ولا سيما رئيس الأركان، وخصص موازنة جيدة للجيش.

غير أن طبيعة العلاقة بين المؤسسة العسكرية والحكومة في باكستان أبت إلا أن يسود التوتر بين شريف والجيش مرة أخرى، ولنفس الأسباب التي تتعلق بتدخل الحكومة في شؤون الجيش التنظيمية الخاصة بالتعيين والنقل والعزل، كما لم يكن الجيش راضيًا عن الأداء الحكومي في الداخل والخارج، داخليًا كانت هناك قلاقل في إقليم السند عجزت الحكومة عن تهدئتها. 

وخارجيًا كان هناك استياء من الجيش للطريقة التي تعاملت بها الحكومة مع الضغوط الأمريكية بشأن قدرة باكستان النووية، ففي أكتوبر ۱۹۹۰م، أي قبل شهرٍ من وصول نواز للحكم، صعدت واشنطن من لهجة اعتراضها على برنامج باكستان النووي، وربطت مساعدتها الاقتصادية والعسكرية بشرط وقف البرنامج، وخابت أمال الجيش من أداء شريف في محادثاته مع واشنطن، والتي تركزت على قضايا هامشية في نظر الجيش كالمخدرات، والوضعية الأمنية للأفغان العرب، بدلًا من مناقشة استئناف تزويد إسلام أباد بالأسلحة الأمريكية. 

وعندما وضعت أمريكا باكستان على قائمة الدول المراقبة عام ۱۹۹۲م، بتهمة رعايتها لإرهاب الأفغان العرب، تضايقت المؤسسة العسكرية من الصورة المشوهة التي التصقت بباكستان دوليًا واتهمت الحكومة أنها المسؤولة عن ذلك بعدم تحركها في الاتجاه المناسب لتحسين صورتها وشطبت أمريكا اسم باكستان من القائمة فيما بعد في ۱۹۹۳م، وقد لعب الرئيس الباكستاني إسحق خان دورًا حيويًا في منع العلاقة بين شريف والجيش من أن تصل لحد الانهيار. 

وفي بداية دورتها الثانية في فبراير ۱۹۹۷م، سعى نواز شريف لتعزيز قوته على حساب القوى الأخرى، بما في ذلك قوة الرئيس، حيث استفاد من وجود أغلبية لحزبه في البرلمان لإجراء تعديلات في الدستور تقلص من سلطات رئيس الدولة، حيث جرد شريف الرئيس من سلطة حل الحكومة والبرلمان وأعطى لرئيس الوزراء سلطات أوسع تتعلق بالتعيين والعزل في مناصب الدولة الحساسة، وأجرى شريف تعديلات أخرى اعتبرت ضربة للديمقراطية الباكستانية مثل تجريد أي نائبٍ ينتمي للحزب الحاكم من مقعده في البرلمان متى ما اعترض على سياسة الحكومة أو صوت ضدها، ويملك رئيس الحزب أي رئيس الوزراء، وحده الحق في عزل أي نائب دون تدخل السلطة القضائية.

وقد شعر الجيش أنه من مصلحته الوقوف بجانب رئيس الوزراء ضد رئيس الدولة الذي اضطر للاستقالة بسبب الأزمة التي نشبت بين شريف والسلطة القضائية، ولا سيما أن شريف استوعب بذكاء المؤسسة العسكرية لصفه من البداية من خلال مناقشة واستشارة رئيس الأركان والمسؤولين العسكريين بشأن تعديلات الدستور وصحيح أن شريف هو الذي خرج منتصرًا من أزمته مع الرئيس والسلطة القضائية، لكنه أيضًا برهن على حاجته الشديدة لدعم الجيش كي يحقق هذا الانتصار، وسيظل شريف بحاجة ماسة لدعم الجيش مستقبلًا لمواجهة مشاكله السياسية والاقتصادية في الداخل، والأمنية والعسكرية مع الهند في الخارج.

الرابط المختصر :