; النفوذ اليهودي في شرق أوربا | مجلة المجتمع

العنوان النفوذ اليهودي في شرق أوربا

الكاتب د. محمد البقري

تاريخ النشر الثلاثاء 21-مايو-1996

مشاهدات 89

نشر في العدد 1200

نشر في الصفحة 33

الثلاثاء 21-مايو-1996

* في العاصمة الهنغارية بودابست وحدها يوجد 15 مدرسة يهودية و14 مؤسسة ودار نشر للصحف والمجلات.

* هنجاريا وبلغاريا يشكلان مركز النفوذ اليهودي في أوربا الشرقية عبر القرون.

على الرغم من غياب «اللوبي اليهودي» في منطقة شرق أوربا «بمفهومه السياسي والاقتصادي المتعارف عليه في الولايات المتحدة الأمريكية أو في دول غرب أوربا» إلا أن اليهود يتواجدون في هذه المنطقة من العالم، وتأخذ حركتهم ونشاطهم أسلوبًا آخر، غير أنه في نهاية المطاف يصب في خدمة مصالحهم وتحقيق أهدافهم المتماشية مع مصلحة دولتهم التي ينتمون إليها «إسرائيل» بغض النظر عن مسقط رأسهم أو مواقع انتشارهم.. وفي منطقة شرق أوربا تمثل كل من بلغاريا وهنغاريا محورين أساسيين لحركة ونشاط وانتشار اليهود في تلك المنطقة، ولذا أرى ضرورة الوقوف عند هاتين المحطتين لإلقاء الضوء التاريخي وآثاره على الدول المحيطة بهما:

اليهود في بلغاريا:

ففي بلغاريا.. يتواجد اليهود منذ القدم.. وربما منذ القرن الثاني قبل الميلاد حيث إنه يوجد من الوثائق والتماثيل التاريخية التي تشير إلى تواجدهم في هذا القرن، على سبيل المثال تمثال اليهودي «أرخيس سناجوجوس» من مدينة تيكوبل الواقعة على نهر الدانوب.. لكن اليهود بدءوا دورهم الفعال في هذه المنطِّقة إبان حكم الإمبراطورية الرومانية.. فقد قام الرومان بتوزيع ونشر اليهود على طول نهر الدانوب بهدف حماية الإمبراطورية من الحملات المضادة لها في هذا الوقت، والتي كانت تشن من الشمال الشرقي للإمبراطورية عبر النهر حيث إن دفاع اليهود عن مواقعهم سيؤمن في نفس الوقت حماية الإمبراطورية.

وقد استغل اليهود تواجدهم على النهر لينشطوا في حركتهم التجارية، وباتوا شبه محتكرين لأغلب السلع والبضائع والمواد الحيوية التي يتم توزيعها على سائر الأراضي البلغارية، وفي أواخر حكم الإمبراطورية الرومانية وبدايات حكم الإمبراطورية البيزنطية «وكانت بلغاريا في المرحلتين ضمن أراضي ونفوذ الإمبراطوريتين» انضم إلى يهود بلغاريا أعداد من اليهود التجار القادمين من هنغاريا وكرواتيا، أتوا من الشرق والغرب والجنوب تحت اسم «روما تيوتي» أي يهود الإمبراطورية الرومانية، وقد عمل تواجدهم على زيادة ودعم السيطرة اليهودية على السوق التجاري وعلى الحياة الاجتماعية في بلغاريا بعد إنشائها كدولة رسمية عام 681م، فحينما أرسل الأمير بوريس الأول أمير بلغاريا بعدد من الأسئلة إلى بابا روما يستفسر منه عن طبيعة الخطوات الواجب اتخاذها لإعداد الشعب البلغاري لقبول الديانة المسيحية تناولت الأسئلة في جزء كبير منها عدة قضايا عن الديانة اليهودية والعادات والتقاليد الهودية مثل ما إذا كان يمكن الحفاظ على الاحتفال بيوم السبت مع تحريم أكل لحم الخنزير.. وهذا في حد ذاته يعكس حقيقة التأثير اليهودي آنذاك على الحياة الاجتماعية ووصول تأثيرهم إلى قمة السلطة.

وفي القرن الرابع عشر بدأت المرحلة الثانية التي بدأ اليهود من خلالها في بسط نفوذهم  وتأثيرهم السياسي.. وذلك حينما طلَّق الملك البلغاري في هذا الوقت «إيفان ألكسندر» زوجته الأولى التي كان قد أنجب منها ابنه الأكبر «سراتسمير» ولي العهد.. وتزوج من اليهودية «سارة» التي كان لها اسم مسيحي آخر «تيودورا» لتكسب بذلك عطف الأسر المسيحية، وأنجب منها ابنًا آخر اسمه «شيشمان».. وعلى الرغم من أن التقاليد تمنح الأحقية لابنه الأكبر في تولي مقاليد الحكم.. إلا أن سارة قد أصرت على أن يتولى ابنها منصب الملك.. ولحب زوجها الشديد لها قرر أن يقسم بلغاريا إلى مملكتين، تولى الجزء الأصغر منها «مملكة فيدن» ابنه الأكبر «إيفان سراتسمير» وتولي الجزء الأكبر «مملكة ترنوف» ابنه ايفان ششمان وطبقًا للقاعدة اليهودية التي تنسب الابن لأمه في الديانة فإن ششمان اليهودي يعد أول ملك بلغاري يستمر في الحكم حتى سقوط المملكة البلغارية تحت الاحتلال التركي الذي استمر خمسمائة عام.. وقد نشط اليهود بعدما أعطت لهم المملكة الصلاحيات الواسعة للسيطرة على المجالات الثقافية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية.

وفي هذه المرحلة أصبح لليهود على الأراضي البلغارية صفة متميزة.. فقد بدأوا في تدعيم علاقاتهم وواصلوا تعاونهم مع اليهود في سائر شبه جزيرة البلقان إبان فترة الإمبراطورية العثمانية وحتى بعد تحرير بلغاريا من الاحتلال التركي، فكثير من المجلات والصحف اليهودية كانت تصدر في بلغاريا وبلجراد بوخارست وسولون ولكن بعد 9 سبتمبر 1944م وبعد تطبيق النظام الشيوعي في بلغاريا هدأت العلاقات بين المجتمعات اليهودية في هذه المنطقة ولكنها لم تنقطع، غير أن الاتصال بين يهود بلغاريا ويهود يوغوسلافيا ظل متواصلًا في صور أكثر فاعلية نظرًا للحدود المشتركة فيما بينهم.

يهود بلغاريا بين الحربين

إن الملك بوريس الثالث وفي محاولة منه لإعادة الأراضي البلغارية التي فقدت أثناء الحرب العالمية الأولى وذلك للوصول إلى تحقيق هدفه «إنشاء بلغاريا العظمى» قرر التعاون مع ألمانيا الهتلرية وأعلن عن استعداده التضحية باليهود البلغار.. ولذلك فقد بعث برسالة عام 1932م إلى ألمانيا للتعرف على القوانين الواجب إصدارها للحد من الحركة اليهودية، وتقدم للبرلمان البلغاري في سبتمبر 1940م بمشروع قانون سمي وقتها قانون الدفاع عن الهوية البلغارية تم من خلاله تقليص والحد من حقوق اليهود البلغار بما في ذلك الوقت واستخدموا تأثيراتهم السياسية والاجتماعية وعارض العديد من النواب هذا القانون ومعه اثنى عشر قانونًا آخر.. إلا أن التأثير الفعلي لهم ولنشاطهم قد ظهر بشكل حاد عندما وقعت اتفاقية عام 1943م بين لجنة القضايا اليهودية المشكَّلة من الملك البلغاري لوريس الثالث وبين السلطات الألمانية على نقل ألف يهودي إلى معسكرات الإعدام من الأراضي المحتلة، وهذا يعني من أراضي «مقدونيا- تركيا- اليونان- يوغوسلافيا- الحدود الغربية في يوغوسلافيا» ولكن عند تنفيذ هذا القرار اتضح أن هذه الأراضي يوجد بها 1150 يهودي، ولذا فقد اتخذ قرار بأن يتم إكمال العدد إلى (8500) يهودي في بلغاريا.. وهنا تدخل العامل اليهودي المؤثر على الأرض البلغارية.. ودفعت الأموال وراحوا يحركون عناصرهم التي عملوا على دعمها ماليًّا واجتماعيًّا طوال الأعوام الماضية ليبدأ الاحتجاج على هذا القرار من البرلمان، وبتقديم السياسيين الاحتجاجات إلى وزير الداخلية حتى أن «إيليا دينوف» رئيس المدرسة الدينية التي يطلق عليها «الإخوة البيض» والذي كان قريبًا في حاشية الملك قد وقف للدفاع عن اليهود وراح من خلال تأثيره على البيت الملكي إلى دفع وإقناع المستشار الخاص للملك إلى إصدار قرار بتمزيق الاتفاق الخاص بإرسال اليهود البلغار إلى معسكرات الإعدام.

وعوضًا عن ذلك تم ترحيل اليهود إلى المدن والقرى الصغيرة ليتمكنوا من الاختفاء والاختباء حتى تمر الحملة الهتلرية.. ولذا كانت بلغاريا تمثل علامة مميزة في تاريخ اليهود بمنطقة شرق أوربا.. حيث منها عاد الانطلاق مجددًا والانتشار اليهودي في أرجائها.. وليس مصادفة أن يكون يوم 24 مايو من كل عام عيدًا للثقافة في بلغاريا.. ففي هذا اليوم في عام 1943م نجح اليهود البلغار في حشد القوى السياسية لصالحهم وللتعاون معهم في تمزيق الاتفاقية التي سبق الإشارة إليها.

وبعد 9 سبتمبر 1944م وبعد دخول الجيش السوفييتي إلى بلغاريا لتحريرها عاد اليهود إلى مدنهم ومواقعهم الأصلية، وكانت علاقات السلطة معهم علاقات جيدة وأخذوا ينتشرون بشكل فعال في أجهزة الدولة لأخذ مواقع هامة في أجهزة الشرطة والأمن والمواقع القيادية في المجالات الاقتصادية والسياسية، وكان يمثلهم في الحكومة وزير المواصلات والبريد «رومن ليفي» الذي استمر في هذا الموقع من عام 1944م وحتى 950م.

ولكن بعد هذه المرحلة وبتأثير من الاتحاد السوفييتي نتيجة الأحداث التي وقعت في بولندا وتشيكوسلوفاكيا أخذت العلاقات مع اليهود في الفتور والبرود، فبعدما كانت اللجنة المركزية للحزب الشيوعي في الاتحاد السوفييتي إبان فترة لينين وستالين تجمع بين صفوفها 90% من أعضائها من اليهود جاء خرتشوف ليقيم علاقات أخرى معهم ويقلص تواجدهم في القيادات الحزبية.. وانعكس ذلك على بلغاريا وبدأ استبعادهم وبشكل تدريجي من أجهزة الشرطة والأمن والقوات المسلحة، وخلال عام 1968م تم إبعادهم من المواقع والمناصب الثقافية العليا ولكن لم تهدأ حركتهم.. واتبعوا أسلوب الهبوط تحت الأرض حتى تمر رياح خرتشوف.. وبعد تولي برجنيف مقاليد السلطة في الاتحاد السوفييتي وعادت الحركة اليهودية لتنشط من جديد في الاتحاد السوفييتي انعكس ذلك أيضًا على الأوضاع في بلغاريا.. ولكن اليهود كانوا قد استفادوا من الدرس السابق وفضلوا العودة إلى السلطة من وراء الكواليس ومن خلال سيطرتهم على الصف الثاني في الحكم.. فكان أغلب نواب الوزراء ومستشاري الوزراء في الحكومة البلغارية من اليهود حتى عام 1989م، ورئيس الدولة الشيوعي السابق «تدور جيفكوف» كان له أربعة مستشارين من اليهود وهم «تيكوا نخيل- دافيد اللازار- فيتالي تاوجر- جاك أرويو» وخلال تلك الفترة سمح وبطرق سرية لليهود البلغار بالهجرة إلى إسرائيل لينتقل في هذه الفترة حوالي 25 ألفًا منهم إليها.. أعقبتها فترة هدوء نسبي في الهجرة لتعود مرة أخرى خلال السبعينيات ليهاجر العديد منهم أيضًا إلى إسرائيل.. ليتبقى الآن في بلغاريا حوالي 4500 يهودي ينتشرون في أكثر من خمس عشرة مدينة.

النفوذ اليهودي بعد سقوط الشيوعية

بعد التحولات الديمقراطية التي اجتاحت المنطقة وبعد وصول هذا التحول إلى الأبواب البلغارية عام 1989م أخذ التواجد اليهودي حرية الحركة وبخطى سريعة للغاية.. وانتشر 150 صحفيًّا يهوديًّا ليأخذوا مواقع محركة في الصحف والمجلات الديمقراطية الصاردة والتي باتت ترسم وتوجه الرأي العام البلغاري، وما إن حصلت بقرار في البرلمان على أحقيَّة العمل الرسمي في هيئة منظمات أعلنت الحركة اليهودية عن تشكيل منظمة «شالوم» التي راحت تنظم علاقاتها مع جميع القيادات اليهودية المنتشرة في منطقة البلقان، وراحت تمارس ضغوطها من خلال عدد من النواب اليهود في البرلمان والذين كانوا ضمن المجموعات البرلمانية المختلفة «الاشتراكية- الديمقراطية- الزراعية» حتى نجحت في أول قرار لها بإعادة العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل.. بل والنجاح في إصدار قرار آخر بتقليل مستوى التمثيل الدبلوماسي لسفارة فلسطين لتصبح ممثلية فلسطينية.. والوصول إلى الحكم من خلال حصولهم على موقع المالية في وزارة الديمقراطيين «إليكو اشكينازي» وموقع رئيس نادي حلف شمال الأطلسي «سلامون باسيه».

وخلال عامي 1990م وحتى 1992م راحت منظمة شالوم في تشكيل الاتحادات والمنظمات الفرعية لها مثل:

المنظمة النسائية «فيتو» المنظمة الشبابية اليسارية «أشوميراتسير» والتي كانت قد أنشئت في سبتمبر عام 1944م وظلَّت طوال أعوام على اتصال بأعضائها بشكل خفي -منظمة بوجي أس «فرع الطلبة اليهود في أوربا»- نادي المكابي والتي يرجع إنشاؤها في بلغاريا إلى مائة عام، منظمة «بني بريت» للتعاون والنشاط الاجتماعي والثقافي- إنشاء مدرسة يهودية لتعليم اللغة العبرية والإنجليزية.

وأمام المد اليهودي وتأثيره على الحياة السياسية البلغارية لصالح دولة إسرائيل يجد هذا المد تأثيره وبشكل فعال أيضًا في إضعاف العلاقات البلغارية مع الدول العربية والإسلامية.

ولعلي في نهاية هذه المحطة البلغارية أرغب في أن أوضح أن بلغاريا كانت أول دولة في العالم يصدر فيها كتاب «الدولة اليهودية» لتيودور هرتزل هذا الكتاب الذي حوى نظرية الدولة اليهودية «إسرائيل الحالية».

النفوذ اليهودي في هنغاريا

وإذا انتقلنا إلى هنغاريا المحطة الثانية.. فنجد أن التواجد اليهودي في هنغاريا قد بدأ خلال القرن الثالث عندما كانت هنغاريا تعد إقليمًا من أقاليم الإمبراطورية الرومانية.. وهناك عدة كتابات وعدد من الآثار تتحدث عن التواجد اليهودي في هذه الفترة على الرغم من أن الوثائق الرسمية في الدولة الهنغارية الحالية قد بدأت في الإشارة إلى التواجد اليهودي اعتبارًا من القرن الحادي عشر حيث شهد هذا القرن تزايدًا ملحوظًا لليهود وانتشارًا لهم في المدن التي أطلق عليها فيما بعد.. «المناطق اليهودية التاريخية» موزعة في مناطق بودا، استيرجوم، أسيرون، تاتا، بودا القديمة.

ففي الفترة التي حكمت فيها سلالة الملك أريات كان اليهود على الرغم من القيود العامة عليهم يعيشون في أمان ولا يشكل شيء خطورة عليهم بالمقارنة بإخوانهم في الأجزاء الأخرى في أوربا.. وكانت الوثيقة المشهورة للامتيازات التي صدرت في عهد الملك بيلا الرابع 1251م والتي تم التأكيد عليها من السلاطين والملوك التالين له قد أشارت إلى أن اليهود يخدمون ويرعون الملك مباشرة ويدفعون الرسوم المالية مباشرة إلى خزانة المملكة.. وذلك مقابل حصولهم على الحماية الملكية.. فقد سيطر اليهود في هذه الفترة على احتكار التجارة وكانت القصور الملكية تلجأ دائمًا للحصول على قروض مالية أو طلبًا للمشورة.

وخلال القرنين السادس عشر والسابع عشر كانت هنغاريا تحت الاحتلال التركي.. إلا أن اليهود قد تمكنوا  في هذه الفترة من الانتقال تدريجيًّا إلى المناطق الشرقية من هنغاريا والتي لم يصل إليها الاحتلال التركي.. ولذا لم يصبهم الضرر من هذا الاحتلال بل على عكس ذلك تزايدت أموالهم نتيجة عدم دفعهم للرسوم الملكية.. وبعد طرد الأتراك من هنغاريا توافد العديد من اليهود القادمين من ألمانيا وسلوفاكيا، وقد تزايد التعداد اليهودي في هنغاريا في الفترة من 1769م حتى 1787م من عشرين ألفًا إلى ثمانين ألفًا.. وازداد احتكارهم للسوق والأعمال التجارية والاقتصاد الزراعي والمواد الناتجة عنه مثل الحبوب والنبيذ والجلود وغيرها..

الأموال.. مفتاح السيطرة 

ومن امتلاكهم للأموال بدأوا السيطرة بداية من الأراضي الصغيرة في القرى ثم انتقلوا في التوسع ليسيطروا على مساحات كبيرة من الأراضي في المدن التي لها مواقع استراتيجية هامة في الحركة التجارية.

وقد وصل تأثيرهم في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية إلى دفع الإمبراطور يوسف الثاني إلى إصدار فرمان «أمر إمبراطوري» عام 1781م يسمح من خلاله لليهود بالعيش في القرى والمدن الملكية بحرية وأن يكون لهم الحق في إنشاء مدارسهم الخاصة وأن يعملوا بالتجارة وامتلاك الأراضي.

وفي إطار الحفاظ على ممتلكاتهم أجبر اليهود على المشاركة بشكل فعال في الثورة الهنغارية عام 1848م، ويعدُّ الوقت الذهبي لليهود الهنغار هو الذي متد لنصف قرن قبل الحرب العالمية الأولى.. خلال هذه الفترة تمكنوا من خلق دائرة كبيرة وواسعة من المثقفين والمتخصصين والتجار، وكانوا يتحكمون في إدارة الشئون الاقتصادية والسياسية في هنغاريا.. ولذا فقد لعبوا دروًا هامًا في إنشاء وتطوير المؤسسات التجارية والصناعية الهنغارية.. وعلى سبيل المثال «مانفرد فايز» وأسرته الذين أنشأوا أكبر المؤسسات الصناعية. وانتشر اليهود ليصبح من بينهم رجال البنوك والاقتصاديون والمهندسون وكتاب ورسامون وصحفيون وغيرهم.. وشاع في صفوفهم في هذه الفترة إمكانية اعتبار هنغاريا وطنًا لهم ولليهود في أوربا.

وقد جاءت الحرب العالمية الثانية لتفقدهم هذا الأمل حيث وصلت إليهم أيادي القوات الهتلرية التي أعدمت ستمائة ألف يهودي من إجمالي تسعمائة ألف في هنغاريا.. وبدأت مرحلة جديدة لليهود الهنغار بعد عملية التحرير وانتهاء الحرب العالمية الثانية.. بعد أن تمكن العديد منهم أثناء الحملة الهتلرية من إخفاء أصولهم اليهودية بسبب انتشار المعاداة للسامية  في هنغاريا، وكان جزء آخر منهم من الذين نجوا من المعسكرات الألمانية الجماعية على استعداد لنسيان أصولهم ودياناتهم.. ونظرًا لدخول هنغاريا في دائرة الحكم الشيوعي المعادي للديانات فقد أجبروا على الحد من عاداتهم وتقاليدهم اليهودية الدينية.. وعلى الرغم من ذلك ولعمق تأثيرهم في الحياة السياسية والاقتصادية الهنغارية قبل الحرب العالمية الثانية.

الخيوط المؤثرة

فقد بقيت بعض الخيوط المؤثرة التي بدأوا من خلالها إعادة نسيج مجتمعهم الجديد وبأسلوب جديد.. ليصل إلى قمة السلطة الهنغارية، ورغم النعرة الحادة في هنغاريا المعادية في هذا الوقت للسامية يصل «ماتيش راكوش» لموقع رئيس الوزراء، وكأنهم أرادوا أن يظهروا لألمانيا من خلال هذا الموقع أنهم مازالوا مؤثرين رغم الأحداث التي عصفت بهم.. ولا يخفى أن الفضل في هذا أيضًا يعود إلى تأثير اليهود الذين كانوا يسيطرون على اللجنة المركزية للحزب الشيوعي في الاتحاد السوفيييتي في هذا الوقت «لينين- ستالين».. وانعكس أيضًا موقف خرتشوف على هنغاريا، ففي عام 1956م أقيل رئيس الوزراء اليهودي من هنغاريا واتهم اليهود بالأزمة الاقتصادية التي مرت بها البلاد في هذا الوقت ليغادر العديد منهم هنغاريا أثناء فترة حكم «يانوش كاور» متوجهين إلى إسرائيل.. ولكن كانت لهم الصحوة القوية الثانية في هنغاريا مع مرحلة وموجة التغيير التي عصفت بمنطقة أوربا الشرقية وانهارت معها المجتمعات الشيوعية.. وكان ومازال اليهود أكثر المستفيدين من هذه الموجدة وهذه المرحلة ويمكن أن توصف على أنها مرحلة لإعادة حقيقية للنهضة اليهودية في هذه المنطقة بشكل عام وفي هنغاريا بشكل خاص.

فقد شهدت الأعوام الستة الماضية اتساعًا سريعًا في جميع الاتجاهات اليهودية على المستوى الاقتصادي، والاجتماعي، والانتشار للمنظمات الصهيونية اليهودية التي أخذت الإطار الشعبي والثقافي والرياضي كمجالات متعددة لها.. ولأول مرة منذ 45 عامًا في هنغاريا بدلًا من أن تلجأ المجتمعات اليهودية في هنغاريا إلى بيع أراضيها.. بدأت المطالبة وبشكل رسمي بأحقيتها في عودة الملكية إليها من أراضي ومصانع ومبان.. وحتى المدن الهنغارية التي لم تشهد لعشرات السنين أي تواجد يهودي.. بدأت الحملات اليهودية تصل إليها لتنشئ فيها المنظمات والجمعيات الشعبية..

الحركة اليهودية في إسرائيل وهنغاريا.. رباط وثيق

وبنظرة سريعة على التواجد اليهودي في هنغاريا يعكس على الفور مدى الارتباط الوثيق بالحركة اليهودية في إسرائيل والحركة اليهودية في هنغاريا.. فهي الدولة الوحيدة في منطقة شرق ووسط أوربا التي يكاد يكون بها فروع للتيارات السياسية الحزبية القائمة حاليًا في إسرائيل.. فإلى جانب أكثر من سبعين منظمة واتحاد وجمعية يهودية جميعها تحمل اسم صهيون.. فإنه يوجد الاتحاد الصهيوني اليهودي الذي كان قد صدر قرار بحظره وحله في هنغاريا عام 1948م وأعيد إعلانه وإشهاره عام 1989م ويضم بين صفوفه: 

- جمعية هرتزل- المنظمة الهنغارية ليكود- نادي أونج شباط- جمعية أوز شالوم وهي التي تقوم على أساس لائحة الحزب الليبرالي الإسرائيلي- الإخوة شومير، مركزها الأساسي في إسرائيل ولها اتجاهات يسارية اجتماعية، جمعية العمل ولها نفس اتجاهات حزب العمل الإسرائيلي.

إضافة إلى ذلك ففي بودابست العاصمة الهنغارية فقط يوجد خمس عشرة مدرسة يهودية وأربع عشرة مؤسسة ودار نشر للصحف والمجلات وثماني حضانات للأطفال اليهود وملجأ للمسنين اليهود.

وهذا التوغل شاءت الحكومة أو لم تشأ يشكل نوعًا من أنواع التأثير الاجتماعي، وإن التوغل الاقتصادي يشكر نوعًا من أنواع التأثير السياسي، هذا في الوقت الذي يلعب فيه اللوبي اليهودي في الولايات المتحدة الأمريكية دورًا هامًا في ممارسة الضغوط السياسية والاقتصادية على الحكومات ودول منطقة شرق أوربا ووسطها لحث هذه الحكومات على إعادة المملتكات اليهودية إلى أصحابها من اليهود أو إلى ورثتهم ليكون ذلك بمثابة خطوة أساسية على طريق التعزيز الرأسمالي ليهود هذه المنطقة، وخطوة على طريق التحكم المستقبلي في الحياة الاقتصادية في هذه الدول، وصولًا إلى تشكيل اللوبي اليهودي المؤثر والمتحالف مع اللوبي اليهودي في أوربا الغربية والولايات المتحدة.. ليحق لهم من خلال هذه الخريطة التحكم اقتصاديًّا في مقادير عالمنا المعاصر.

الرابط المختصر :