; «اليقظة والمتيقظون» | مجلة المجتمع

العنوان «اليقظة والمتيقظون»

الكاتب د.عبدالحميد البلالي

تاريخ النشر الثلاثاء 26-أغسطس-1986

مشاهدات 57

نشر في العدد 780

نشر في الصفحة 39

الثلاثاء 26-أغسطس-1986

يقول تعالى: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مِّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ ۗ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَٰذَا إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ ۖ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ﴾([1])، فالحساب يقترب يومًا بعد يوم، وكلما ذهب يومك ذهب بعضك كما قال الحسن البصري، فالناس في غفلة عجيبة عن الهدف الذي خلقوا من أجله، وعن الإدراك العملي لمعاني أسماء الله وصفاته، فكلنا يعلم أن من أسمائه تعالى «الرزاق»، ولكن كثيرًا منا يخاف إن هدده بشر بقطع الرزق، وكلنا يعلم أن من أسمائه «الضار والنافع»، وكثير منا يخاف ويرجو غير الله، والناس في غفلة،  والناس في غفلة عن اليوم الذي سيرحلون فيه من هذه الدنيا، وفي غفلة عما سيلاقونه في القبر، وفي غفلة عن أهوال يوم القيامة، وفي غفلة عن أمور كثيرة قد غطى حب الدنيا معرفتها وإدراكها.

العمر موسم:

والعمر كأنه موسم من مواسم التجارة، تعرض فيه السلع الكثيرة المتنوعة، فيها الرديء، وفيها النفيس، والعاقل من يحرص على شراء النفيس وإن كان غاليًا؛ لأنه أدعى للبقاء من الرديء وإن رفض ثمنه، لهذا يقول الإمام ابن الجوزي: «ينبغي لمن عرف شرف الوجود أن يحصل أفضل الموجود، هذا العمر موسم، والتجارات تختلف، والعامة تقول: عليكم بما خف حمله وكثر ثمنه، فينبغي للمستيقظ ألا يطلب إلا الأنفس، وأنفس الأشياء في الدنيا معرفة الحق عز وجل»([2]).

واليقظة هي علامة من علامات حب الله للعبد وإرادة الخير به؛ لذلك كان التابعي الجليل محمد بن سيرين يقول: «إذا أراد الله- عز وجل- بعبد خيرًا جعل له واعظًا من قلبه يأمره وينهاه»(([3]، فكلما حاد وغفل عن إدراك ما خلق من أجله ذكره ذلك الواعظ الذي في قلبه فرجع إلى الجادة، فتجده في يقظة دائمة.

اليقظة الدائمة:

ويصف الإمام ابن الجوزي صاحب هذه اليقظة بقوله: «همة المؤمن متعلقة بالآخرة، فكل ما في الدنيا يحركه إلى ذكر الآخرة، وكل من شغله شيء فهمته شغله، ألا ترى أنه لو دخل أرباب الصنائع إلى دار معمورة، رأيت البزاز ينظر إلى الفرش ويحزر قيمته، والنجار إلى السقف، والبناء إلى الحيطان، والحائك إلى نسج الثياب، والمؤمن إذا رأى ظلمة ذكر ظلمة القبر، وإن رأى مؤلمًا ذكر العقاب، وإن سمع صوتًا فظيعًا ذكر نفخة الصور، وإن رأى الناس نيامًا ذكر الموتى في القبور، وإن رأى لذة ذكر الجنة، فهمته متعلقة بما ثم، وذلك يشغله على كل ما تم»([4])، فهو في يقظة دائمة، يربط كل ما يراه على الأرض بالآخرة، وهو يأبى أن يغفل لحظة عما خلقه الله من أجله، وبهذا فهو في عبادة دائمة، ومع ذلك فالمتيقظون ليسوا على مستوى واحد، بل هم ينقسمون إلى أقسام:

أقسام المتيقظين:

يذكر ابن الجوزي تلك الأقسام، فيقول: «فمنهم من يغلبه هواه، ويقتضيه طبعه ما يشتهي، مما قد أعاده، فيعود القهقرى ولا ينفعه ما حصل له من الانتباه، فانتباه مثل هذا زيادة في الحجة عليه، ومنهم من هو واقف في مقام المجاهدة بين صفين، العقل الآمر بالتقوى والهوى المتقاضي بالشهوات، فمنهم من يغلب بعد المجاهدات الطويلة؛ فيعود إلى الشر، ويختم له به، ومنهم من يغلب تارة، ويغلب أخرى، فجراحاته لا في مقتل.

ومنهم من يقهره عدوه؛ فيسجنه في حبس، فلا يبقى للعدو من الحيلة إلا الوسواس، ومن الصفوة أقوام مذ تيقظوا ما ناموا، ومذ سلكوا ما وقفوا، فهمهم صعود وترق، كلما عبروا مقامًا إلى مقام رأوا نقص ما كانوا فيه فاستغفروا»([5]).

هؤلاء هم الصفوة الذين تعلقت نفوسهم العالية بالغاية العالية؛ فترفعت عن كل ما التصق بالطين، هؤلاء هم الذين ذهلوا حتى عن النوم الذي يحتاجه كل إنسان، فها نحن نسمع تلميذ ابن عباس التابعي طاوس يقول: «طير ذكر جهنم نوم العابدين»([6]).


 

([1]) الأنبياء «1-3».

([2]) صيد الخاطر 259.

([3]) صفة الصفوة 3/243.

([4]) صيد الخاطر 342.

([5]) صيد الخاطر 306 – 307.

([6]) صفة الصفوة 2/289.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 30

125

الثلاثاء 06-أكتوبر-1970

لعقلك وقلبك (30)

نشر في العدد 212

227

الثلاثاء 06-أغسطس-1974

الحكم وسيلة.. لا غاية

نشر في العدد 840

90

الثلاثاء 27-أكتوبر-1987

نماذج من أصحاب هَمِّ الآخرة