العنوان «الإله الآخر».. الذي سقط!
الكاتب أحمد محمد الأمين
تاريخ النشر الثلاثاء 06-يناير-1998
مشاهدات 64
نشر في العدد 1283
نشر في الصفحة 44
الثلاثاء 06-يناير-1998
إبان الحكم الشيوعي للاتحاد السوفييتي ودول شرق أوروبا وعدد من دول العالم في قاراته المختلفة طرحت الشيوعية نفسها كبديل للنظام الرأسمالي البرجوازي قادر على إسعاد الشعوب اقتصاديًا واجتماعيًا إلى درجة أنهم ردوا على الذين يعتقدون بالجنة في الآخرة بأن الشيوعية تعمل على أن تجعل الجنة في الدنيا لما ستتمتع به الشعوب من سعادة ورفاهية ورغد في العيش.
وصارت «المنظومة الاشتراكية» عقدًا لامعًا جذابًا تتطلع إليه بعض النفوس الحائرة بإعجاب وانبهار، وقد أوصل المد الاشتراكي أحزابًا اشتراكية إلى الحكم في الغرب كالسويد وإيطاليا وفرنسا وألمانيا وإسبانيا وبريطانيا واليونان، بل إن الأحزاب الشيوعية وصلت إلى الحكم في تحالفات مع العناصر الاشتراكية كما حدث في إيطاليا وفرنسا وفي آسيا في كيرالا والبنغال من ولايات الهند وطال الحكم الشيوعي أمريكا اللاتينية في كوبا، وإفريقيا في إثيوبيا.
نتج عن هذا الانشطار الثنائي الدولي ما عرف بالحرب الباردة بين الشيوعية والرأسمالية وكان الهجوم الغربي الرأسمالي على النظم الشيوعية يعتمد في الأساس على تدهور الحالة الاقتصادية والتأخر التنموي في البلاد الشيوعية وحالة شعوبها البائسة مقارنة بـ«الواجهات الزجاجية» التي أقامها الغرب في مناطق مثل اليابان وكوريا الجنوبية في آسيا وبرلين الغربية في ألمانيا المقسمة للمقارنة بشظف العيش في جاراتها الشيوعية وأطلق الغرب على الشيوعية إسم «الإله الذي سقط The God That Failed وصدرت عدة كتب تحت هذا العنوان تبين وترصد فشل النظام الشيوعي.
وكانت المجر وتشيكوسلوفاكيا أول دولتين شيوعيتين تمردتا على الحكم الشيوعي فيهما، كما أن تيتو زعيم يوغسلافيا مع احتفاظه بالنهج الشيوعي قطع صلاته الحزبية مع الزعامة الشيوعية في موسكو ونشر لنائب الرئيس تيتو «دجيلاس» كتاب ينتقد الشيوعية بعنوان «الطبقة الأخرى» وكتاب بعنوان «محادثات مع ستالين».
وفي بولندا التفت المعارضة حول حركة تضامن العمالية بقيادة ليس فاونسا وبدعم من الغرب والكنيسة والتي لها نفوذ قوي في بولندا، بهذا الدعم استطاعت حركة تضامن الوصول إلى الحكم في وارسو، كما تبني الغرب المطالبة بحق دول البلطيق الثلاث في الانفصال عن الاتحاد السوفييتي.
كل هذه المؤشرات كانت إرهاصات لما حدث فيما بعد في عام 1990م عندما تصدع الصنم الشيوعي متمثلًا في انهيار الاتحاد السوفييتي كهزة أرضية امتدت إلى دول شرق أوروبا بأكملها فيما يشبه أو ما كان بمثابة حرب عالمية ثالثة انتصر فيها المعسكر الرأسمالي على المعسكر الشيوعي إذ انفرط عقد المنظومة الاشتراكية وتساقطت حباته في أحضان النظام الرأسمالي الغربي والذي سارع يمني شعوب تلك المنطقة بالمساعدة اللازمة لانتشالهم مما كانوا عليه.
تسابقت تلك الدول نحو المعسكر الآخر ودخلوا حلفه العسكري «الناتو» واتخذوا نظامه الاقتصادي نظامًا لهم وأخذوا بالتعددية الحزبية.
غير أن مساعدة الغرب كانت كلامية وإعلامية وكانت على طريقة العصا والجزرة فلم يحدث أي تغيير في الوضع المعاش والذي كان يتطلب حسمًا ملموسًا للقضايا المطروحة على الساحة خارج أدبيات السياسة، فانتشرت البطالة وزادت الأسعار، وعمت الفوضى والتدهور المعيشي، وتساقطت الشركات الخاصة التي نبتت فجأة، مما أفقد الناس الثقة في التوجه الاقتصادي الجديد.
إذن سقط «الإله الآخر» أيضًا، إله الرأسمالية وبسرعة أكثر من سقوط الصنم القديم فراودت الفرد العادي العودة إلى النظام الشيوعي بمنطق «جنًا تعرفه ولا جنًا لا تعرفه» في هذا الجو وفي هذا الوضع عادت الروح إلى الأحزاب الشيوعية والتي غيرت تكتيكها لمواكبة الموقف الجديد وسعت للعودة للحكم بقواعد اللعبة الجديدة وأسلحتها، الانتخابات التعددية.
استطاعت الأحزاب الشيوعية العودة إلى السلطة في أستونيا من دول البلطيق الثلاث والتي ظن الغرب أنه كسبها واحتواها إلى الأبد وكان قد دفع أموالًا طائلة لروسيا مقابل سحب قواتها العسكرية من المنطقة، كما عادت الأحزاب الشيوعية إلى السلطة في المجر التي كان الاتحاد السوفييتي قد أخضعها له عسكريًا في عام 1956م عندما حاولت الانفلات من النظام الشيوعي، وكذلك بلغاريا وبولندا التي كان قد تغنى بها الغرب مشيدًا بحركة تضامن التي انتزعت الحكم من الحزب الشيوعي، وكانت الطامة فوز الحزب الشيوعي في روسيا ذاتها بأغلبية المقاعد في الانتخابات البرلمانية الأخيرة، وفي انتخابات رئاسة الجمهورية التي أعقبت ذلك فاز يلتسين بشق الأنفس وهو عرَّاف النظام الجديد، وقد زاد الأمر تعقيدًا أن ثاني أكبر حزب نال أصواتًا في الانتخابات كان الحزب القومي اليميني، مما يدل على أن التوجه المعادي للغرب بصورة أو بأخرى ما زال هو السائد في الشارع الروسي.
وهكذا فشل «الإله الآخر» الرأسمالي في تلك الدول ولكن الشعوب المنكوبة عادت إلى الشيوعية ظنًا منها أن تجد فيها خلاصها، وهيهات.. أما في الجمهوريات الإسلامية في الاتحاد السوفييتي السابق وفي وسط أوروبا والتي استردت استقلالها بانهيار الشيوعية فقد كانت الصحوة الإسلامية هي التيار المهيمن على المسار السياسي والاجتماعي بين تلك الشعوب، ففي طاجيكستان اكتسح الإسلاميون أول انتخابات أجريت في البلاد بعد تفكك الاتحاد السوفييتي، الشيء الذي كان صعبًا على النظام الدولي الجديد أن يتجرعه، فكانت طاجيكستان أول إنذار للغرب بأن الصنم الذي نصبه لن يجد عبادًا بين المسلمين وكانت طاجيكستان قد استهدفت من قبل الزعامة الغربية بوضوح لكثرة ما زارها من وزراء خارجية الدول الغربية وتحريض موسكو لإجهاض الحكم الإسلامي الوليد، فكان التدخل الروسي المباشر بترسانته الحربية للإطاحة بالحكومة الإسلامية وتنصيب العناصر الشيوعية السابقة التي لبست ثوبًا جديدًا.
وفي القوقاز ما إن أعلن الشيشان عن استقلال جمهوريتهم عن روسيا الاتحادية «وهو شيء يسمح به النظام الجديد لكنه لا يشمل الجمهوريات الإسلامية- حتى كان التدخل الروسي بكل قوة لتدمير الجمهورية الوليدة في حرب غير متكافئة.
وفي أوروبا بدأت ألبانيا تسترد هويتها الإسلامية بعد التخلص من النظام الشيوعي القاسي الذي حاول طمس هويتها ومحاربة الإسلام، فارتاع الغرب وخاصة اليونان وكذلك صربيا المجاورة؛ حيث يعيش في إقليم كوسوفو أغلبية ألبانية مسلمة.
فكان تآمر اليونان وصريبا لإسقاط الحكومة في ألبانيا بتسليح العناصر المضادة خاصة اليونانية إلى أن تدخل الغرب بقيادة إيطاليا وضمنوا تسليم الحكم للفصائل المعارضة من الشيوعيين القدامى بعد أن هيأوا الطريق.
وتضافرت كل الجهود والقوى المعادية للإسلام لمنع قيام دولة إسلامية في البوسنة في عملية إبادة جماعية للمسلمين وتخريب للمؤسسات واغتصاب الأراضي.
لقد سقط الإله الآخر.. إله الديمقراطية الغربية كما سقط من قبل الصنم الشيوعي الذي ساد الفكر البشري مدى 75 عامًا، لأن فاقد الشيء لا يعطيه، والشعوب الضعيفة هي التي تدفع الثمن يومًا بعد يوم وهي تحاول مقاومة تركيعها أمام الصنم الجديد رغمًا عنها.
[1] سفير سوداني متقاعد.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل