; السنهوري..وإحياء علوم الشريعة الإسلامية - أسلمة القانون (الحلقة الأخيرة) | مجلة المجتمع

العنوان السنهوري..وإحياء علوم الشريعة الإسلامية - أسلمة القانون (الحلقة الأخيرة)

الكاتب د. محمد عمارة

تاريخ النشر الثلاثاء 19-أكتوبر-1999

مشاهدات 61

نشر في العدد 1372

نشر في الصفحة 46

الثلاثاء 19-أكتوبر-1999

لقد أعطى الإسلام للعالم شريعة هي أرسخ الشرائع ثباتًا.. وهي تفوق الشرائع الأوروبية.. وإن استقاء تشريعنا المعاصر من الشريعة الإسلامية هو المتسق مع تقاليدنا القانونية.. إنها تراثنا التشريعي العظيم.. وبها يتحقق استقلالنا في الفقه والقضاء والتشريع.. إنها النور الذي نستطيع أن نضيء به جوانب الثقافة العالمية في القانون.. لقد اعترف الغريب بفضلها ..فلماذا تنكره نحن؟!.. وما بالنا نترك كنوز هذه الشريعة مغمورة في بطون الكتب الصفراء، ونتطفل على موائد الغير نتسقط فضلات الطعام؟!

د. عبد الرزاق السنهوري

  • أسلمة القوانين تعني عنده الاستقلال الفقهي والقانوني في الفلسفة والمنطق التشريعي والتقنين..فالشريعة منظومة مستقلة وليست كائنًا هجينًا.

وإذا كانت المهمة التي مثلت حياة السنهوري باشا- وهي أسلمة القانون في المجتمعات الشرقية- لا تزال من المهام الكبرى لشعوب الشرق، ولليقظة الإسلامية المعاصرة، فإن المنهاج الذي طبقه السنهوري لعملية الأسلمة هذه-في التجربة العراقية.. ثم السورية.. والكويتية- جدير بان يكون موضوع الاهتمام والتأمل والدرس من كل العاملين والداعين إلى أسلمة القانون. فهو ليس مجرد «خطاب داعية»، وإنما هو «منهاج خبير»، تجاوز الفكر النظري إلى حيث وضع في الممارسة والتطبيق، فأثمر قانونًا عصريًا يلبي احتياجات الواقع المعاصر، مع الالتزام بنظريات ومبادئ وقواعد الشريعة الإسلامية، والتراث الغني لفقه المعاملات في الإسلام.

وإذا كان السنهوري قد أفاض في الحديث عن فلسفته في هذا المنهاج- مما سيجده القارئ في إسلامياته- وإذا كنا قد ضمنا إسلامياته نماذج عديدة لتطبيقات هذا المنهاج، وثمراته التي استوت قانونًا إسلاميًا عصريًا.. فإن الرجل قد أوجز معالم هذا المنهاج في استخلاص مواد القانون المدني العراقي ذي المرجعية الإسلامية عندما قال:

«وقد استخلصتها من مقابلة أحكام النموذج- «الذي صاغه هو»- بأحكام مجلة الأحكام العدلية، ونصوص کتاب مرشد الحيران، وأحكام الشريعة الإسلامية بوجه عام في كل مذاهبها، وفي أقوال كل مذهب، فخرجت بذلك نصوص النموذج على أحكام الشريعة الإسلامية بقدر الإمكان».

وقد أكد السنهوري على أن: «للبلاد العربية جميعها تراثًا مشتركًا هو الفقه الإسلامي، وعندي أن الشريعة الإسلامية مصدر خصب يمدنا بكثير من الأحكام القانونية التي تتمشى مع أحدث المبادئ وأرقى النظريات» وقد جربت ذلك بنفسي عند وضع مشروع القانون المدني في العراق، وإني عظيم الإيمان بإمكان توحيد قانون الالتزامات والعقود لجميع البلاد العربية على أساس مشترك من الفقه الإسلامي»([1]).

فالقانون الواحد هو- برأي السنهوري باشا- أساس الثقافة الواحدة، التي هي أساس المدنية المتميزة، وسبيل وحدة شعوب الشرق التي لا تجتمع على شيء إلا على الإسلام، وشريعة الإسلام.

سنة ١٩٥٣م: القانون المدني العربي

كان السنهوري باشا كارهًا لجمال عبد الناصر، ولحكم العسكر، والنظام الفردي والدكتاتوري منذ اختلافه مع مجلس قيادة ثورة يوليو في سنة ١٩٥٤م، وهو الخلاف الذي انتهى بالاعتداء الغوغائي والإجرامي على السنهوري وهو في حرم القضاء الإداري بمجلس الدولة.. ودخوله المستشفى للعلاج من جراحات هذا الاعتداء.. ومنذ ذلك التاريخ تناثرت في مذكراته- أوراقه الشخصية- عبارات الإدانة والكراهية للفردية والاستبداد والطغيان.

ومع إيمان السنهوري- منذ فجر حياته- بالوحدة العربية، بل ووحدة الشرق الإسلامي بجامعاته العربية والتركية والفارسية، وإصداره بيانًا عن «الإمبراطورية العربية التي نبشر بها» في ١٥ أغسطس سنة ١٩٣٦م- أي قبل عشر سنوات من قيام جامعة الدول العربية، وقبل نحو ربع قرن من قيام الجمهورية العربية المتحدة- إلا أن مذهب الرجل في طريق بناء الوحدة العربية لم يكن المنهاج «الفوقي» الذي يبدأ «بالسياسة» و«الدولة»، وإنما كان المنهاج الذي يبدأ بالقانون الموحد- انطلاقًا من الإسلام- الذي رأى السنهوري أن شعوب الشرق لا تجتمع إلا عليه.

وكانت وحدة القانون عنده جزءًا من الوحدة الثقافية التي هي ثمرة من ثمرات الشريعة الإسلامية والمدنية الإسلامية.. وبعد وحدة القانون والثقافة، كان يشير بوحدة المصالح- في التجارة والجمارك والاقتصاد- ثم وحدة التساند بالدفاع المشترك- لحماية المصالح المتحدة...لنرتقي- على درب الوحدة- إلى الوحدة السياسية([2]).

وحدة التشريع ووحدة الأمة

وإذا كان وقوع انتكاسة الوحدة بانفصال سورية عن مصر في سبتمبر سنة ١٩٦١م، قد أطلق العنان للنزعات الإقليمية المعادية للوحدة العربية.. فإن السنهوري باشا قد ظل على إيمانه بالوحدة العربية- كما عبر عن ذلك في أوراقه الشخصية، وكما سبق وكتب عن «القانون المدني العربي»، سنة ١٩٥٣م- والتي أعاد فيها التأكيد على حتمية قيام الوحدة العربية، لكن بالمنهاج الذي يؤسس وحدتها السياسية على قواعد وحدة القانون والثقافة ثم المصالح التجارية والاقتصادية، وذلك حتى تترسخ الوحدة وتدوم... وحتى تكون وحدة أمة، وليست صفقة تعقدها أحزاب أو حكومات.

في هذه الدراسة عن «القانون المدني العربي» استعرض السنهوري مسيرة إنجازاته على درب أسلمة القانون المدني في البلاد العربية، باعتبار هذه الأسلمة هي عامل الوحدة في هذا القانون، الذي يمثل بدوره قاعدة من قواعد الوحدة العربية.

ولقد رأى أن المشروع الذي بناه للقانون المدني في مصر قد زاد نسبة الإسلامية في القانون المدني المصري عما كانت عليه في ذلك القانون عندما وضع ۱۸۸۳م، في ظل حراب الاستعمار الإنجليزي والنفوذ المتعاظم للجاليات والمصالح الأجنبية في مصر.

 لقد زاد السنهوري نسبة الإسلامية في هذا القانون المدني الجديد، لكنه– باعترافه- «لم يخط الخطوة الحاسمة في جعل القانون المدني مشتقًا في مجموعه من الفقه الإسلامي، فلا يزال القانون المدني الجديد يمثل المدنية الغربية، لا الثقافة القانونية الإسلامية، وإذا كان قد جعل الفقه الإسلامي من بين مصادره الرسمية، فقد جعله يأتي في المكان الثالث بعد النصوص والعرف».

والسياسة التي سار عليها المشرع المصري في ذلك هي سياسة الأناة والتبصر، فقد وجد المجتمع المصري محكومًا منذ قرابة قرن بقوانين مدنية غربية باعدت بينه وبين الفقه الإسلامي، فأصبح الرجوع فجأة إلى الفقه الإسلامي عسيرًا، لما يحدث من قلقلة في التعامل، ومن بلبلة في التفكير.

ورأى المشرع مع كل ذلك أن يرجع خطوة إلى الشريعة الإسلامية، إذ استزاد من أحكام الفقه الإسلامي، وجعله مصدرًا رسميًا من بين مصادره، وتربص حتى يأخذ الفقه الإسلامي بأسباب التطور، فإذا ما اكتمل لهذا الفقه تطوره، أمكن وقتئذ، أن تصبح الثقافة المدنية المصرية ثقافة إسلامية.

هذا ما استطاعة السنهوري في علاقة القانون المدني المصري بالفقه الإسلامي.. خطوة إلى الأمام في اتجاه الأسلمة.. وتربص حتى يأخذ الفقه الإسلامي بأسباب التطور، لتتم أسلمة القانون،  فلما أتيحت للسنهوري فرصة وضع القانون المدني لسورية والعراق- وكانت المرجعية الحاكمة في الحياة القانونية هناك لمجلة الأحكام العدلية- أي للفقه الإسلامي، وليس للقوانين المدنية الغربية، خطا السنهوري بهذه القوانين- العراقية والسورية.. وبعد ذلك في ليبيا والكويت- خطوات كبرى نحو كامل الإسلامية لهذه القوانين، وكتب عن هذا «التطور النوعي» في درجة الأسلمة فقال: «ويتميز القانون العراقي الجديد باتجاه خاص ينفرد به عن القانون المصري الجديد، وعن سائر القوانين الحديثة، فهو أول قانون مدني يتلاقى فيه الفقه الإسلامي والقوانين الغربية الحديثة، جنبًا إلى جنب بقدر متساو في الكم والكيف، وهذه تجربة من أخطر التجارب في تاريخ التقنين المدني الحديث، ذلك أن الشريعة الإسلامية- منذ ركدت طوال القرون الماضية، وأغلق باب الاجتهاد فيها- أصبحت شريعة قديمة من طراز القانون الروماني، لم تهب عليها ريح الإصلاح إلا في مرحلة أولى يوم قننت أحكامها في نصوص تشريعية على نسق التقنيات الغربية في «المجلة» وفي «مرشد الحيران».

وها نحن الآن في مرحلة ثانية يخطوها القانون العراقي الجديد، وقد وضع هذه الأحكام المقننة من الفقه الإسلامي إلى جانب نصوص القوانين الغربية- ممثلة في القانون المصري الجديد.. فمكن لعوامل المقارنة والتقريب من أن تنتج أثرها، ومهد الطريق للمرحلة الثالثة والأخيرة في نهضة الفقه الإسلامي، يوم يصبح هذا الفقه مصدرًا لأحكام مدنية حديثة تجاري مدنية العصر، وتساير أحدث القوانين وأكثرها تقدمًا ورقيًا..».

على هذا النحو حدد السنهوري الخطوات التي قطعها على درب مشروعه لاستكمال أسلمة القانون، وتوحيده في البلاد العربية، قاعدة لوحدة الأمة العربية، وبعقلية الخبير- وليس بحماس الداعية– علق كل تطور في هذا الميدان، وأسس كل خطوة على هذا الطريق على تجديد وتقنين الفقه الإسلامي.

فالهدف من وراء تجديد الفقه الإسلامي، وبعث الشريعة الإسلامية هو الأسلمة الكاملة.

الأسلمة المرهونة

ولقد حذر السنهوري من «التمويه» في الأسلمة... ذلك الذي يصنعه قوم يأخذون نصوص القوانين الغربية، ثم يحاولون تخريجها على أحكام الفقه الإسلامي، مدعين أن الأسلمة هي في عدم التعارض، بينما الأسلمة تعني الاستقلال الفقهي والقانوني في الفلسفة والمنطق التشريعي، وفي الصياغة والأسلوب في التقنين.. فالشريعة الإسلامية وفقه معاملاتها منظومة قانونية مستقلة، وليست مجرد كائن «هجين».

وكما حذر السنهوري من «الأسلمة الموهومة» للقانون الإسلامي، حذر- كذلك– في هذه الدراسة عن «القانون المدني العربي»- من الخروج على الشريعة الإسلامية بدعوى «تطويرها» فمصدر الإجماع هو سبيل تطوير الفقه والقانون، أما الشريعة الإسلامية فإن الدراسات الإحيائية لها يجب أن تحافظ على استقلالها وتميزها، أي يجب أن تتم وفقًا لمنهاج هذه الشريعة لإحيائها، لا لتجاوزها والخروج عليها.. حذر السنهوري من هذا الخطر، فقال: «..... والواجب أن تدرس الشريعة الإسلامية دراسة علمية دقيقة، وفقًا لأصول صناعتها، ولا يجوز أن تخرج على هذه الأصول بدعوى أن التطور يقتضي هذا الخروج».

فالهدف هو إحياء الشريعة الإسلامية- بالدراسات الجديدة.. والمنهاج المقارن- نفتح باب الاجتهاد فيها من جديد.. ذلك الاجتهاد الذي يتم وفق منطقها، وبواسطة الإجماع- الذي هو أحد مصادرها- والذي يثمر فقهًا إسلاميًا خالص الإسلامية، إن في الروح أو في الصياغة كليهما.. وليس الهدف تجاوز الشريعة أو الخروج عليها بدعوى التجديد والتطوير.

رحم الله السنهوري رحمة واسعة، وجزاه عما قدم في خدمة الشريعة خير الجزاء.

الهوامش
([1]) الإمبراطورية العربية التي نبشر بها – في 15/8/1936م.

([2]) انظر منهاجه هذا في الفصل الذي كتبناه- بهذه الدراسة- عن دعوته إلى هيئة الأمم الإسلامية.

الرابط المختصر :