العنوان «أساتذة الغد» ملف اجتماعي يتحول إلى قضية سياسية في المغرب
الكاتب عبدالغني بلوط
تاريخ النشر الأحد 01-مايو-2016
مشاهدات 86
نشر في العدد 2095
نشر في الصفحة 42
الأحد 01-مايو-2016
شكل ملف «الأساتذة المتدربون» في المغرب على مدى خمسة شهور ماضية حدثاً بارزاً من بين أحداث أخرى في البلاد؛ بسبب رفض هذه الشريحة الشبابية خريجة الجامعات المغربية مواصلة الدراسة في مراكز تكوين المعلمين، وخروجهم في مسيرات واعتصامات وطنية وأخرى جهوية، مطالبين بإسقاط قرار حكومي يقضي بضرورة إجراء مباراة بعد انتهاء مدة تكوينهم من أجل تشغيلهم في قطاع الوظيفة العمومية.
وقد عرف هذا الملف أخيراً طريقه إلى الحل بعد اتفاق وصف بالصعب بعد تنازل الحكومة والمتدربين عن بعض من مواقفهم، مفوتين الفرصة على من أراد أن يدخل البلد فيما سمي «أزمة حقيقية».
وحسب مراقبين، استطاع المتدربون أن يفرضوا بعضاً من منطقهم الاحتجاجي، معتمدين على عمرهم الشبابي الذي جعلهم يصمدون لفترات طويلة بالرغم من تعرضهم للمنع والتضييق ومرة للضرب والرفس والركل، كما أن تواجدهم بكل مناطق المملكة المتفرقة في حوالي 40 مركزاً للتكوين جعل منهم قوة احتجاجية ضارية علاوة على عددهم الذين يصل إلى حوالي 10 آلاف تنضم إليهم جموع أخرى مساندة لهم سواء في الشارع أو على مواقع التواصل الاجتماعي.
حماس أساتذة الغد
حماس المتدربين الذين أصبح البعض يسميهم «أساتذة الغد» زاد مع مرور الوقت بعدما تحول ملفهم إلى مادة دسمة في وسائل الإعلام العمومية والخاصة، وأيضاً على صفحات التواصل الاجتماعي، كما اهتم به الكثير من المعارضين من سياسيين ونقابيين وغيرهم وحولوه إلى أداة طيعة لابتزاز الحكومة التي يرأسها عبدالإله بنكيران المنتمي إلى حزب العدالة والتنمية ذي التوجه الإسلامي، والذي يقود جملة من الإصلاحات الواسعة جعلت خصومهم غير مستعدين لخسارة مزيد من الوقائع خاصة بعد انتخابات 4 سبتمبر 2015م للمجالس الجماعية المحلية، والتي بوأت الحزب الإسلامي المرتبة الأولى على بعد شهور من الانتخابات التشريعية التي ينتج عنها تشكيل حكومة جديدة، حيث إن هؤلاء الخصوم رأوا في ملف الأساتذة فرصة لـ «لي» ذراع الحكومة من أجل جبرها على التراجع عن إصلاح عدد من الملفات الحارقة مثل إصلاح صندوق التقاعد، أو محاولة كسر شوكتها مع اقتراب الانتخابات التشريعية التي ستجري في أكتوبر من السنة الجارية.
فلأول مرة في المغرب، تقرر حكومة منتخبة في ظروف «الربيع العربي» وبعدها إقرار دستور جديد أن ترفع من مقاعد التكوين لفائدة عدد الشباب المتخرج في الجامعات، والمؤهلين إلى شغل وظائف حكومية، وفي حالة قطاع التعليم، وبدل أن تسمح لحوالي 7000 شاب الدخول إلى مراكز تكوين الأساتذة في أفق تشغيلهم جميعاً في سلك التعليم، حسب المناصب المالية المتوافرة للسنة الجارية كما كان معمول به سابقاً، جعلت هذه المقاعد تصل إلى حوالي 10 آلاف مقعد، بل ووعد رئيس الحكومة أن يجعها أكثر في السنوات المقبلة، حيث فرضت الحكومة التباري على المناصب المالية بين المكونين من خلال مباراة يجرونها في آخر مشوارهم التكويني من أجل الحصول على وظيفة في القطاع العمومي، على أن يوجه الباقون إلى التعليم الخصوصي أو إلى مسارات أخرى.
جدل قانوني ثم صراع سياسي
وتروم الحكومة - بحسب تصريحات مسؤوليها المتكررة - بهذا الإجراء الرفع من مستوى التنافس بينهم كونهم أساتذة الغد، من أجل الرفع من جودة التعليم الذي بات يؤرق العديد من المسؤولين، لكن الأساتذة المتدربين وبعد دخولهم المراكز، ساورتهم هموم العطالة أو العمل في ظروف مزرية في القطاع الخصوصي، سيما أن الوظيفة العمومية تعتبر في المغرب بالنسبة لكثير من الشباب امتيازاً كبيراً لا يحصل عليه الكثيرون، كما أن هؤلاء قطعوا مساراً دراسياً طويلاً، ودخلوا مراكز التكوين بعد انتقاء أولي ومباراة، وبالتالي يعتبرون أنفسهم مؤهلين لحمل صفة أستاذ دون الحاجة إلى مباراة جديدة.
في حين ترى الحكومة في هذه المباراة مبدأً أساسياً جاءت لتطبيقه وللقطع مع «ريع» استفاد منه الكثيرون دون وجه حق، وهو مبدأ فصل «التكوين عن التوظيف»، ومعتقدة أن الرفع من أعداد المكونين في مختلف المهن يزيد من معدلات حصولهم في شغل في مختلف القطاعات.
وتحول الخلاف بين المتدربين والحكومة إلى جدل قانوني وبعده إلى صراع سياسي، ويعتقد عدد ممن وقفوا في صف الأساتذة المتدربين، أن الفوج الحالي منهم على الأقل غير ملزم بتطبيق المضامين الواردة في القرار الحكومي، حيث قال د. عبدالعالي الحور، أستاذ العلوم السياسية، في هذا الصدد: إن الحكومة ارتكبت أخطاء قانونية وجب عليها استدراكها في المستقبل، معتبراً أن فصل التوظيف عن التكوين غير دستوري.
وقال الباحث عبدالرحيم العلام: إن الأساتذة المتدربين في الموسم الحالي، ولجوا إلى مراكز تكوين الأساتذة وفق قرار قديم، وهم بالتالي غير ملزمين بالقرار الحكومي، لكن أبلاضي، البرلمانية عن حزب العدالة والتنمية، رأت في تصريح لـ «المجتمع» أن الحكومة رفعت تحدياً في وجه هؤلاء بالذهاب للقضاء ما داموا يدعون أن قرار الحكومة بفصل التكوين عن التوظيف غير قانوني، لكن لم تكن لديهم الجرأة الكافية لمحاكمة الحكومة؛ لأن ادعاءهم غير صحيح، مبرزة أن شروط الدخول إلى مراكز التكوين كانت واضحة للجميع.
وتطور هذا الملف الاجتماعي الخالص ليصير ملفاً تدخلت فيه أطراف سياسية متعددة، وركبت عليه؛ إذ رأت فيه فرصة لضرب الحكومة، لكن هذه الأخيرة بقيت ثابتة في موقفها لمدة طويلة، معتمدة على عامل الوقت وتخوف المحتجين من فقدان أي فرصة في التوظيف والخروج من عالم البطالة، وتعتبر الحكومة أن إلغاء قرار فصل التكوين عن التوظيف هو ضرب في الصميم لأحد مبادئها العامة التي جاءت بها، ذلك إن «إجراء المباراة» بحسبها هو قطع مع الفساد والزبونية والمحسوبية.
شعارات متطرفة
خلال المسيرات الاحتجاجية شاركت جماعة وأحزاب معروفة بمقاطعتها للانتخابات، ورفعت شعارات متطرفة منها إسقاط الحكومة، ومع تزايد الدعم السياسي والنقابي لملفهم والذي حول شعاراتهم «الخبزية» إلى شعارات كبيرة من قبيل الدفاع عن المدرسة العمومية، وتخليصها من براثن الاحتكار الخصوصي، وهي شعارات بعيدة عن الواقع بحسب كل المراقبين المنصفين، أصبح المتدربون يستهدفون رئيس الحكومة ووزراء العدالة والتنمية دون غيرهم من الوزراء للتشويش على لقاءاتهم التواصلية مع المواطنين، ووجه القيادي في حزب العدالة والتنمية والمستشار البرلماني د. عبدالعالي حامي الدين رسالة إلى المتدربين يقول فيها: إن الأساتذة المتدربين سقطوا في تبرير العنف اللفظي والتهديد الجدي لسلامته البدنية؛ ما جعلهم يفقدون الكثير من التعاطف مع قضيتهم التي هي قضيتنا جميعاً، وزاد أن رئيس الحكومة هو تعبير عن مؤسسة منبثقة عن اختيار شعبي وعن تعيين ملكي وتنصيب برلماني، وهو ما يعني أنه لا يحق لفئة تحمل مطالب فئوية أن تعتدي على اختيار سياسي ديمقراطي للناخبين المغاربة، وأوضح أنه ثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن بعض الجهات تحرضهم ضد رئيس الحكومة وتشككهم في وعوده.
اللجوء لطاولة المفاوضات
بعد تعقد الأمور، وتحول الوقت إلى غير صالحهما، قبلا الطرفان بمبادرة من شخصيات مدنية بالجلوس إلى طاولة الحوار، وانتهى إلى اتفاق في مجمله يحافظ على مبدأ فصل التكوين عن التوظيف، لكن في الوقت ذاته يضمن مبدئياً تشغيل جميع المحتجين، وهو حل لم يرُق للكثيرين، ورأوا فيه تساهلاً في تطبيق القانون وضياع سنة تكوينية بسبب البطء في معالجة الملف، كما أكد ذلك إمحمد جبرون، أستاذ بأحد مراكز التكوين وباحث في السياسات العمومية، في تصريح لـ «المجتمع».
بدورها، أكدت البرلمانية أبلاضي والتي تتبعت الملف عن قرب وساهمت في حله، أن تعامل الحكومة مع الملف طبعه التريث وعدم التسرع، بسبب رغبتها في تقديم أي تنازل بالرغم من تعرضها لضغوطات قوية، حيث استغلها البعض باعتبار السنة تشكل نهاية الولاية الانتخابية والانتخابات على الأبواب.
ورأت أن أساتذة الغد فوتوا على أنفسهم الاستفادة من العروض المقدمة سلفاً والتي كان متوقعاً فيها ربح في الزمن التكويني، وبالرغم من ذلك فإن توظيفهم مشروط بشكل أساسي بحصولهم على شهادة التأهيل التربوي بعد استيفائهم لجميع مجزوءات التكوين النظري ونجاحهم في الامتحان العملي الذي يخص فترة التدريب، وبعد ذلك يخوضون مباراة للتوظيف في ديسمبر في شقين؛ الكتابي ثم الشفوي، وبالتالي قبلوا بحل ما دام طرحته الحكومة.
وأشارت أبلاضي إلى أن الحكومة بذكائها حاولت سحب البساط من عدد من الأطراف احتضنت الملف لتنفيذ أجندات لجهات معلومة وعدم القبول بسياسة لي الذراع، وأبرزت أن الحكومة خيبت ظن من كان يريد خلق أزمة سياسية بالمغرب من إضعاف الحكومة والاضطرار إلى انتخابات سابقة لأوانها لكن الحكومة فوتت كل ذلك عليهم.>
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل