; حوار هادئ مع من أحب.. للمتدينين والمتدينات فقط! | مجلة المجتمع

العنوان حوار هادئ مع من أحب.. للمتدينين والمتدينات فقط!

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 17-أغسطس-1993

مشاهدات 172

نشر في العدد 1062

نشر في الصفحة 54

الثلاثاء 17-أغسطس-1993

بقلم: هُدى الدهيشي

       -     بصراحة وانفتاح على ما يدور في قلوب وعقول فئة محدودة من أهل الكويت بعد التحرير.

       -     المطلوب ليس تغيير المشاعر فقط تجاه إخواننا الفلسطينيين، بل القيام بواجب نصرهم وهذه مسألة إيمان.

       -     دعوة للأخ/ صلاح الغزالي لتوثيق إيجابيات الوافدين أثناء فترة الغزو بأسلوب علمي كي تتضح الأمور تمامًا.

       -   نعم أيها الأخ الفاضل، أيتها الأخت الحبيبة، هذا المقال موجه لكم أنتم، تلك الفئة المتدينة المحدودة، التي تحمل في قلبها حب الخير، وصدق التوبة والتوجه إلى الله، ومع ذلك فإن زلزال الغزو قد أخل إخلالًا واضحًا بالأمان العاطفي لديها وولد فيها مشاعرًا من الكراهية اللامحدودة والازدراء تجاه بعض المسلمين من إخواننا من جنسيات محددة كلنا يعرفها.

لماذا هذا المقال؟!

لأنني أحبكم وأشفق عليكم من ضغط هذه المشاعر البغيضة التي ما تسللت إلى قلب بشر إلا دمرته (الكراهية، الشماتة، الاحتقار، سوء الظن، الريبة)، لأن المسلم الداعية الذي يعتبر قوام حياته دعوة الناس للخير لابد أن يحمل في قلبه كل مشاعر الخير تجاه الناس جميعًا.. لأنه طبيب يداوي القلوب المظلمة بإرشادها إلى منابع النور فكيف إذا كان هو مظلم القلب، وأي ظلمة أشد من وجود مثل هذه المشاعر المدمرة في قلب داعية؟!

ولكن المسألة عامة فلماذا المقال للمتدينين والمتدينات فقط؟

لقد كان الإسلاميون فيما مضى يتميزون دائمًا عن عامة الناس بمنظار مختلف للأمور فلهم في كل أمر نظرة بعيدة وتحليلًا مميزًا حتى جاء الغزو المشؤوم ومن بعده التحرير فإذا بنا نجد شريحة كبيرة من المتدينين والمتدينات يخوضون فيما يخوض به عامة الناس، ويتشابهون معهم في كثير من نظراتهم للأمور، ولئن كان صعبًا تغيير قناعات سائر الناس وعامتهم والوصول إلى عقولهم بما يتناسب معها من أسلوب وحوار فإنه من الأسهل أن أخاطب أشقاء الروح والفكر من الإخوة الإسلاميين والأخوات فأنا منهم وفيهم. وغير ذلك كله أمرهم يهمني أكثر من غيرهم، وحقهم عليّ وعلى كل مسلم التناصح إذا ما وجد أحدنا الآخر على خطأ.

حوار خيالي

من خلال احتكاكي وحواري مع بعض من أعرف بخصوص علاقة الكويتيين بإخوانهم الوافدين أستطيع أن أتخيل حوارًا بيني وبين وجهة النظر المعاكسة لوجهة نظري أستعرض فيها الآراء والشبهات.

أنا: لماذا تكره إخوانك في الدين من الفلسطينيين وغيرهم؟

هي: وكيف لا أكرههم وهم ناكرو جميل الكويت الذين فرحوا بدخول «صدام» لها وتعاونوا مع جنوده ضد أهل البلد الذي آواهم ولم يقصر عليهم بشيء، بل أنا أسألك لماذا تحبينهم وتدافعين عنهم وقد خانوا الكويت؟!

أنا: أكره كل من ثبتت خيانته للكويت بشكل أو بآخر، من أي جنسية كان، بل إن كرهي للكويتي الذي خان البلد بأن استغل فترة الغزو ليأكل الأموال العامة هو كره مضاعف، لأن الوافد إذا خان فهو يخون بلدًا غير بلده أما الكويتي فكيف يخون أهله وناسه، عمومًا أنا لا أستطيع أن آخذ الناس بالظنة (الريبة)، فنسبة الخائنين من كلا الطرفين ضئيلة جدًا، فلا أستطيع أن أتخيل أن كل فلسطيني كان في قرارات نفسه مؤيدًا للغزو حتى ولو لم يثبت عليه شيء، فالله تعالى نهانا عن الحكم بالظن بلا بينة، وقد أمرنا الرسول -صلى الله عليه وسلم- أن نأخذ بالظاهر، والله يتولى السرائر.

هي: ولكن هذه سذاجة وطيبة قلب زائدة لا تصلح لعالمنا اليوم، ولا تناسب كويت ما بعد التحرير.

أنا: على أي حال هي موازين العدالة الإلهية (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ) (فاطر: ١٨) و (وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُواۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ) (المائدة: ٨) والمسلم هو أولى الناس بالاعتصام بها وعدم الحياد عنها، فالرسول الكريم -صلى الله عليه وسلم- حينما قال لكفار قريش يوم مكة: «اذهبوا فأنتم الطلقاء» وهم الذين ثبت إيذاؤهم له، فقد حاربوه، وأخرجوه من بلده وقتلوا من قتلوا من أهله وأصحابه، لم يكن ساذجًا ولا مغفلًا، ألا نكون نحن أولى بحسن معاملة من لم يثبت إيذاؤهم لنا؟

هي: وهل هناك دليل أكثر من وقوفهم برشاشاتهم عند نقاط سيطرة جنود «صدام» وتفتيشهم للكويتيين بكل حقد وفظاظة؟

أنا: أغلب هؤلاء كما ثبت في الوثائق وشهادات الناس كانوا من جبهة التحرير «العربية»، وهم الفلسطينيون المقيمون في العراق المتربون على مبادئ «البعث» ولا يعرفون أهل الكويت، ولا يحملون لهم ودًا ولا ولاء. نعم هناك نسبة من فلسطيني الكويت تعاونوا مع العدو، ولكنها تبقى نسبة محدودة -وفي المقابل- هناك نسبة لا بأس بها تعاونت مع المرابطين في المستشفيات والجمعيات التعاونية، ومراكز الخدمات، وفي المقاومة المسلحة أيضًا، فقد قدموا شهداء فداء لهذه الأرض الطيبة التي آوتهم واحتضنتهم، وكي نكون منصفين، طالما تمنيت أن يقوم أحد الباحثين الموضوعيين بإحصاء نسبة المتعاونين مع العدو مقارنة بنسبة المتعاونين مع أهل الكويت والمحايدين عن طريق سؤال كبار القيادات التي أدارت البلد خلال الاحتلال، وحبذا لو قام بذلك الأخ الفاضل «صلاح الغزالي» صاحب موسوعة «الكويت تحت الاحتلال العراقي: سور الكويت الرابع» لما له من علاقة واتصال بمعظم من أداروا شؤون البلد بحكم قيامه بتوثيق تلك الفترة في موسوعته الضخمة، وما ذلك إلا لنضع حدًا لهذه المسألة الجدلية ونضع النقاط على الحروف بشأن موقف الوافدين خلال فترة الغزو.

هي: أوافقك الرأي بضرورة عمل إحصاء، بشرط أن يوضع المحايدون الذين لزموا جانب الصمت خلال الغزو تحت خانة المتعاونين مع العدو لأن السكوت علامة الرضا، وكان الواجب عليهم أن يصرحوا بانحيازهم للكويت لا أن ينتظروا ليروا لمن الغلبة في النهاية!

أنا: ولكن لاحظي أنهم يعيشون وضعًا حساسًا لا يحسدون عليه، فهم دائمًا يقدمون إقحامًا في كل صراع سياسي، وخاصة أن رئيس منظمتهم الخائن عرفات لا يدخر وسعًا في دس أنفه في كل صراع وفتنة، حتى إذا وقعت الفأس في الرأس لم يلبث أن يخرج منها مثل الشعرة من العجين، ولكن شعبه المسكين المغلوب على أمره هو الذي في النهاية تشير إليه أصابع الاتهام، ويتعرض للتصفية، وهم دائمًا أول الخاسرين في أي قضية أو حرب، وهم الذين يجب أن يدفعوا الثمن، وهم الذين يجب أن يسكنوا ولا يتكلموا، فليس لهم حق الكلام طالما ليس لهم وطن ولا حكومة، وطالما أنهم في ضيافة غيرهم من الشعوب والكل يمن عليهم بإيوائه لهم ومساعدته إياهم، ولهم على هذه الحال ما لا يقل عن (٢٧ عامًا) بينما نحن الكويتيين لم نطق منة البعض علينا بأنه: حرر لنا بلادنا، ولما يمض على هذا المنِّ أكثر من عامين!

هي: عمومًا هذه الشعوب يملأ الحقد والحسد قلبها علينا نحن الخليجيين، ويجري ذلك في عروقهم.

أنا: رجاء لا تعمِّمي فتقعي في الإثم قال تعالى: (وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِۖ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ) (الحجرات: ١١) إن هذه الشعوب كباقي الشعوب فيها الصالح والطالح ولعل بعض صالحيها أفضل عند الله منِّي ومنك، أما مسألة الحقد وأنهم يحسدوننا على ما آتانا الله من فضله، فأعتقد أنها مبالغ فيها من قبل كثيرين من الناس، نعم قد يحدث أن بعض الأفراد يأكل الحسد قلوبهم، ولكن ليس مستشريًا إلى هذه الدرجة التي نتصورها.. لماذا لا نقدر الظروف الصعبة التي يعانونها وضنك الحياة التي يعيشونها؟ لا تقول لي فلان فلسطيني عنده فيلا فاخرة أو فلان أكرمته الحكومة وأعطته الجنسية، أو فلان مرتبه يقارب الألف، هذه نماذج محدودة، والأغلبية هي الطبقة الكادحة أو المتوسطة التي تحفر الصخر بأيديها.

أنا: معظمهم لم يخرج إنما أخرج عنوة، أحرقت السلطات الصهيونية دورهم وبيوتهم، وصادرت بياراتهم وبساتينهم وقطعت عنهم موارد الرزق، فمن رابط منهم في أرضه فهو مأجور، ومن خرج مضطرًا فهو معذور، تمامًا مثل وضع الكويتيين وقت الأزمة. كما سعدنا نحن الكويتيين أن وجدنا إخواننا الخليجيين وغيرهم يفتحون لنا بيوتهم ويستضيفوننا في بلادهم، كان حقًا علينا أن نستضيف إخواننا الفلسطينيين عندما احتلت أراضيهم ومازالت محتلة، بل هم أولى بالتعاطف والمساعدة إذ تخلى عنهم الجميع وخذلتهم الحكومات.

هي: لا أفهم لماذا تحاولين تغيير مشاعري تجاههم، هذه مسألة عواطف لا أملك التحكم بها، القلوب بيد الله سبحانه، ولا أعتقد أن هناك ضررًا أو إثمًا فيما يشعر به الإنسان بينه وبين نفسه.

أنا: أشك أن هذه المشاعر تظل حبيسة النفس فقط، ولكن على فرض أنها مشاعر قلبية فقط فإن الله لم يترك للمسلم العنان في أن يحب من يحب ويكره من يكره بلا ضوابط شرعية، فالإنسان محاسب على كرهه وظنه الآثم بالناس على غير بينة (إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ) (الحجرات: ١٢) حتى ولو لم يحدِّث به أحدًا، كما أن حسن الظن بالناس وخلو القلب من البغضاء سبب لدخول الجنة كما هو ثابت في حديث الرسول -صلى الله عليه وسلم- عندما قال لأصحابه وهم جلوس عنده، يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة، ولما خرج عليهم هذا الرجل قام أحد الصحابة فتبعه ليرى بأي عمل استحق أن يضمن الجنة، وبات عنده ثلاث ليال فما وجده كثير عبادة ولا صلاة فأخبره بالخبر وسأله عما يمكن أن يكون سبب تبشيره بالجنة، فقال إنه ما بات ليلة وهو يجد في قلبه شيئًا على مسلم «بما معنى الحديث».

وختامًا

اعلم أخي الفاضل.. أختي الفاضلة.. أنه ليس المطلوب منك تغيير مشاعرك فقط، بل إن واجب نصرة إخوانك ونصرة قضيتهم ينتظرك، فهيا شمر عن ساعدك، وانقض غبار الغفلة عن قلبك وتأمل قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه» نعم.. «لا يؤمن» فالقضية ليست سهلة ولا هامشية، إنها مسألة إيمان. تذكر أخي العزيز.. أختي الحبيبة حالنا أول أيام الأزمة، في عز الصدمة والذهول، يوم قمنا نلتفت يمينًا وشمالًا، نبحث عن نصر بعد الله، يقر بمظلوميتنا ويعلن عن هبَّته لنصرتنا، تذكر عندما ظننا لأول وهلة أننا خذلنا من قبل إخواننا، كم أدمَى جرح الكرامة قلبنا، وكم كانت غصة الخذلان في حلوقنا مريرة.. فهل ترضون أيها الأحِبَّة الكرام لإخوانكم في الدين أن يتجرعوا تلك المرارة؟ لا والله «فالمسلم أخو المسلم لا يسلمه ولا يظلمه ولا يخذله» هذا حديث شريف وليس من شعارات المفكرين والمنظرين حتى نقول ولَّى زمنه.. لا والله «فلا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه» وحاشا لمن ذاق مرارة الظلم أن يرضى بها لإخوانه..


اقرأ أيضًا:

 ندوة المجتمع عن: آثار الغزو العراقي على المجتمع الكويتي بعد مرور عامين

الرابط المختصر :