; نماذج من أصحاب هَمِّ الآخرة | مجلة المجتمع

العنوان نماذج من أصحاب هَمِّ الآخرة

الكاتب د.عبدالحميد البلالي

تاريخ النشر الثلاثاء 27-أكتوبر-1987

مشاهدات 90

نشر في العدد 840

نشر في الصفحة 49

الثلاثاء 27-أكتوبر-1987

نماذج من الصحابة:

والصحابة رضي الله عنهم جيل فريد لم يظهر بمستوياتهم بمثل هذا العدد جيل من الأجيال التي تَلَتْ عصرهم، جيل تعلقوا بالآخرة حتى كأنهم يعيشون فيها، حتى استولى هَمُّ الآخرة عليهم، حتى جاء أحدهم يستأذن من الرسول صلى الله عليه وسلم بِخَصْيِ نفسه، ليتفرغ للعبادة فنهاهُ الرسول صلى الله عليه وسلم لمخالفة ذلك لهديه، ولما يريده الإسلام من الإنسان، حتى أن الواعظ كان إذا قام فيهم بعد الصلوات، قام يرغبهم في الدنيا، لذهولهم عنها، فما أن يسمعوا الرسول صلى الله عليه وسلم يحدثهم عن الجنة ونعيمها إلا واشتاق أحدهم أن يستشهد الساعة، لملاقاة النعيم.

عمير بن الحُمام: 

 يسمع الرسول صلى الله عليه وسلم في معركة بدر يرغِّبهم في الجنة، فيرمي تمرات كانت بيديه ويقول: «بَخٍ بَخ ما بيني وبين أن أدخل الجنة إلا أن يقتلني هؤلاء»([1]) وقاتل حتى قُتل.

 أنس بن النضير:

يتعلق بالآخرة حتى تغلب رائحة الجنة عليه وكأنه يشمها فيقول لسعد بن معاذ وهو

يلاقيه في أحد «أي سعد هذه الجنة وربِّ أنس أجد ريحها دون أحد»([2])

جعفر بن أبي طالب:

 ويروي شاهد عِيان وهو أحد بني مرة بن عوف «وكان في تلك الغزوة غزوة مؤتة قال: والله لكأني انظر إلى جعفر حين اقتحم عن فرس له شقراء ثم عقرها، ثم قاتل القوم حتى قُتل، وهو يقول:

يا حبذا الجنة واقترابها        ***طيبة وباردٌ شرابها 

والروم روم قد دنا عذابها  ***  كافرة بعيدة أنسابها»(2)

عبد الله بن مسعود:

وكان ابن مسعود رضي الله عنه، كبقية الصحابة رضي الله عنهم يربط ما يراه في الدنيا بالآخرة فمما يرويه عنه أنه «مرَّ على هؤلاء الذين ينفخون في الكير فوقع»([3]) «ومر على الحدادين فبصر بحديدة قد أحميت فبكي»([4])

حممة بن أبي حممة:

 ومما جاء في ترجمة هذا الصحابي الجليل أنه بات ليلة عند التابعي هرم بن حيان العبدي «فرآه يبكي الليل أجمع، فقال له هرم: ما يبكيك؟ قال: ذكرت ليلة صبيحتها تبعثر القبور، ثم بات عنده ليلة ثانية فبات يبكي فسأله فقال: ذكرت ليلة صبيحتها تتناثر النجوم»([5]) ومن صور تعلقه بالآخرة أنه عندما غزا أصبهان في زمن عمر رضي الله عنه قال «اللهم إن حممة يزعم أنه يحب لقاءك، اللهم إن كان صادقًا فاعزم له بصدقه، وإن كان كاذبًا فاحمله عليه وإن كره، اللهم لا ترجع حممة من سفره هذا، فمات بأصبهان»([6])...

ومما يرويه مطر الوراق عنه وعن صاحبه التابعي هرم بن حيان أنهما «كانا يصطحبان أحيانًا بالنهار فيأتيان سوق الريحان فيسألان الله الجنة ويدعوان، ثم يأتيان الحدادين فيعوذان من النار ثم يتفرقان إلى منازلهما»([7]) هذه بعض نماذج ذلك الجيل الفريد الذي يرتجف القلم، وهو يكتب عنهم إجلالًا لهم، ويأتي جيل التابعين وتابعيهم ليواصلوا إعطاء الأمة نماذج أخرى من أصحاب هم الآخرة.

نماذج من التابعين: 

الحسن البصري:

ويأتي الحسن البصري تلميذ الصحابة رضي الله عنهم، والذي حياته كلها تعلق بالآخرة، ومما يرويه عنه صالح بن حسان قال «أمسي الحسن صائمًا فجئناه بطعام عند إفطاره، قال: فلما قرب إليه قال: عرضت له هذه الآية ﴿إِنَّ لَدَيْنَا أَنكَالًا وَجَحِيمًا وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا﴾ (المزمل: 12-13) قال: فقلصت يده عنه فقال: ارفعوه فرفعناه قال: فأصبح صائمًا فلما أراد أن يفطر ذكر الآية ففعل ذلك أيضًا فلما كان اليوم الثالث انطلق ابنه إلى ثابت البناني، ويحيى البَكَّاء، وأناس من أصحاب الحسن فقال: أدركوا أبي فإنه لم يذق طعامًا منذ ثلاثة أيام كلما قربنا إليه ذكر هذه الآية ﴿إِنَّ لَدَيْنَا أَنكَالًا وَجَحِيمًا﴾ فقرأها فقال: فأتوه فلم يزالوا به حتى أَسْقَوْهُ شربة من سويق»([8]).. إنه لا يتعمد ترك الطعام تزهُّدًا، وإنما غلبه همُّ الآخرة، وتذكر أهوالها تجعله لا يشتهي الأكل، وتأباه نفسه.

منصور بن زاذان:

يصفه الإمام ابن حجر بالثقة الثبت العابد «فمن شيخ من أهل واسط يُكَنَّى أبو سعيد، وكان جارًا لمنصور بن زاذان قال: رأيت منصورًا توضأ يومًا فلما فرغ دمعت عيناه ثم جعل يبكي حتى ارتفع صوته، قلت رحمك الله ما شأنك؟ فقال: وإي شيء أعظم من شأني؟ أني أريد أن أقوم بين يدي من لا تأخذه سِنَةٌ ولا نوم فلعله أن يعرض عنِّي! قال: فأبكاني والله بقوله»([9])

رابعة الشامية:

منها وهي غير رابعة العدوية العابدة المشهورة، وأصغر منها، وهي زوجة العابد الزاهد أحمد بن أبي الحواري، والذي كان يقول فيه يحيى بن مَعِين «أظن أن أهل الشام يسقيهم الله الغيث به»([10])

تقول هذه العابدة المتعلقة بالآخرة «ما سمعت الأذان إلا ذكرت منادي القيامة، ولا رأيت الثلج إلا رأيت تطاير الصحف ولا رأيت جرادًا إلا ذكرت الحشر»([11])

هكذا يتواصل جيل الصحابة رضي الله مع جيل التابعين وتابعيهم لتكون سلسلة لا تنقطع تغذِّي كل عصر بنماذج أصحاب هَمِّ الآخرة، حتى تظل الآخرة شُعلة متَّقدة في قلوب المؤمنين.

[1] أسد الغابة 4/143- ط/ دار إحياء التراث.

[2] أسد الغابة 1/132 ط- إحياء التراث-  البداية والنهاية 4/244

[3]  الزهد لأحمد 160

[4] الزهد لأحمد 163

[5] أسد الغابة 2/53

[6] أسد الغابة 2/53

[7] صفة الصفرة 3/215 

[8] الزهد لأحمد ٢٨٤  

[9] صفه الصفوة 3/ 12

[10] صفه الصفوة 4/ 237

[11] صفه الصفوة 4/ 302

الرابط المختصر :