; «الكيبوتس» أسطورة البداية | مجلة المجتمع

العنوان «الكيبوتس» أسطورة البداية

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر السبت 12-مايو-2001

مشاهدات 96

نشر في العدد 1450

نشر في الصفحة 30

السبت 12-مايو-2001

قام على التهام الأرض وتشكيل العصابات المسلحة تحت شعارات الصداقة

تقوم صورة الكيان الصهيوني أمام الرأي العام العالمي على ركائز محورية، من بينها الكيبوتسات، فهذا النمط من المستعمرات الاشتراكية أريد له أن يكون عنصر استقطاب للاهتمام العالمي، ولتحقيق الانبهار بــ«طلائع الصهيونية التي تزهر الصحاري»، واستخدمت التجربة لكسب ود الاشتراكيين، بوصفها تحمل شعار «من كل حسب قدرته ولكل حسب حاجته».

ذراع طويلة للاستيطان.. تقتنص المراهقين من المدارس لتلقينهم أحدث فنون القتال

أريد للكيبوتسات أن تحقق «المجتمع الأكثر عدالة ومساواة في العالم»، كما يتردد في الشعار الدعائي، ولكن التجربة التي قامت على الظلم والاغتصاب منذ اليوم الأول لم يكن بوسعها أن تتجاهل انكشاف الحقائق التي حجبت، مثل اغتصاب القرى العربية وإقامة كيبوتسات عليها.

كما أنّ التجربة التي تتغنى بـ«الصداقة بين الشعوب» تجاهلت حقوق الشعب الفلسطيني الذي شردته عصابات الهاجاناه, والبالماخ, ووحدات الناحال النخبوية في الجيش التي نشأت في رحابها.

لقد كانت هذه الحركة التعاونية الزراعية مفصلًا حيويًّا في الخطاب الدعائي الصهيوني في الخارج، وبينما كانت صورة «الأعجوب والإسرائيلية» قادرة على دفع الرأي العام الغربي؛ للانبهار وفغر الأفواه أمام «الإنجازات الكبرى» التي حققها الأحفاد في «أرض أجدادهم»، فإنّ هذا الانبهار لم يعد له متسع اليوم بعد أن انكشف الواقع واتضحت الخلفيات والتفاصيل التي سعت الصهيونية السياسية إلى طمسها خلف ستار من الشعارات البراقة.

لقد أرادوا أن يكون الكيبوتس أنموذجًا لبعث روح العمل والبناء في الأجيال الصهيونية، فهو يرمز في الوعي الصهيوني إلى الجيل اليهودي الجديد الذي يعتمد على نفسه بعد أن انحصرت الصورة السلبية لليهودي في الاتكالية المفرطة, والاستغلال الربوي، وعشق المال، والاستسلام المطلق للإبادة.

وسعى الكيبوتس إلى توجيه المهاجرين نحو الزراعة واستخدام الأيدي، تحت شعار «اليدان أولًا»، الذي أطلقه مائير يعاري الزعيم التاريخي لحركة الكيبوتسات ولحزب مبام العمالي.

ولم يكن الأمر سهلًا بالنظر إلى أن اليهود كانوا غائبين تقريبًا عن الأوساط الزراعية في أوطانهم الأصلية التي جاءوا منها إلى فلسطين المحتلة، وأسهمت الكيبوتسات بفاعلية في إعادة دمج المهاجرين اليهود، وتلقينهم أبجديات الفكر الصهيوني، علاوة على تكييف القادمين الجدد مع واقع ومتطلبات الكيان الناشئ.

ما الكيبوتس؟!

الكيبوتس لفظة عبرية تعني الجماعة، «جمعها بالعبرية: كيبوتسيم»، وهو في الأصل مستوطنة زراعية تعاونية صغيرة، يسكنها عدد محدود يقدر بالعشرات أو المئات، لكنه يندر أن يتجاوز ۱٥۰۰ ساكن.

ويعمل مستوطنو الكيبوتس بشكل إلزامي في حقل الزراعة ضمن المساحة التي يشغلونها، ويتميز نظام الكيبوتس بالصرامة المطلقة، والشراكة التامة.

في سنوات التأسيس المفعمة بالحماسة كان يقال إن عضو الكيبوتس لا يملك أكثر من «فرشاة الأسنان وحذاء»، فيما يشترك مع رفاقه من أعضاء الكيبوتس في الملابس المودعة في المخزن الجماعي، وفي تناول الطعام في مطعم الكيبوتس، وبالطبع فإن هذه المشاعية لم تتمكن من الصمود.

لقد قام الكيبوتس في الأصل ليكون مستوطنة تسودها القيم الجماعية الصارمة التي ينحصر نشاطها في الاقتصاد الزراعي، لكنها فقدت المزيد من خصوصياتها الجماعية, وأصبح معظمها معتمدًا على التصنيع.

وأقيمت الكيبوتسات في الغالب في المناطق الحدودية لتكون حصونًا دفاعية, ومعاقل هجومية في مواجهة العرب، وكانت الكيبوتسات التي تأسست في العام ١٩٠٩م قد جاءت تطبيقًا لبرنامج المؤتمر الصهيوني الأول في بازل «سويسرا»، بغرض السيطرة على الأرض الفلسطينية، وتوطين اليهود فيها، وإيجاد بنية من الاقتصاد الزراعي للكيان الصهيوني، خاصة أن ثيودور هرتزل رأى أن «المشكلة اليهودية» ستحل «يوم يقوى اليهودي على قيادة محراثه بيده».

وسعت الصهيونية عبر الكيبوتسات إلى تحقيق أهدافها الإستراتيجية, وتشكيل وحدات نخبوية مقاتلة، لكن إسهامها لم يقتصر على ذلك، بل كانت لها الأسبقية في تشكيل الحركة العمالية الصهيونية في عام ۱۹۲۰م، من خلال قيام اتحاد نقابات العمال «هستدروت».

وشهد عام ۱۹۷۹م تأسيس «الحركة الكيبوتسية الموحدة» لتكون إطارًا وحدويًّا يجمع العديد من التكتلات التي نشأت في مئات الكيبوتسات، لكن الوحدة لم تصمد طويلًا إذ تلونت الكيبوتسات فيما بينها؛ ليضم كل منها أتباع تيار معين، فالكيبوتس تحول إلى «جيتو» منغلق على القوى اليسارية تارة، والتيارات التلمودية المتطرفة حينًا آخر، كما يلاحظ التمايز العرقي والطبقي بين الكيبوتسات بوضوح.

الكيبوتس: الخصائص والمرامي

تم تأسيس أول كيبوتس في العام ۱۹۰۹م في غور الأردن باسم دجانيا، وقام هذا النمط الاستيطاني على أساس الجمع بين مزاعم الحق التاريخي لليهود في فلسطين, والتطلعات الاشتراكية التي كانت في ذروتها آنذاك على المستوى الأوروبي، وذلك على أساس تحقيق مبادئ المساواة والتعاون. لقد جاء تأسيس الكيبوتسات ليكون رد فعل على ابتعاد اليهود لقرون طويلة عن الاقتصاد الزراعي والمهن الحرفية.

وحسب النظم التي تأسس بموجبها هذا النمط فإنّ جهود عضو الكيبوتس تتجه لصالح المجموع المتكون من جميع أعضائه فقط، فيما تتولى الجماعة تغطية احتياجات كل عضو فيها.

وبلغ عدد الكيبوتسات التي نشأت منذ ۹۲ سنة نحو ۲۷۰ مستوطنة، ضمت في مجموعها ۱۳۰ ألف ساكن، وتعد حركة الكيبوتسات إحدى الأذرع الفعالة للنهم الاستيطاني الصهيوني الذي امتد إلى الجولان السوري المحتل أيضًا.

جاءت كرد فعل على ابتعاد اليهود لقرون طويلة عن الاقتصاد الزراعي والمهن الحرفية.. وتخصصت في استقبال المهاجرين الجدد وتأهيلهم في المجتمع الجديد

ونشأ هذا النمط الاستيطاني معتمدًا على الزراعة في الأصل، لكنه لم يتمكن من الاستمرار فيها فتحول في معظمه صوب الصناعة والخدمات، الأمر الذي يشكل حقيقة تبعث على أسى بعض الرواد الأوائل للحركة.

ويختلف «الكيبوتس» عن «الموشاف»، فالأخيرة مستوطنة تعاونية وثيقة الشبه بالأولى, لكنها تتميز باستقلالية كل أسرة مستوطنة فيها في العمل والموارد، وتم تصميم الكيبوتس؛ للإسهام في استيعاب المهاجرين الجدد إلى فلسطين المحتلة «عوليم»، بغية إدماجهم في المجتمع.

وغني عن القول فإن حركة الكيبوتسات أريد لها إلى جانب دورها الإستراتيجي والاستيطاني والاندماجي والدعائي, أن تعزز من النشاط الاقتصادي للدولة العبرية كذلك، لكنها ما لبثت أن تحولت إلى عبء ثقيل على كاهلها، فيما لا يبدو التخلص منه بالأمر الممكن.

المبادئ العامة المعلنة لحركة الكيبوتسات

تتلخص المبادئ العامة التي قامت عليها الكيبوتسات في جماعية الإنتاج والاستهلاك والتربية، كما أن أملاك الكيبوتس كافة تعود للجماعة، وتشكل هذه المستوطنة دائرة مغلقة تسعى للاكتفاء الذاتي عن محيطها، بما يجعلها سوق عمل منغلق على الذات، وهي القاعدة التي جرى التوسع في خرقها في السنوات الأخيرة.

ويرفع الكيبوتس الشعار الاشتراكي البراق «من كل حسب طاقته, ولكل حسب حاجته»، فيما تشرف على الأمور العامة إدارة ذاتية جماعية ترتكز على المبادئ الديمقراطية، كما تتباهي حركة الكيبوتسات بالقول.

وتقع القوى العاملة في الكيبوتس تحت تصرف الجماعة، ويتم تنسيق الأمر عبر البرنامج الزمني للعمل, والتأهيل, والدراسة, وأوقات الفراغ الذي تحدده اللجان المنتخبة داخليًّا، مع مراعاة خصائص الأعضاء ورغباتهم.

وعبر الرعاية الجماعية للأطفال تتخلص الأمهات من أعباء التربية والشؤون المنزلية، ويتم تلقين الأطفال والناشئة القيم الجماعية, وحب العمل للمجتمع اليهودي والمشاركة، ويتلقون تعليمهم في المدرسة الابتدائية داخل الكيبوتس، وأما المدارس الإعدادية والعليا فتكون مشتركة مع عدد من الكيبوتسات الأخرى في المنطقة.

التهام الأرض الفلسطينية

من البداية سعت الحركة الكيبوتسية إلى السيطرة على الأرض الفلسطينية بكل الطرق الممكنة، ولم تتورع عن استعمال أساليب الاحتيال والاغتصاب في سبيل ذلك، وتشهد مرحلة الاحتلال البريطاني لفلسطين على ألوان من التوسع غير المشروع من خلال الكيبوتسات، وكان من بين ذلك طرد المزارعين الفلسطينيين من أراضيهم.

واستغل مستوطنو الكيبوتسات سياسة التشريد القسري التي اتبعها الجيش الصهيوني إبان حرب ١٩٤٨م لبسط نفوذهم على مساحات خيالية من الأراضي المملوكة للفلسطينيين، وإلى جانب ذلك حصلت الحركات الكيبوتسية على هبات من الكيان الغاصب، لم تكن سوى الأراضي الشاسعة التي طرد جيش الاحتلال أصحابها الفلسطينيين منها بالقوة، وكان من الطبيعي في هذا السياق التوسعي أن تقام الكيبوتسات في الضفة الغربية, وقطاع غزة, والجولان السوري المحتل، وفي سيناء المصرية سابقًا.

إن واحدًا من النماذج الفاضحة للكيبوتسات في الاستيلاء على الأرض الفلسطينية يتمثل في قريتي إقرت, وكفر برعم الواقعتين في قضاء عكا بالقرب من الحدود اللبنانية، فبعد احتلال القريتين في ٣١ أكتوبر عام ١٩٤٨م بأسبوعين أبلغ الجيش الصهيوني سكانهما أن «هناك هجومًا عربيًّا وشيكًا»، وأن عليهم المغادرة إلى منطقة آخرى مؤقتًا على أن يعودوا بعد بضعة أسابيع.

 وغادر السكان مرغمين إلى مناطق آخرى في الخليل, ولكن السلطات رفضت عودتهم، ورغم وقوف الكنيسة الكاثوليكية إلى جوارهم، وعدم اعتراض المحكمة العليا الصهيونية على عودتهم؛ فإن حكومة الكيان الصهيوني رفضت تلك العودة, ودمرت البيوت العربية في إقرت وكفر برعم بالكامل عام ١٩٥١م.

أما حركة هاشومير هاتساتير الكيبوتسية فلم تتردد من جانبها في إقامة كيبوتس لها فوق أراضي كفر برعم، يحمل في جنباته شعارها «من أجل الصهيونية، ومن أجل الاشتراكية، ومن أجل الصداقة بين الشعوب»!.

التاريخ الدامي..

وفيما يتعلق بالأداء العسكري لهذه الوحدات الاستيطانية الخاصة فقد برز من خلال إسهامها الفاعل في تشكيل العصابات الصهيونية المسلحة، وخاصة الهاجاناه «الدفاع», وذراعها الضاربة البالماخ «الفصائل المهاجمة»، التي تنسب إلى كيبوتسات النقب, وغور الأردن, والخليل، بالإضافة إلى عرقلتها دخول الجيوش العربية إلى فلسطين عام ١٩٤٨ واشتباكاتها العسكرية معها.

واستمر هذا الدور العسكري حتى بعد قيام الكيان، عبر احتفاظ الكيبوتسات بمواقعها الإستراتيجية الحساسة، ودورها النخبوي في الجيش، خاصة من خلال وحدات «ناحال» «الشباب الطليعي المقاتل» المختارة  التي تبدو للوهلة الأولى مجرد وحدات، لكنها تتجاوز ذلك لتحتل أهمية بالغة، فهي تعتمد على التطوع الاختياري، كما عليه الحال في القوات الجوية والبحرية، وتقتنص المراهقين للالتحاق في صفوفها من مدارسهم الثانوية, ومواقع العمل عبر أطر شبابية تؤهلهم إلى حياة الكيبوتسات، وعند بلوغ الشبان سن الخدمة الإلزامية يجري إلحاقهم بالكيبوتسات, وتطبيع حياتهم مع أنظمتها غير المألوفة، ويبدؤون في تلقي تدريبات قتالية مكثفة، تستلهم ثقافة الرواد الأوائل «الحالوتس» للصهيونية.

إن الصورة الدعائية للكيبوتس تركز على الإيحاءات التعاونية والإنسانية؛ لتحاول أن تثير إعجاب غير العارفين، فيما يجري تجاهل الدور الاحتلالي والاستيطاني للكيبوتسات، ويربط تاريخها الإرهابي عبر العصابات الصهيونية سيئة السمعة بمبررات «الدفاع عن النفس», وبالرغبة في بلورة الشخصية اليهودية الجديدة الواثقة بالذات.

لقد كان للأعضاء الشباب في الكيبوتسات مواقعهم المتقدمة في وحدات النخبة في الجيش الصهيوني، وبلغ عدد قتلى الكيبوتسات خلال حرب يونيو ١٩٦٧م ما يعادل ١٩% بالنظر إلى إجمالي الصهاينة الذين قتلوا في تلك الحرب، رغم أن سكان الكيبوتسات لم يتجاوزوا ٤% آنذاك من الصهاينة، ويعزى ذلك إلى انخراطهم القوي في الجيش, وإلى المواقع الاستراتيجية الحساسة للكيبوتسات، التي أقيمت في الأصل على هيئة خطوط دفاع أولى، وهو ما بلغ أوجه في العام ١٩٥٢م، وخاصة على امتداد الحدود مع قطاع غزة الذي كانت تديره مصر في حينه.

خط المواجهة مع العرب

رقم الترهل الواضح الذي ينتابها فإنّ الكيبوتسات لم تفقد أهميتها الإستراتيجية، خاصة على خطوط المواجهة مع الجوار العربي، وعلى سبيل المثال فإن كيبوتس نيريم تأسس في يوم كيبور ما يسمى «عيد الغفران اليهودي» عام ١٩٤٦م في موقع حساس غربي صحراء النقب، إلى الجنوب من رفح وبالقرب من الحدود المصرية، وجاء تأسيسه في تلك السنة ضمن دفعة تضم عشر مستوطنات أخرى تم إقامتها في النقب.

وكان أعضاؤه قد تأهلوا في حركة «هاشومير هتسائير» الصهيونية، كما انضم إليهم في الكيبوتس العوليم «المهاجرون» الذين وصلوا إلى فلسطين عقب الحرب العالمية الثانية.

وكما كان متوقعًا فقد كان كيبوتس نيريم العقبة الأولى في وجه الجيش المصري الذي دخل إلى أرض فلسطين في مايو ١٩٤٨م لمواجهة العصابات الصهيونية، مما أسفر عن تدميره وقتل ثمانية من أعضائه، لكنه «صمد في وجه الأعداء» كما تزعم شعاراته الدعائية.

ويحمل جدار تذكاري في كيبوتس نيريم عبارة تشير إلى تلك الأيام, وتقول «ليست الدبابات التي ستنتصر وإنما الإنسان»، وكان للمستوطنة ذاتها مشاركة في مواجهات عامي ١٩٥٥ و١٩٥٦م.

وعلى غير ما عليه الحال في الكثير من الكيبوتسات الأخرى؛ فإن الاقتصاد الزراعي ما زال يشغل حيزًا كبيرًا في نيريم التي يتبع لها عشرون ألف دونم مزروعة بالقطن والبطاطس والجزر والحمضيات والأفوكادو والورود، كما تعتمد صناعة الألبان فيها على مائتي بقرة حلوب، فيما تنتج حظائر الدواجن فيها أربعمائة طن من اللحوم سنويًّا.

ويتعزز التوجه الصناعي في نيريم بشكل متزايد، حيث يضم الكيبوتس مصنعًا للحياكة؛ يتركز معظم إنتاجه على ملابس الأطفال، وبجانب المدرسة الابتدائية فيه, فإنه يشترك مع عدد من كيبوتسات المنطقة في المدرسة الإعدادية، علاوة على المدرسة العليا.

أما بالنسبة لساكني نيريم فلا يتجاوزون ٤٥٠ شخصًا حاليًّا، أقل من ثلثهم من الأعضاء الفعليين فيه، ويلاحظ استيعابه لمهاجرين من أمريكا الجنوبية, ولجنود أنهوا خدمتهم في الجيش.

ورغم النجاح الظاهر الذي يبدو في تجربة كيبوتس نيريم, إلا أنه يشكو من أعراض ترهل واضحة، تتمثل في انفضاض أعداد متزايدة من ساكنيه عن الزراعة؛ بحثًا عن وظائف خارجه، في الميادين الإدارية, والاقتصادية, والنفسية, والأكاديمية، علاوة على مبالغته في التصنيع والأبحاث على حساب الاقتصاد الزراعي، وبالطبع فإن نيريم يحظى بدعم سخي و امتيازات من جانب حكومة الكيان تمكنه من البقاء وتخفي مشكلاته المالية جانبًا.

.. ولكن.. الأسطورة تتبخر إلى غير رجعة

بغض النظر عن المشكلات الاجتماعية والآفات الأخلاقية التي تغمر الكيبوتسات، فإن تمكن الشاشات الصغيرة من اختراقها, وانتعاش الاتصال البشري لأعضائها مع المحيط، وخاصة سكان المدن، فضلًا عن تزايد الإقبال السياحي عليها، قد أسفر عن طمس الكثير من الخصوصيات المغلقة التي امتازت بها الكيبوتسات منذ قيامها.

كما تتفاوت العقليات السائدة من كيبوتس إلى آخر بحسب الموطن الأصلي للمهاجرين الذين يقطنونه، وقد ترك ذلك تأثيره على الطبيعة الداخلية لكل منها، ورغم ذلك فإنّ الحركة الكيبوتسية لا تكف عن الإعلان عن انفتاحها، فالانضمام إليها متاح لمن تجاوز الثامنة عشرة من العمر، ولا يحصل الراغب في العضوية على صفة عضو كيبوتس إلا بعد اجتيازه مراحل من الاختبار والتأهيل الجماعي.

وإذا كانت الحاسة الجماعية والتماسك الداخلي ما زالت ملحوظة في المستوطنات الصغيرة التي يتفاوت عدد أعضائها بين الخمسين والمائتين، فإن الكيبوتسات الكبيرة فقدت الكثير من ملامحها التقليدية، ولا تتاح لأفرادها فرصة الاجتماع إلا في صالات الطعام والمناسبات.

ويعكس منسوب التقيد بالشريعة التلمودية «هالاخاه» حجم التباين بين كيبوتس وآخر، والأمر يبدو انعكاسًا جليًّا لأزمة المجتمع الصهيوني الغارق في تناقضاته، فبينما ينحصر الأمر في بعض الكيبوتسات في قضاء ليلة السبت بشكل احتفالي، تولي غيرها تشددًا في التقيد بالتعاليم العقدية.

ولم تسلم «ديمقراطية الكيبوتس» من مسلسل التدهور، إذ لا يشارك سوى عشرة في المائة من أعضاء الكيبوتسات في اجتماعات الجمعية العمومية، مما يستدعي في العادة بث تسجيل مصور لمجريات تلك اللقاءات «الديمقراطية» في اليوم التالي من خلال دوائر تلفازية مغلقة في الكيبوتسات.

لقد أدت ظاهرة الانكفاء عن المشاركة الديمقراطية في الكيبوتسات إلى إجراء تعديلات هيكلية أحيانًا؛ بهدف إيجاد هيئات تسيير أصغر حجمًا.

ملامح أزمة الكيبوتس

تعاني الكيبوتسـات من أزمة جوهرية متفاقمة، تكاد تقضي عليها بالكامل, وتقوض التجربة التي فاخرت بها الدعاية الصهيونية ولاتزال، وتتمثل ملامح هذه الأزمة في انحلال أعداد متزايدة من الكيبوتسات، وفي تحول معظمها من الاقتصاد الزراعي إلى التصنيع والخدمات، وفي التسرب المتزايد من الكيبوتسات الذي يترافق مع انحسار شديد في الإقبال عليها.

البنية الاجتماعية تتصدع.. والآفات الأخلاقية تطمس معالمها

كما أن تقدير المجتمع الصهيوني لعضو الكيبوتس قد تلاشى مع تزايد نزعات الأثرة, والشقاق في الحركات الكيبوتسية، وتنعكس أزمة هذه المستوطنات النموذجية على الاهتمام الخارجي بها، فبعد أن حازت على تقدير عالِ في الغرب تراجعت الإشادة بها إلى حد كبير، وهو ما يمكن ملاحظته حتى من خلال انحسار أعداد المتطوعين للالتحاق بها من الخارج إلى أدنى مستوى.

خلفيات الانهيار الشامل

والمؤكد أن هذه الحالة من الضمور لم تأت من فراغ، فتجربة الكيبوتسات المتداعية تعاني منذ سنوات بعيدة من مشكلات معقدة، فبعد قيام الكيان الصهيوني في العام ١٩٤٨ أخذ «الجيل الطلائعي المؤسس» ينشد الراحة, ويطالب بامتيازات تنسجم مع الهالة الدعائية التي رسمت لـ«كفاحه» ضد العرب، وليس من شك أن جانبًا من أزمة الكيبوتس ينبع من أسطورة النجاح الباهر التي نسجت بشأنه.

وفي الدراسة التي أعدها تسفي بن جورين الباحث في جامعة بار إيلان بتل أبيب تتبدى جملة من الإشكالات المعقدة التي تقف وراء انحلال الكيبوتسات، وكانت الدراسة قد صدرت في العام ۱۹۸5 في أعقاب حل ۱۲ كيبوتسًا من بين ١٣٤ كيبوتسًا أقيمت بين عامي ١٩٣٠ و١٩٤٨م.

وعزا الباحث الصهيوني سقوط هذه المستوطنات النموذجية إلى ازدياد الشعور بالخطر الأمني من جانب الفلسطينيين، وتفاقم الصراع بين الأجيال الملتحقة بها، وغياب اللغة المشتركة بين القادمين الشباب والقدماء، والعيش المنعزل تمامًا للكيبوتسات عن محيطها، وتفجر النزاعات والخصومات الداخلية.

الإخفاق في مواجهة الواقع

ولاحظ تسفي بن جورين أن الكيبوتسات التي تتفكك بشكل متزايد تعجز عن التحول من «الطلائعية المحمولة على أجنحة العاطفية الوطنية والاجتماعية، إلى جماعة مؤسسية تؤمن للجميع مستوى لائقًا من الحياة, وتستطيع تلبية حاجاتهم ورغباتهم الخاصة».

أما الكاتب الصهيوني إيلي إلعاد فيؤكد تعليقًا على دراسة انحلال الكيبوتسات ذاتها أن «الأطر التضامنية التي كانت مهمة في الماضي، والمشهد الاجتماعي المشترك، والأفكار العميقة، قد ضعفت، ولم تحل محلها أطر تضامنية جديدة، وملخص القول إن المداخيل قليلة, وأن الكيبوتس يعيش في حالة من الانحسار»، على حد تعبيره.

إن الأزمات التي أصابت حركة الكيبوتسات دفعت إلى اعتماد التصنيع على نطاق واسع بدلًا من الزراعة، وهو الأمر الذي يخل بمبادئ الحركة الأساسية، ويفقدها أحد أبرز علاماتها الفارقة، كما أن التسرب المتزايد للأعضاء والإعراض عن الالتحاق بهذه المستوطنات النموذجية أدى إلى المزيد من المضاعفات، بعد أن أسفر ذلك عن تعاظم الأعباء والواجبات الملقاة على عاتق الأعضاء الباقين.

ومن جانبهم فإن المتحمسين لحركة الكيبوتسات لا يكفون عن الشكوى من فقدان الحركة لديمومتها, وغياب آليات توريث التجربة التي تتجرع الحركة مرارتها حاليًّا وأكثر من أي وقت مضى.

 إذ إنّ إنقاذ كيبوتس ما من أزمته الاقتصادية الخانقة التي تهدد بانحلاله ليس ضمانة كافية لبقائه؛ لأنه قد ينهار لإعراض «الأبناء» عن الانضمام إلى الجيل المؤسس، وحتى لو سارت الأمور كما ينبغي فإن البنية الاجتماعية «الأسطورية» التي امتازت بها الكيبوتسات قد شاخت, ولم تعد قادرة على التجدد، كما تبدو الفاعلية القيادية داخل الكيبوتس خائرة القوى.

وإلى جانب الدعم الحكومي المستمر، تدخلت السلطات الصهيونية- على طريقتها- لتعويض هذه الفجوة المتزايدة، فطرحت بدائل عملية للمتذمرين من الكيبوتسات باستيعابهم في ميادين أخرى، وكان ذلك اعترافًا ضمنيًّا بالإخفاق.

الترابط الداخلي تلقى ضربة في الرأس.. نصف أعضاء الكيبوتس يعيشون تحت خط الفقر.. لقد كفروا بالاشتراكية.

صراعات داخلية

إنّ جزءًا من أزمة الكيبوتس يتمثل في تراجع القدرة على المزج بين المشارب المختلفة للملتحقين به، وقد استنتج بن جورين في دراسته الدور المهم الذي يتركه تجانس المجموعة المؤسسة الكيبوتس على استقراره وديمومته.

وعلى النقيض يتضح- حسب الدراسة- أنّ «التوتر يزداد كمًّا، وتتطور النزاعات والخصومات بين كل شخص وزميله، وبين الخاصة والعامة، وبين المجموعات المختلفة».

إن هذا يقوض هدفًا مهمًا تطلعت إليه الصهيونية السياسية من وراء إطلاق تجربة الكيبوتس، وهو أن تكون إحدى آليات الدمج الداخلي في المجتمع الواحد الذي تتنازعه مشارب, وثقافات, وقوميات, وعقائد متنافرة؛ لتصب في صالح مشروع «إسرائيل» في المقام الأول.

وإزاء العجز المتزايد عن استيفاء هذا المطلب، لم يتحول الكيبوتس المتجانس داخليًّا إلى جيتو منكفئ على ذاته, ومنعزل عن محيطه, وعما عداه من المستوطنات المماثلة وحسب، وإنما كشف عن استنفاده لأغراضه التي أقيم لأجلها، وتراجع دوره بشكل كبير في النظام الصهيوني الشامل، الأمر الذي يفسر تراخي السلطات في التعاطي مع «ظاهرة موت الكيبوتس».

فجوة القيم..

تتمثل واحدة من أعقد مشكلات الكيبوتسات في الفجوة الكبيرة بين القيم التي يحملها كل من الجيل المؤسس لها والجيل الثاني الملتحق بها، أن مستقبل الحركة الكيبوتسية مرتهن إلى حد كبير بأوضاع الجيل الثاني, وطموحاته الحقيقية, والفلسفة التي يواجه فيها الحياة، فضلًا عن نظرته ومواقفه إزاء الجيل الأول.

وسيترك مسار نظام التعليم المتبع في الكيبوتسات انعكاسات مباشرة على موقعها المستقبلي في النظام الصهيوني.

وما زاد من تعقيد الظاهرة نشوء صراع شديد بين الأجيال، فالمؤسسون المغمورون لا تروق لهم النزعات الجديدة المتفشية لدى الشبان الذين لا يعتنقون «المبادئ الصهيونية والتعاونية» التي كانت سائدة من قبل.

كانت الفجوة عميقة بين جيل الصهيونية المؤسس للكيان الغاصب، وجيل «ما بعد الصهيونية» الذي ينشد مكاسب شخصية وفرص عمل مشجعة ومداخيل عالية، وهو ما تعجز الكيبوتسات عن توفيره بلاشك.

وبالمقابل فإنّ المؤسسين ينشدون الراحة في المساكن الفاخرة التي شيدوها في الكيبوتسات, ويتطلعون إلى قيام الشبان بأدوار مماثلة لما كانوا يقومون به خلال «السنوات الصعبة».

إن تفشي الأثرة في الكيبوتس أودى بشعارات التعاون والإيثار بين أعضائه، وتدل حادثة يسردها الباحث الصهيوني المختص في شؤون الحركة الكيبوتسية حاييم دارين درابكين قبل أكثر من ثلاثة عقود على هذا المعنى تمامًا، إذ «كسب أحد أعضاء كيبوتس ميفوهاما القريب من بحيرة طبرية الجائزة الكبرى في اليانصيب الوطني، ومقدارها ١٨ مليون شيكل، وطبقًا للنظام السائد في الكيبوتس، فإن عليه أن يتنازل عن المبلغ لصندوق التعاونيات، لكن سكرتير الكيبوتس ذاته نصحه أن يودع المبلغ في حساب خاص له كيلا يذهب على الفور إلى صندوق الدائنين».

تدهور علاقات العمل والإنتاج: لم تكن فكرة تشغيل عاملين في الكيبوتس مقابل أجر شهري واردة في الحسبان، فالعضوية التي توفر لصاحبها احتياجاته هي المبدأ الذي كان يجري التقيد به بصرامة منتصف القرن الميلادي الماضي.

وسرعان ما طرأ التحول الكبير في الستينيات باتجاه تشغيل العمال من خارج الكيبوتسات على أوسع نطاق ممكن مقابل أجر شهري، وتناغم ذلك مع اعتماد التصنيع فيها، الذي شكل مع مطلع التسعينيات ٨٠٪ من مواردها المالية، وكانت الصناعة الكيبوتسية تشغل في مطلع التسعينيات حصة قوامها ٧% من مجمل الصناعة داخل الكيان الصهيوني.

وهكذا تحول اشتراكيو الكيبوتس الحالمون إلى رأسماليين جشعين يطمعون في تحقيق الأرباح المغرية، وعرفت كيبوتساتهم أسوأ صور الاستغلال، فالأشكناز الغربيون عمدوا إلى تشغيل السفارديم الشرقيين بأجور مجحفة؛ لتتجلى الطبقية المفرطة والتناقض مع شعارات المساواة التي رفعتها الحركة الكيبوتسية.

خسائر الكيبوتسات تتوارى خلف بريقها الذي يصنعه الكيان الصهيوني للإبقاء على أهميتها الإستراتيجية.

ولم تفض الإضرابات العمالية وموجات الاحتجاجات الحادة التي بدأت الكيبوتسات في التعرف عليها بسبب التفرقة في الأجور، إلا إلى اعتماد حلول أكثر إجحافًا عندما جرى التوسع في استغلال الأيدي العاملة الفلسطينية مقابل أجور بخسة، ومع تفاقم سياسات الإغلاق الصهيونية للضفة الغربية وقطاع غزة في أواسط التسعينيات اضطرت الكيبوتسات مثل غيرها من المستوطنات إلى تشغيل العمالة الوافدة من آسيا وأوروبا الشرقية دون أن تمنحها حقوقها المعتبرة.

لقد عرفت علاقات الإنتاج في الكيبوتسات انتكاسات متلاحقة، ليس آخرها انهيار مبدأ المساواة في الأجور أمام سلم الرواتب القائم على التفرقة حسب الامتيازات والإمكانات والإنتاج، وليس «حسب الحاجة» كما في الشعار التعاوني المرفوع.

وتتفشى العلاقات الطبقية الجديدة في أعداد متزايدة من الكيبوتسات، وبشكل خاص في كيبوتسات حركة «تاكام»، ويقول الصحافي الصهيوني أمنون كابليوك عن هذا الواقع «لقد تلقى الترابط الداخلي «في الكيبوتس» ضرية شديدة في الرأس، وأفرز الوضع حقيقة لم يكن يتصورها أحد؛ أغنياء وفقراء يعيشون في كيبوتس واحد»، على حد وصفه، ويؤكد كابليوك أن نصف أعضاء الكيبوتسات يعيشون تحت خط الفقر، وقد كفروا بالاشتراكية على وقع البطالة التي يعانون منها، كما أنهم نسوا احتفالات عيد العمال في مطلع مايو من كل عام.

الأسطورة تتبخر

تتحدث الأسطورة التي نسجتها الدعاية الصهيونية بشأن الكيبوتسات عن «طلائع الصهاينة الذين غادروا بيوتهم في أوروبا الشرقية لينتقلوا إلى أرض الأجداد  التي لا تعدو أن تكون صحراء قاحلة وخالية من السكان».

وينسجم هذا الطرح الساذج مع المبدأ الدعائي الصهيوني «أرض بلا شعب لشعب بلا أرض»، وهي الأسطورة التي سقطت منذ أمد طويل على وقع الثورات المبكرة للشعب الفلسطيني في ظل الانتداب البريطاني، وتبخرت مع سياسة الطرد الجماعي للشعب الفلسطيني في عام النكبة ١٩٤٨، والتي أخذ «المؤرخون الصهاينة الجدد» يعترفون بتفاصيلها المذهلة, ويكشفون عن المزيد من الحقائق المروعة التي بقيت مطموسة.

وكان واضحًا أن الانتفاضة الشعبية الكبرى التي اندلعت في العام ۱۹۸۷م قد دقت المسمار الأخير في نعش مزاعم الصهيونية الكبرى.

اغتصبوا أخصب الأراض: إن العرض الأسطوري لحياة الكيبوتس يتضمن الزعم أن «سكانه يقضون كل يوم في العمل في الحقول واستصلاح الصحراء وتزهيرها»، ويتجاهل الحقيقة المعروفة أن معظم أراضي فلسطين المحتلة مروية بالمياه في الأصل، وأن الكبيوتسات اغتصبت لنفسها أخصب الأراضي الفلسطينية.

فبينما كانت الكيبوتسات تضم 18% من قوة العمل الزراعية عام ١٩٦٢م، كان إنتاجها آنذاك يتراوح بين ۲۸ و30% بالنظر إلى مجمل الإنتاج الزراعي للكيان الصهيوني.

ومن الخطأ أن يجري تفسير هذا «النجاح الباهر»، بتلك السذاجة «الأسطورة» التي تروجها الدعاية الصهيونية، عبر الإمعان في الإشادة بالتجربة الكيبوتسية وتفوقها، فالأمر يتلخص في الأسبقية التي حظيت بها حركة الكيبوتسات- التي احتفلت قبل سنتين بعيدها التسعيني- في احتلال أخصب الأراضي وأوفرها إنتاجًا، واستيلائها المبكر على الموارد المغرية.

ثمن استقلالية الكيبوتس

وعند التأمل في مبدأ الاكتفاء الذاتي والاستقلالية الاقتصادية لكل كيبوتس عن محيطه، يبدو بشكل جلي أن هذه النزعة جاءت لتتكيف مع كونه بؤرة استيطانية في الأرض العربية الفلسطينية، ومقدمة لإقامة كيان يهودي عليها. فتجربة الكيبوتس التنموية لم تكن مصممة منذ البدء لصالح سكان فلسطين الشرعيين، وإنما لاقتسام فلسطين ولسلخ الشعب الفلسطيني عن أرضه.

ولكن قيام الكيان الصهيوني عام ١٩٤٨م بعد ٣٩ سنة من انطلاق الحركة الكيبوتسية جعل استقلالية الكيبوتس عبئًا حقيقيًّا عليه، فنموذج «الجيتو» اليهودي عاد مجددًا في محيط كيان يهودي، وهو جيتو مغلق عمليًّا على مهاجرين من مواطن محددة، كما أن هذه «الاستقلالية الاقتصادية» ألقت بثقلها على الاقتصاد الصهيوني الذي يحتاج إلى دائرة واسعة من التكامل.

هل نجحت اشتراكية الكيبوتس؟

من المستغرب تلك المبالغة بـ«أعجوبة الكيبوتس» القائمة على الاشتراكية والجماعية، بينما منيت التجارب الاشتراكية بإخفاق اقتصادي حاد, فتطبيق الاشتراكية في الاقتصاد الزراعي أدت إلى مشكلات واضحة في الصين، وإلى خلل كبير في الاتحاد السوفييتي السابق, ودول شرق أوروبا التي تداعت بنيتها الزراعية، أما مروجو أسطورة الكيبوتس فينهمكون في الإشادة بالتعاونيات الاشتراكية خاصة التي «تحول الصحراء إلى جنان خضراء».

وبعيدًا عن الأسطورة تتجلى صدمة الواقع؛ فالكيبوتسات التي يجري تصويرها على أنها مزارع؛ يصعب في الحقيقة العثور عليها بعد أن توسع معظمها في التصنيع والخدمات.

وعلى أرض الواقع يتضح أن الصناعة تمثل اليوم عاملًا مهمًا في اقتصادات معظم الكيبوتسات، كما أن غالبيتها تمتلك شركة صناعية واحدة على الأقل، ما دفع بعض المتحفظين في أواسط السبعينيات إلى التحذير من ترهل التجربة بعد أن باتت توظف نحو ثلث قواها العاملة فقط في الحقل الزراعي، وهو تبخر لأهم خصوصيات هذا النمط الاستيطاني.

وتمعن الكيبوتسات في فقدان ملامحها، فعلاوة على التوسع الصناعي، ينتعش قطاع الخدمات، وتقام دورات مكثفة في اللغة العبرية تستغرق من ثلاثة إلى ستة أشهر، وتفتتح المزيد من المتاحف فيها، وتشيد مرافق للسياح الذين يحضرون خصيصًا من الخارج للاطلاع على تجربة الكيبوتس.

وهكذا فليس مستغربًا أن يكون حظ الزراعة في كيبوتس مثل ناعوت سمدار في النقب هامشيًّا للغاية، بعد أن تحول إلى مركز للأعمال التجارية والخدمات السياحية والبرامج الثقافية، دون أن يستلهم الصورة الأسطورية التي رسمت للكيبوتسات  التي يبدو فيها النشاط الدائب لقاطفي ثمار النخيل, والحمضيات, والمنهمكين في تهيئة حقول الحبوب والبطيخ والشمام.

وقد شهدت السنوات الأخيرة نشاطات استثمارية أخرى تبعث على التهكم، بعد أن دخلت بعض الكيبوتسات «تجارة المدافن»، فإزاء تزايد المهاجرين القادمين من الاتحاد السوفييتي السابق  الذين لا تحظى يهوديتهم بمباركة الأوساط الحاخامية التي تعرض عن استقبالهم حتى وهم جثث هامدة في المقابر اليهودية الرسمية، أخذت بعض الكيبوتسات الأمر على عاتقها فعرضت «قبورًا علمانية» في نطاقها بسعر يبلغ نحو خمسة آلاف شيكل «قرابة ١٤٠٠  دولار أمريكي».

الخطر الأمني.. غياب اللغة المشتركة وصراع الأجيال وراء سقوط النموذج

وتكتمل مشاهد الانهيار الشامل إذا ما أضيف إلى ذلك قيام نشاطات ربحية أخرى في الكيبوتسات خلال السنوات الأخيرة مثل افتتاح علب الليل، والمقاهي التي تستقطب المراهقين والشبان، ووكالات التوسط في الزواج، بالإضافة إلى عرض ممتلكات الكيبوتسات للبيع.

خسائر فادحة: رغم مزاعم النجاح الاقتصادي لا يصعب استنتاج حجم الخسائر الفادحة التي تتسبب فيها الكيبوتسات، وتدفع بكثير منها إلى الانحلال, فالمتحدثون عن ذلك النجاح يغفلون الإمكانات التمويلية والامتيازات الحالمة التي وضعتها الحكومات الصهيونية والصناديق المالية المخصصة تحت تصرف الحركات الكيبوتسية.

وليس غريبًا أن تتوارى الخسائر بعيدًا عن السطح؛ بفضل الدعم السخي المتدفق من الدولة، لا للحفاظ على بريق الأسطورة وحسب، وإنما للإبقاء على أهميتها الإستراتيجية في المناطق الحساسة, ولتدعيم سياسة الاستيطان اليهودي واستيعاب المهاجرين.

وقد طفت الأزمة المالية الخانقة للكيبوتسات على السطح مع حلول عام ١٩٨٤م، عندما سجلت عجزًا بلغ مئات الملايين من الشيكلات، وفي السنة اللاحقة امتد العجز إلى ٩٠٪ من الكيبوتسات، وتفاقمت الظاهرة لتبلغ الخسائر ١٦ مليار شيكل في العام ١٩٩٥م.

لماذا تخسر الكيبوتسات؟

يمكن للمبدأ الجماعي الذي قامت عليه حركة الكيبوتسات أن يكشف النقاب عن الشق الأعظم من الخسائر الباهظة التي تتسبب فيها، فالأفراد في ظل هذه الجماعية أصبحوا مجرد تروس صغيرة في آلة كبيرة متداعية، يفتقرون في عمومهم إلى الفاعلية أو الحماسة الكافية، فضلًا عن الشعور بالمسؤولية الفردية، ولا يتميزون بشكل عام بتوزع التخصصات وتباين الخبرات.

كما أن الامتيازات التي تمنحها السلطات للكيبوتسات تقف وراء الإخفاق الاقتصادي بلا ريب، فإخراج الكيبوتسات من صراع السوق، والحماية الخاصة المكفولة لمنتجاتها، وتدفق المعونات والإمكانات إليها، كل ذلك ألغي روح المنافسة لدى أعضائها وجعلهم بمعزل عن استشعار تحديات السوق.

لقد استسهلت الكيبوتسات الإمدادات المالية، على هيئة مساعدات عامة، وقروض مصرفية بتسهيلات مغرية، وسداد السلطات لفجوة العجز المتفاقمة وتغطيتها للديون المتراكمة.

وكان من الطبيعي أن ينشد «الطليعيون المؤسسون» الراحة بعد أن «أقاموا دولة إسرائيل بأذرعهم»، فأسرفوا في الدعة والكماليات, وابتنوا لأنفسهم البيوت الفاخرة في الكيبوتسات.

وعلى إثر هذه الانعكاسات شاع الإهمال وانحدر منسوب الأداء، وهو ما يدفع الجميع ثمنه دون أن تتاح الفرصة لتحديد المسؤولية عن هذا التدهور في الغالب؛ لأنه يكمن بكل بساطة في النظام المتبع الذي لا يجرؤ أحد على التخلص منه.

وفي حادثة لا تخلو من الطرافة تكبد كيبوتس رامات ديفيد خسائر عندما غفل أحد أعضائه عن القيام بمهمته في تعقيم صهاريج الحليب التي يودع فيها إنتاج ٢٥٠ بقرة، ما تسبب في إهدار الإنتاج لعدة أيام.

إن هذه المفارقة التي يعتاد عليها سكان الكيبوتس نتجت عن إهمال التوازن بين الكمية والنوعية سواء في القوى العاملة أو الإنتاج، وإذا ما أضيف إلى ذلك تلاشي الحوافز للعمل أو حتى اندثار الإرادة التي تدفع إليه؛ أمكن بالتالي فهم الخطوات التي دفعت بالعديد من الكيبوتسات إلى تقديم أجور متفاوتة بحسب مستوى الأداء.

وليس بعيدًا عن ذلك استغلال الكيبوتسات للأيدي العاملة الفلسطينية في الأعمال الشاقة مقابل أجور متدنية، وهو ما يمثل تناقضًا مع الشعارات الاشتراكية البراقة المرفوعة عن «المجتمع الأكثر عدالة».

ويأتي اللجوء للعمال الفلسطينيين على خلفية تراجع إرادة العمل في صفوف مستوطني الكيبوتسات، وزيادة الأعباء المترتبة عليهم جراء التسرب المتزايد لأعضائه، وتفضيل بعضهم العمل في مجالات خارجية.

تراجع عن الأهداف

بعيدًا عن أوهام النجاح الاقتصادي تتردد مقولات في العديد من الكيبوتسات عن التعليم والتثقيف بوصفهما هدفًا أساسيًّا للحركة الكيبوتسية، وليس تحقيق الأرباح «الذي يأتي في مرتبة ثانوية»، كما ترى سكرتارية كيبوتس ناعوت سمدار في النقب.

ويدرك هؤلاء أن النجاح الاقتصادي للحركة يبدو مرتهنًا باستمرار تدفق المساعدات من الحكومة، أما الأخيرة ومعها المنظمات الصهيونية حول العالم فليس بوسعها التخلي عن البريق المفتعل لأسطورة الكيبوتسات التي ترقد في غرفة العناية المركزة منذ عقود طويلة، وتتغذى على الدعم الذي يناقض مبدأ الكفاية الذاتية والاستقلال الاقتصادي لها.

إن لهذا البريق الكيبوتسي بعد دعائي مهم تستثمره الدولة على المدى البعيد، كما أنه لافتة مشجعة لجمع التبرعات من التجمعات اليهودية والمؤيدين للكيان الصهيوني في الخارج.

الأشكناز الغربيون عمدوا إلى استخدام السفارديم الشرقيين بأجور مجحفة

والمؤكد أن التفريط بنموذج الكيبوتس كذراع استيطاني ممتدة على حساب الوجود الفلسطيني التاريخي أمر لا تحمد عقباه بالنسبة للحكومة والمنظمات الصهيونية.

بانتظار المسيرة الجنائزية

يشبه الحال الذي آلت إليه الكيبوتسات, والحركات التي ترعاها شيخًا طاعنًا في السن، لا يكف عن استدعاء الذاكرة الأسطورية لشبابه وهو يمضي الساعات الأخيرة من حياته، وسواء صدق هذا الوصف أم جنح إلى المبالغة, فإن كثيرين في الساحة الصهيونية أخذوا يتأهبون للانضمام إلى المسيرة الجنائزية للكيبوتسات، بما فيها حركة تاكام الكيبوتسية ذاتها التي كتبت في مجلتها الأسبوعية الصادرة في ٢١ مايو ١٩٩٥م تقول: «إننا نشارك في جنازة أيديولوجية الكيبوتس».

وعلى وقع هذا الاستعداد توقفت حركة تاسيس الكيبوتسات- تقريبًا- خلال العقدين الماضيين، وانحل الكثير منها، وفقدت الكيبوتسات الأخرى الكثير من أعضائها، ولم تعد تحظى بالمزيد من الملتحقين بها إلا لمامًا.

لقد هجر الكيبوتسات نحو ٤٠% من المولودين فيها، بينما تجاوز ٦٠٪ من السكان الباقين سن التقاعد، وليس لهم من خيار سوى البقاء في الكيبوتسات التي عاشوا فيها وسط المخاوف من حلها وترحيلهم إلى أماكن لا يرغبونها، كما حدث بالفعل لمن تبقى من أعضاء كيبوتس بيت أورن في مايو ۱۹۸۷م.

ولا توجد ضمانات بأن الكيبوتسات التي شاخت ستكون أفضل حالًا من صحيفة «عل همشمار» اليومية التي توقفت في مارس ۱۹۹٥ بعد خمسين عامًا من صدورها بعد أن كف سكان الكيبوتسات, والقطاعات العمالية عن قراءتها، كما أن إسدال الستار الأخير على حركة الناحال، التي نشأت في الكيبوتسات لتكون نخبة عسكرية في الجيش الصهيوني لا يأتي إلا في سياق التيار العارم الذي قد يقتلع تجربة الكيبوتس بالكامل.

وبلاشك فإن اندثار الكيبوتسات لن ياتي من فراغ، فبعد انهيار شعاراتها الكبرى, وسقوط أسطورتها البراقة، واندلاع تناقضات عميقة بين شعاراتها والممارسة الفعلية، وإخفاقاتها المتوالية تعاونيًّا, وعماليًّا, واقتصاديًّا, وإنتاجيًّا, وأيديولوجيا، لم يبق سوی انقضاض من تبقى من سكانها أو تحويلها إلى مستوطنات تقليدية، إن لم تكن قد تحولت إلى ذلك بالفعل.

 

الرابط المختصر :