العنوان إبراهيم شكري.. عنوان الوطنية المصرية الصادقة
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر السبت 16-أغسطس-2008
مشاهدات 86
نشر في العدد 1815
نشر في الصفحة 21
السبت 16-أغسطس-2008
عن عمر يناهز الـ ١٢ عامًا وبعد حياة حافلة رحل عن دنيانا الفانية المهندس الزراعي إبراهيم شكري الباشا ابن الباشا المولود في شريين بالدقهلية عام ١٩١٦م والذي اختار أن يكون مثواه الأخير بجوار أول رفيق في درب الكفاح الشهيد محمد عبد الحكم الجراحي الطالب الذي سقط برصاص الاحتلال الإنجليزي عام ١٩٣٥م عند كوبري عباس، بالجيزة، أثناء تصدي جنود الاحتلال المظاهرات الطلاب المصريين الذين خرجوا من جامعة القاهرة، ويومها حمل الطلاب إبراهيم شكري، مضرجًا بدمائه إلى مستشفى قصر العيني، فظن الممرضون أنه مات لكن بعد قليل اكتشفوا أنه على قيد الحياة فاطلق عليه رفاقه لقب الشهيد الحي 2 في مقبرة متواضعة وبعد ٧٣ عامًا من الكفاح رقد أخيرًا المهندس إبراهيم شكري بعد حياة حافلة في الكفاح والجهاد والوقوف بجوار الفقراء: فاستحق عن جدارة لقب المجاهد الكبير.
اتسمت حياة إبراهيم شكري بالزهد والتواضع والانحياز للفقراء والوقوف ضد الفساد والظلم، حتى أنه ضحى بجزء كبير من ثروته وأراضيه الصالح الضعفاء والفقراء، وتقدم في ظل النظام الملكي بنظام للإصلاح الزراعي يقلص الملكيات الزراعية لصالح توزيعها على صغار المزارعين والمعدمين، وهو ما أخذت به ثورة يوليو، بعد قيام الجمهورية، وهذا ما جعله مقربا من رجال الثورة ارتبط إبراهيم شكري قبل الثورة بزعيم مصر الفتاة الراحل الأستاذ أحمد حسين وشارك معه في نشاطه الوطني في إطار معارضة الاحتلال والنظام الملكي والفساد الحزبي، وبينما لم يتوافق أحمد حسين مع رجال الثورة، ورفض نظام الاتحاد الاشتراكي وعاش في عزلة حتى نهاية حياته استطاع، إبراهيم شكري، أن يتواءم مع العصر الجديد، حتى وصل إلى موقع الأمين العام للاتحاد الاشتراكي التنظيم السياسي الوحيد لـ ثورة يوليو مع أن إبراهيم شكري، كان نائباً في مجلس النواب قبل الثورة، ولعله كان من القلائل الذين استطاعوا أن يمثلوا الشعب في البرلمان خلال العهدين الملكي والجمهوري بل استطاع أن يعيش سياسيًّا خلال العصور الثلاثة للجمهورية في عهد عبد الناصر، كان تانيًّا، وفي عهد السادات، كان محافظًا ووزيرًا للزراعة والري، وفي عهد مبارك، ظل رئيسًا لحزب العمل الذي أسسه في نهاية عهد السادات، ثم استطاع أن يصبح زعيما للمعارضة في أشهر فصل تشريعي في البرلمان المصري (۱۹۸۷ - ۱۹۹۰م) عندما شكل التحالف الإسلامي(٦٠ نائبًا ) كتلة المعارضة الرئيسة على قائمة حزب العمل.
هذا جانب من سيرة، إبراهيم شكري السياسية فهو ليس ثائرًا وليس تصادميًّا بل يميل إلى التوافق والمعارضة الهادئة الموضوعية، ويحاول أن يصل دائمًا إلى الحلول الوسط، لذلك عندما اكتشف السادات، حاجته إلى تأسيس حزب للمعارضة بجانب الأحزاب الثلاثة التي انبثقت عن الاتحاد الاشتراكي بقرار فوقي من السادات، وهي، مصر الأحرار التجمع، والتي تمثل الوسط واليمين واليسار، قام السادات بتأسيس حزب جديد برئاسته هو الحزب الوطني الديمقراطي الذي هرول إليه غالبية أعضاء حزب مصر العربي الاشتراكي، والذي كان يرأسه رئيس الوزراء آنذاك ممدوح سالم ولكي يحدث التوازن طلب من إبراهيم شكري أن يؤسس حزباً في مواجهته وهو ما حدث بالفعل فكان تأسيس حزب العمل الاشتراكي .
لم يطل العمر بـ السادات ليرى حصاد التجربة وفشل الحزب الجديد في الحصول على النسبة المقررة للتمثيل البرلماني عام ١٩٨٤م فتم تعيين إبراهيم شكري، وعدد من قيادات الحزب في البرلمان، وكان يفصل بينه وبين الـ ١٨ أقل وطنية المصرية الصادقة
من 1% ونجح حزب الوفد، الذي شكل كابوسًا للنظام في عهد السادات ثم في عهد مبارك بتحالفه مع الإخوان المسلمين في اجتياز النسبة ليشكل المعارضة الوحيدة في هذا المجلس حاول إبراهيم شكري، يرحمه الله تشكيل تحالف عريض من كافة الأحزاب الرئيسة والإخوان المسلمين بزعامة حزب الوفد الخوض الانتخابات البرلمانية عام ۱۹۸۷م، وجاء الرفض من حزب الوفد، وهنا كان تشكيل التحالف الإسلامي، بين حزب العمل، والإخوان المسلمين وحزب الأحرار خاص التحالف الإسلامي الانتخابات وحصل على ٦٠ مقعدًا، وتزعم إبراهيم شكري المعارضة وشكل مع المستشار محمد المأمون الهضيبي يرحمه الله ثنائيًّا رائعًا متفاهمًا القيادة هذا التشكيل الواسع من الأعضاء، وكانت تجربة ثرية جدًا، وكان هذا أقوى البرلمانات خلال عهد مبارك وقد شرفت بالعمل معهما وكانا يمثلان القيادة الحكيمة لفريق عمل برلماني ممتاز ولكن هذه قصة تحتاج إلى حديث طويل.
كان لتشكيل التحالف الإسلامي، أثر كبير داخل حزب العمل الاشتراكي فقد تبلور داخله تيار إسلامي بزعامة الأستاذ عادل حسين يرحمه الله وحدت تحول في إستراتيجية الحزب وتشكيلاته، وبدأت مرحلة جديدة في حياة الحزب الذي شكل معارضة قوية للنظام وبدأ في دفع فاتورة المعارضة الجذرية بزرع الانشقاقات داخله وحصاره حتى دخل ثلاجة التجميد منذ عام ٢٠٠١م، وحتى الآن كما تم إيقاف صحيفته الشعب ظل التحالف قائمًا بين الحزب والإخوان ككيانين مستقلين، ولم ينضم أفراد الإخوان إلى الحزب تنظيميًّاً على عكس ما حدث مثلًا في المغرب عندما قدم السياسي القدير عبد الكريم الخطيب يرحمه الله رخصة حزيه للشباب الإسلامي، فكان تأسيس حزب العدالة والتنمية، والسبب الرئيس في ذلك يرجع إلى عوامل ثلاثة أولها طبيعة النظام المصري، وعدم قبوله بالتعددية السياسية، ولا الحياة الديمقراطية وأنه سيسحب رخصة الحزب فورًا، أو يجمد نشاطه فعلًا، وهو ما حال دون انضمام الإخوان بالفعل والعامل الثاني شمول حركة الإخوان، وعدم إمكانية اختزالها في حزب سياسي والعامل الثالث أخلاقي، يكمن في طبيعة التحالف الذي أسسه الإخوان مع حزب قائم بالفعل وليس مع مجرد رخصة لكيان فارغ فهناك حزب بالفعل تحول فكرياً، وعاد إلى أصوله الإسلامية، وفيه تيارات فكرية متنوعة شهد جنازة إبراهيم شكري حشد هائل من الإخوان المسلمين وعلى رأسهم المرشد العام ونائبه، ونواب الإخوان في البرلمان، ووقف على قبره تلاميذه، ومحبوه من أعضاء حزب العمل يتقدمهم نائب رئيس الحزب المستشار محفوظ عزام والأمين العام مجدي أحمد حسين آخر رئيس التحرير جريدة الشعب المغلقة منذ ثماني سنوات ووسط الدعوات الحارة بالرحمة والمغفرة كان السؤال الحائر عن مستقبل حزب العمل بعد رحيل المهندس إبراهيم شكري هل يمكن النظام يعيش لحظاته الأخيرة أن يعيد الحياة السياسية السابق عهدها؟ أم سينتظر الحزب بداية عهد جديد أو مرحلة جديدة ليستأنف نشاطه؟ الحقيقة الثابتة هي أن حزب العمل سيظل رقمًا في الحياة السياسية المصرية كما كان إبراهيم شكري عنوانًا للوطنية المصرية الصادقة، ولا يمكن لأي حاكم أن يشطبه من الحياة السياسية لقد دفع الحزب ثمن تحالفه السياسي مع الإخوان، وثمن معارضته القوية طوال عشر سنوات بعد تحوله الفكري، وثمن ارتفاع صوت جريدته الشعب في وقت كانت هي الأعلى صوتًا قبل ظهور الجرائد المستقلة غير الحزبية.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل