العنوان (الحرب بالوكالة )التصعيد التركي المفاجئ ضد سورية.. لماذا ؟
الكاتب عاطف الجولاني
تاريخ النشر الثلاثاء 13-أكتوبر-1998
مشاهدات 91
نشر في العدد 1321
نشر في الصفحة 22
الثلاثاء 13-أكتوبر-1998
- الحرب ضد الإسلاميين الأتراك وقرب الاستحقاق الانتخابي والتغطية على فضائح الوزراء والعسكر أهم الدوافع الداخلية للتصعيد
- زيارة يلماظ لتل أبيب سبقت التصعيد والتحالف التركي الإسرائيلي سبب رئيس للأزمة
- محلل إسرائيلي: تركيا وإسرائيل تريدان عالمًا عربيًا مقسمًا
التصعيد التركي ضد سورية، جاء مفاجئًا للجميع، باستثناء الكيان الصهيوني، الذي يعتبره الكثيرون، المستفيد الأول من الأزمة بغض النظر عن مسارها، سواء تطورت نحو المواجهة العسكرية، أو نجحت جهود الوساطة في نزع فتيل الأزمة.
أسئلة كثيرة طرحها المراقبون بعد التهديدات التركية القوية السورية حول احتمالات اندلاع حرب في المنطقة، وحول الأهداف التركية الحقيقية من وراء التصعيد، وعلاقة إسرائيل بالأزمة، والموقف العربي في حال دفع الأمور نحو المواجهة، ولكن السؤال الأكثر إلحاحًا كان لماذا جاءت في هذا الوقت بالذات التهديدات التركية والتسخين على الحدود مع سورية وهل استجد ما يدعو إلى إعلان حالة الاستنفار والتاهب في الجيش التركي؟ وهل تاتي التهديدات التركية كخطوة أولى للتحالف التركي - الصهيوني بهدف وضع سورية بين فكي كماشة تركيا وإسرائيل.
الخلافات الرئيسة بين تركيا وسورية، تركزت خلال الأعوام الماضية، حول عدة نقاط أهمها: اتهامات تركيا السورية بدعم حزب العمال الكردستاني، الذي يقود معارضة مسلحة ضد أنقرة، ومن بين نقاط الخلاف الأخرى، التعاون العسكري والأمني الذي وصل إلى درجة التحالف بين إسرائيل وتركيا، وأثار مخاوف عدة دول عربية وإسلامية في مقدمتها سورية، كما شكل موضوع المياه، واعتداءات تركيا على حصص« سورية والعراق»، فيها نقطة خلافية أخرى، أما المطالبة السورية بأراضيها المحتلة في لواء الإسكندرونة، لم تظهر كقضية أساسية في العلاقات المتوترة بين البلدين، وإن كان حاضرًا على الدوام في ذهنية كلا الطرفين.
الحكومة والجيش التركي بررا تهديداتهما المفاجئة لسورية، بأن صبر تركيا بدأ ينفد إزاء ما زعمته من دعم سوري لحزب العمال الكردستاني يتمثل في إيواء زعيم الحزب عبد الله أوجلان والسماح للحزب بإقامة قواعد له في مناطق النفوذ السوري، في سهل البقاع اللبناني، وكذلك السماح للحزب بممارسة نشاطه الإعلامي في هذه المناطق.
ولكن ما يثير الدهشة أن نفاد الصبر التركي المزعوم، جاء في فترة، أعلن فيها حزب العمال الكردستاني الهدنة مع الجيش التركي على مختلف الجبهات، رغم إصرار الجيش التركي على رفض هذه الهدنة، كما أن الحدود السورية- التركية بقيت طوال السنوات الماضية هادئة ولم تشهد تنفيذ أي هجمات عبرها من قبل حزب العمال ضد الأهداف التركية، وهو ما يشكك في صدق المبررات التي ذكرتها أنقرة لتصعيد الأزمة.
أزمات داخلية
أغلب التحليلات تميل إلى ترجيح وقوف أزمات وأسباب داخلية وراء تهديدات الجيش التركي والحكومة التركية لسورية التي وصفت به الجادة فالطرفان الجيش والحكومة، يخوضان حربًا شرسة ضد الإسلام وحزب الفضيلة، تصاعدت بصورة كبيرة مؤخرًا بعد الحكم بالسجن على رئيس بلدية إسطنبول الطيب أردوغان أحد أبرز رموز حزب الفضيلة، وقد أثارت هذه الخطوة غضب الإسلاميين والشارع التركي، وخرجت مظاهرات صاخبة تندد بالحرب المعلنة ضد الإسلام في تركيا، وكانت هذه المظاهرات مرشحة للتصاعد لولا إثارة الحكم والجيش التركي للأزمة الأخيرة مع سورية.
والهدف الداخلي الآخر للتصعيد قرب الاستحقاق الانتخابي مطلع العام القادم، ويرى العسكر والأحزاب الذين يدعمونهم، أن افتعال أزمة مع سورية، يمكن أن يعزز حضورهم في الشارع التركي، ويقلل من فرص حزب الفضيلة كما أن الأزمة يمكن أن تبرر تأجيل الانتخابات إلى وقت لاحق، تتحسن فيه فرص الأطراف السياسية المدعومة من الجيش، وتتراجع فيه تأثيرات الخطوات الحكومية ضد الشعائر الإسلامية التي اتخذت خلال الأشهر الماضية.
أما الهدف الداخلي الثالث للتصعيد، فهو التغطية على الفضائح التي تورط فيها مسؤولون كبار في الحكومة والجيش، خلال الأيام التي سبقت الأزمة، حيث كشفت الصحف التركية وجود علاقات مشبوهة بين وزراء في الحكومة، وضباط كبار في الجيش، وبين رجال المافيا، ومن بين المتهمين قائد القوات البرية التركي الجنرال أتيلا أطيش الذي كان له دور في إطلاق تهديدات ضد سورية في الأيام الأولى، ولا شك في أن افتعال أزمة مع سورية، بهذا الحجم، يسهم في التغطية على هذه الفضائح ويشغل الصحافة التركية والشعب التركي بقضايا جديدة.
التحالف المشبوه
ولكن ما سبق لا ينفي وجود أسباب خارجية للأزمة بالطبع، فقد أشارت أصابع الاتهام بوضوح إلى التحالف التركي - الإسرائيلي الذي تعزز بصورة لافتة للأنظار في الأسابيع التي سبقت التصعيد التركي ضد سورية، حيث جرت عدة لقاءات بين رئيس الوزراء التركي، الذي زار إسرائيل مؤخرًا، وبين رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وأسفرت هذه اللقاءات عن توقيع المزيد من الاتفاقات العسكرية والأمنية، ويعتقد كثير من المراقبين، أن خطة التصعيد التركي ضد سورية، ربما تم الاتفاق عليها خلال هذه اللقاءات.
إسرائيل من جانبها، حاولت أن تنأى بنفسها عن المسؤولية في تصعيد التوتر بين سورية وتركيا حيث أعلن نتنياهو أن لا دخل لإسرائيل بالنزاع السوري التركي، وهو ما أكده كذلك وزير الدفاع الإسرائيلي إسحق مردخاي، ولكن خبراء ومحللين سياسيين إسرائيليين، أشاروا إلى الدور الإسرائيلي في الأزمة.
فقد اعترف البروفيسور موشي ماوز – خبير الشؤون السورية في جامعة القدس العبرية، أن التعاون التركي - الإسرائيلي صب الزيت على النار في المنطقة، مؤكدًا أن هذا التوتر بين سورية وتركيا، يخدم مصالح إسرائيل على المدى القصير لأنه يعني محاصرة سورية من جبهتين.
كما اعترف أفراييم انبار - مدير معهد بيجن للدراسات الإستراتيجية بجامعة بار إيلان الإسرائيلية - بأن إسرائيل وتركيا تريدان من الناحية الإستراتيجية عالمًا عربيًا مقسمًا.
سورية حاولت احتواء الأزمة
ورغم سخونة التهديدات التركية، وحديث الصحافة التركية عن خطط جاهزة لتوجيه ضربات عسكرية السورية، فإن سورية تجنبت التصعيد مع تركيا، وأكدت أن الحوار هو الأسلوب المناسب لحل كل الخلافات العالقة بين البلدين، ورحبت دمشق بكل جهود الوساطة التي سعت لتطويق الأزمة.
وعلق وزير الخارجية السوري فاروق الشرع على التهديدات التركية بقوله: لا شيء جديد يستدعي مثل هذا «التصعيد»، مضيفًا أن التصعيد التركي يأتي في سياق زيادة التعاون والتحالف العسكري بين تركيا وإسرائيل، مؤكدًا أن سورية تريد حل المشاكل بالحوار الودي وليس عبر أي وسيلة أخرى.
وعلى صعيد الشارع السوري، فثمة غضب واستياء شديدين إزاء التهديدات التركية، مع تزايد حالة العداء في صفوف المواطنين تجاه الجيش التركي والحكومة التركية العلمانية المتحالفة مع إسرائيل.
وقد تردد في أخبار صحفية أن تركيا ستلجأ إلى احتواء المعارضة السورية، ودعمها ضد الحكم في سورية، ولكن رد جماعة الإخوان المسلمين السوريين على ذلك جاء سريعًا، حيث أكدت في بيان أصدرته حول الأزمة، أنها ترى في التحالف التركي - الصهيوني خطرًا يهدد سورية، وكل الشعوب الإسلامية في المنطقة، كما يهدد في الوقت ذاته تركيا نفسها.
الرئيس التركي سليمان ديمريل، قال: إن زعيم حزب العمال الكردستاني أوجلان يختبئ في دمشق، أو سهل البقاع اللبناني، وطالب سورية بتسليم أوجلان لتركيا، ووقف دعمها لحزبه.
وفيما تؤكد تركيا ذلك، ينفي المسؤولون السوريون واللبنانيون وجود قواعد عسكرية لحزب العمال على أراضيهما، كما ينفيان إيواءهما لأوجلان، وقد جاءت هذه التأكيدات على لسان وزيري الخارجية السوري واللبناني الذي نفى بصورة قاطعة وجود أي مقاتل لحزب العمال على أرض لبنان.
ورغم توقعات كثير من الأوساط السياسية الإمكانية احتواء الأزمة، وتجنب اندلاع الحرب على الحدود السورية - التركية، وترجيحها لأن تكون التهديدات والتصعيد التركي، مجرد مناورة تهدف إلى استعراض العضلات والضغط على سورية لإنهاء أي وجود لحزب العمال الكردستاني في سورية أو لبنان، وكذلك للضغط عليها من أجل تخفيف حدة انتقاداتها لتركيا على خلفية تحالفها العسكري مع إسرائيل واعتداءاتها الأخيرة على حصص سورية من المياه على الرغم من كل ذلك فإن وقوع عمل عسكري في هذه الفترة أو لاحقًا لا يمكن استبعاده بل يراه بعض المحللين مرجحًا.
كما أن التوقيت الذي اختارته أنقرة للتصعيد مع سورية، عزز لدى المحللين احتمالات قيامها بعمل عسكري من نوع ما، قد يقتصر على توجيه ضربات جوية للقواعد المزعومة لنشاط حزب العمال الكردستاني في سورية ولبنان، وربما يتجاوز ذلك إلى احتلال منطقة فاصلة في شمال سورية، كما فعلت في شمال العراق.
أنقرة اختارت توقيتًا ربما يعتبر الأنسب للقيام بمغامرة عسكرية ضد سورية، فإيران الحليف الأبرز لسورية مشغولة بخلافها مع الطالبان، حيث حشدت غالبية قواتها على الحدود مع أفغانستان وتحالف أنقرة العسكري مع إسرائيل، يعزز موقفها بصورة جيدة، ووضع العراق الذي أعلن تضامنه مع سورية، لا يسمح له بالقيام بأي دور مؤثر تجاه أي اعتداء تركي على سورية، بل إن أنقرة، ورغبة منها في تحييد العراق بالكامل، بادرت إلى اتخاذ خطوة تقاريبة معه، تمثلت في إعلانها الرغبة في رفع مستوى التمثيل الدبلوماسي بين البلدين، أما على الصعيد الدولي، فلا تبدي الولايات المتحدة وحلفاؤها حماسًا لاتخاذ موقف مؤثر في النزاع التركي - السوري، حيث اقتصر دورهم على الدعوة إلى التهدئة وتجنب التصعيد.
الموقف العربي متعاطف.. ولكن
ورغم خطورة التهديدات التركية السورية والانعكاسات بالغة الأهمية المتوقعة لتصاعد التوتر بين أنقرة ودمشق، فإن الموقف العربي لا يبدو قويًا بما يمكن أن يدفع تركيا إلى التفكير طويلًا قبل إطلاق تهديداتها دون أن تحسب حسابًا جديدًا للموقف العربي الذي لا يتجاوز حدود التعبير عن التضامن والتعاطف المعنوي في أحسن الأحوال - في حين اختارت غالبية الدول العربية الوقوف على الحياد والاكتفاء بالدعوة إلى التهدئة والحوار الذي أظهرت تركيا بوضوح أنها ليست معنية به كثيرًا . وحتى الآن مازال الكثير من الشكوك يحيط بإمكانية مجرد» عقد قمة لبحث التهديدات التركيا السورية.
وقد توجهت الأنظار على وجه التحديد نحو الأردن لمتابعة موقفه إزاء الأزمة في ضوء علاقات القوية مع كل من تركيا وإسرائيل ومشاركته في مناورات عسكرية مشتركة أجراها الطرفان قبل عدة أشهر وأثارت قلق الدول العربية والأوساء السياسية المعارضة في الأردن.
والموقف الرسمي الأردني كان محايدًا، إذا التصعيد التركي واتصل المسؤولون الأردنيوز بالمسؤولين الأتراك لحثهم على ضبط النفس، فيما كان الموقف الشعبي الأردني، وموقف القوى والأحزاب الأردنية والصحافة اليومية والأسبوعية بمختلف توجهاتها، مؤيدًا بشدة السورية، ورافضًا للتهديدات التركية، وفي بادرة هي الأولى من نوعها قام المراقب العام لجماعة الإخوان المسلمين في الأردن عبد المجيد ذنيبات يرافقه أمين عام حزب جبهة العمل الإسلامي عبد اللطيف عربيات بزيارة السفارة السورية للتعبير عن تضامنهم مع سورية في مواجهة التهديدات التركية.
التهديدات التركية السورية، والتي جاءت على خلفية التحالف الإسرائيلي التركي زادت حجم المخاوف التي برزت في وقت سابق، حول وجود نوايا لدى قوى إقليمية ودولية، لإعادة رسم خريطة المنطقة، بما يقتضيه ذلك من تغييرات جغرافية على حدود بعض دولها.
ومع أن الولايات المتحدة، وإسرائيل، وتركيا، قد نفت وجود نوايا مبيتة لديها في هذا الاتجاه، فإن سياساتها على أرض الواقع تتناقض مع هذا النفي، ولا شك في أن استمرار الوضع العربي على ما هو عليه الآن، سيغري هذه الأطراف الطامعة بالمضي قدمًا في مخططاتها لشرذمة المنطقة وتمزيقها.
الإخوان السوريون:
التحالف التركي - الإسرائيلي يهدد تركيا وجيرانها
أصدرت جماعة الإخوان المسلمين في سورية بيانًا حول الأحداث قالت فيه: لقد شهد العقدان الأخيران من القرن العشرين العديد من الصراعات البينية على الساحة الإقليمية العربية والإسلامية وبغض النظر عن أسباب هذه الصراعات وتداعياتها فقد وظفتها القوى العالمية الكبرى لمصلحتها وكانت هي المنتصر الأساسي في جملة المعارك، وأهدرت من خلالها طاقات الأمة، واتبعت سياسة تفريغ القوى بضربها ببعضها على كل صعيد.
وقالت الجماعة إن التوتر الشديد في العلاقات« السورية - التركية» وإنذارات الحرب المتطايرة إعلاميًا كواحدة من أخطر دوائر المؤامرة على الأمة وهو ما يسر أعداء هذه الأمة، ويدمي قلوب أبناء الشعبين المسلمين الجارين اللذين تربطهم روابط العقيدة والتاريخ والحضارة وحسن الجوار.
وأكدت الجماعة أن التحالف التركي - الإسرائيلي يشكل سابقة خطيرة في تاريخ الوجود اليهودي في المنطقة، وأن أي تحالف مع العدو الصهيوني مهما قيل عن أهدافه وأبعاده لابد من أن يقع في خانة العداوة والكيد لهذه الأمة بجميع شعوبها وأقطارها حاضرًا ومستقبلًا.
وقال البيان إن جماعتنا التي استنكرت في بيانات سابقة التحالف التركي - الإسرائيلي ماتزال : ترى في هذا التحالف خطرًا يهدد تركيا نفسها، كما يهدد جاراتها سورية والعراق وإيران وكل الشعوب الإسلامية في المنطقة، وبالتالي فإننا مع إصرارنا على ضرورة أن تسود سياسة حسن الجوار المتبادلة بين جميع دول المنطقة العربية والإسلامية، نخشى أن تكون التصريحات النارية التي بدأت تنطلق بقوة تجاه شعبنا في سورية ثمرة من ثمرات هذا التحالف الأثم، الذي يستهدف زرع العداوة والبغضاء بين أبناء الأمة الواحدة وشق صفها، وبعثرة طاقاتها وجهودها، والضغط على ما تبقى من تماسك في مواقفها، لتقديم المزيد من التنازلات والاستكانة لعدو الأمة المغروس كالخنجر في صدرها، إن جماعتنا إذ تكرر استنكارها لجميع أشكال التحالف مع يهود لتدعو رجالات الأمة الإسلامية على كل صعيد إلى حلف واحد يجمع شملهم ويوحد شتاتهم، ويوظف طاقاتهم كل . طاقاتهم. امتثالًا لقوله تعالى:﴿ واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا ﴾ (ال عمران :۱۰۳).