العنوان الافتتاحية .. ماذا بقي للعرب بعد الفيتو الأمريكي؟
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 16-مايو-1995
مشاهدات 83
نشر في العدد 1150
نشر في الصفحة 9
الثلاثاء 16-مايو-1995
ثلاثة أحداث كبرى وقعت خلال الأسبوعين الماضيين، أكدت الولايات المتحدة من خلالها أن سياستها لا تقل في عدائها للعالم الإسلامي عن سياسة «إسرائيل».
أما الحدث الأول: فقد كان ما حدث من الولايات المتحدة في مؤتمر تجديد معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية، حيث مارست ضغوطًا شديدة على دول العالم الإسلامي لإجبارها على التوقيع وإدخالها إلى نطاق الحظر، في الوقت الذي منعت فيه حتى مجرد ذكر «إسرائيل» أو الإشارة إليها، وأقرت مبدأ المد اللانهائي للاتفاقية دون تصويت، وفيما رفضت أي اعتراض عربي فقد سمحت لـ«إسرائيل» بإعلان رفضها للتوقيع والسماح لها بتهديد العرب كيفما شاعت، بينما كان الموقف العربي مخزيًا خوفًا من التعرض للغضب الأمريكي.
أما الحدث الثاني: فقد كان في المهزلة السنوية التي يقيمها اتحاد المنظمات اليهودية في الولايات المتحدة المعروف باسم «إيباك»، ففي مؤتمره السادس والثلاثين وقف رابين يتحدث وكأنه الحاكم الفعلي للولايات المتحدة الأمريكية، فيما حمل الرئيس الأمريكي كل أوراقه للمؤتمر ليقدم كشف حساب لليهود عما تقدمه الولايات المتحدة لـ«إسرائيل»، ووقف كلينتون يتلو على سدنة اليهود ما سوف تقدمه الولايات المتحدة لـ«إسرائيل» من طائرات ف 115 التي تعد أفضل مقاتلات بعيدة المدى في العالم، واستكمال إرسال ۲۰۰ طائرة مقاتلة وهليكوبتر هجومية، وتخصيص ٣٥٠ مليون دولار للمساهمة في تطوير الصاروخ الإسرائيلي «أرو»، وشراء منتجات عسكرية إسرائيلية بثلاثة مليارات دولار، والتعاون معها في المجال الاستراتيجي والاستخباراتي، ومنحها أجهزة السوبر كمبيوتر العملاقة، وراجمات صواريخ تعتبر الأكثر تفوقًا في العالم، ودعم الهجرة اليهودية لـ«إسرائيل»، ودعم جهود «إسرائيل» في قمع معارضي السلام، ودفع الدول العربية لإلغاء المقاطعة مع «إسرائيل»، وتطبيع العلاقات، وضمان الأمن النووي الإسرائيلي، ثم يظهر ضعف كلينتون المخزي حينما يخاطب اليهود قائلًا: إنني أطلب منكم مساعدتي في الحصول على دعم الحزبين «الديمقراطي والجمهوري» للحفاظ على الزعامة الأمريكية والإبقاء على المساعدات الأمريكية، وهذا التصريح يحمل خذلانًا لا حدود له لهؤلاء الذين يتسولون من الولايات المتحدة سنويًّا باسم المساعدات التي أكد كلينتون في خطابه أنها لا تمنح إلا برضاء اليهود وموافقتهم.
هذا ما منحه كلينتون لليهود طالبًا استرضاءهم، وهو بيع كامل لأمريكا ومصالحها في مقابل مقعد للرئاسة يكون صاحبه موظفًا لدى «إسرائيل»، أما بوب دول زعيم الأغلبية الجمهورية في الكونجرس والمرشح الجمهوري القادم للرئاسة فقد وقف أمام المؤتمر اليهودي يزايد على كلينتون، وبدأ خطابه بتلاوة لجملة من التوراة تقول: «يا قدس، إذا نسيتك فليلتصق لساني بسقف الحلق» ثم أقسم أمام اليهود بأنه ومن وراءه كل المخلصين في الحزب الجمهوري سوف يعملون على أن يكون عام ١٩٩٦م الذي سيوافق ذكرى مرور ثلاثة آلاف عام على إنشاء القدس هو عام نقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس.
أما الحدث الثالث: فهو موقف الإدارة الأمريكية المخزي من مصادرة الكيان الصهيوني لثلاثة وخمسين هكتارًا من أراضي الفلسطينيين في القدس لصالح إقامة مساكن لليهود عليها، وبعد مجادلات استمرت عدة أيام في مجلس الأمن لاتخاذ قرار هزيل لا يضر ولا ينفع تقوم الولايات المتحدة وحدها باتخاذ حق النقض «الفيتو» في مجلس الأمن لأول مرة منذ خمس سنوات لإبطال مشروع قرار الإدانة.
إن هذه السياسة الأمريكية الصريحة والواضحة لا تحتاج لأي فلسفة أو تفسير من هؤلاء الذين يسعون منذ ربع قرن أو يزيد لشراء صداقة الولايات المتحدة على حساب شعوبهم وأوطانهم؛ فقد أثبتت الولايات المتحدة، وأكدت طوال الفترة الماضية أن سياستها سياسة معادية للعالم العربي والإسلامي ومصالحه على طول الخط، وأنها تصب بالكلية في صالح «إسرائيل» واليهود ومطامعهم للسيطرة على العالم الإسلامي ومقدراته، وأن ما يسمى بمسيرة السلام ليست سوى مسيرة استسلام واضحة يباع فيها العالم الإسلامي وفلسطين لليهود بثمن بخس.
وليس أدل على ذلك من كميات الأسلحة الضخمة والمعونات الكبيرة التي تمنحها الولايات المتحدة للكيان الصهيوني ليحارب بها العالم الإسلامي في الوقت الذي تطالب فيه أمريكا العرب بالتطبيع مع «إسرائيل»، وضرب القوى الإسلامية المعارضة لمسيرة الاستسلام، إلا أن التاريخ لن يرحم المتخاذلين والخونة الذين يقبلون ببيع أوطانهم ومحاربة دينهم مقابل رضا اليهود عنهم، لكن هذا الهوان لن يطول أمده، وهذا الخذلان لن يستمر، والله هو المنتقم الجبار من الخونة الذين يبيعون أوطانهم وشعوبهم لأعداء الأمة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (المائدة: 54) ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (يوسف: 21).
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل