; يونس وهود ويوسف وإبراهيم ومريم | مجلة المجتمع

العنوان يونس وهود ويوسف وإبراهيم ومريم

الكاتب أ. د. محمد بديع

تاريخ النشر السبت 31-أكتوبر-2009

مشاهدات 59

نشر في العدد 1875

نشر في الصفحة 50

السبت 31-أكتوبر-2009

  •  «يونس» درس في الابتلاء القاسي.. وفضل الدعاء والاعتراف بالتقصير في النجاة من الكروب
  • «هود» توجيه رباني للصبر على العتاة المجرمين والاستمرار في تنبيههم ودعوتهم إلى الهدى «يوسف» نموذج للنفس المهذبة القادرة على اجتياز كثرة الابتلاءات مهما كانت قوى الشر
  • «إبراهيم» تجسيد للنجاح بالدرجة النهائية في جميع الامتحانات.. في الشباب والشيخوخة

ما زلنا نعيش مع أسماء سور القرآن الكريم كعناوين لدروس تربوية لابد من تدبرها والانتفاع بها في واقع الأمة وسأحاول بعون الله وتوفيقه أن أناقش أسماء سور القرآن الكريم، ولماذا سميت بهذا الاسم؟ ولماذا أسماء بعض سور القرآن الكريم؟ وهل لذلك من آثار تربوية؟

وهناك سلسلة أسماء من سور والمرسلين في جمعها متتالية، وبعدها نتعرض لقدر رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ربه، وفي أسماء السور في القرآن الكريم «يونس، وهود ويوسف، وإبراهيم، ومريم»، ثم سور «الأنبياء، ومحمد، ونوح عليه وعلى الأنبياء جميع والمرسلين الصلاة والسلام.

سورة يونس

بالطبع لن نستطيع إحصاء سير الأنبياء والمرسلين والعبر والدروس من حياتهم، فهم جميعًا - وخاتمهم محمد صلى الله عليه وسلم - أسوتنا وقدوتنا ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ (الممتحنة:٦)، ولكننا نمر على أهم العبر التربوية المميزة لكل منهم، فإذا بحثنا عن أهم حدث لكل منهم يكون مضرب المثل، فإن «يونس عليه السلام تظهر بجلاء مباشرة قصته مع الفلك المشحون، ولكن شاءت إرادة الله أن تعلمه وتعلم كل الدعاة إلى الله من بعده أنه لا مفر من حمل الأمانة، وأن الهدى هدى الله، وأنه لا يأس من رحمة الله وأنه لا يقع في ملكه إلا ما يريد، وأن التكاليف ليست إلا بالبلاغ المبين، أما النتائج فهي على الله ... ﴿إنْ عَلَيْكَ إِلا الْبَلاغُ﴾ (الشورى:٤٨) وأن الأجر عند الله مضمون على الإخلاص وأداء الواجب والأخذ بالأسباب وليس على النتائج: «يبعث النبي وليس معه أحد». 

ونعود إلى «يونس» عليه السلام كانت القرعة المتكررة هي درس الحدث الذي تأكدنا منه أن الله يريد له أن يبتلعه الحوت؛ لذا جاءت القرعة عليه ثلاث مرات، ثم أعد الحوت الذي سار جوار المركب فأغرقه بشكل خاص ليلتقمه فيبتلعه، ثم تصدر الأوامر الإلهية لأحشاء الحوت وإنزيمات الحوت ألا تهضم جسم هذا النبي الكريم، ولكن يكفي درس الابتلاء الذي دفعه إلى الإلحاح على الله بدعاء ثقيل جدًا في الميزان، وهو ليس دعاء ولكنه اعتراف بالتقصير وشهادة للحكمة أو التكليفات الإلهية بالتنزيه، وضع - هدانا الله وإياك - هذا الدعاء أمام المتوقع الذي كان ممكناً أن يحدث لو أن يونس عليه السلام لم يكن من المسبحين ﴿فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ لليث في بَطْنِه إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ (الصافات143:144)، انظر إلى وزن هذه التسبيحة وترديدها وأجرها عند الله ﴿لاّ إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ (الأنبياء:87)، حاول أن تقولها وترددها عند خطئك ولكن حاول أكثر أن تجعل لها ثقلًا ووزنًا في نفسك فإنها بحق كذلك.

وانظر إلى إعادة التجربة وإعادة الاختيار وكيف وعى يونس عليه السلام أنه فقط نوى وقرر ألا ييأس من أي قوم يدعوهم إلى الله مهما حدث، فماذا كانت النتيجة؟ ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفِ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ (الصافات:147). 

سورة هود

ليس لسيدنا «هود» معجزة خاصة به؛ ولكن الدرس في قومه العتاة المجرمين الذين صبر عليهم ودعاهم إلى الله مشفقا عليهم بل منبها لهم: إن ما أنتم فيه من قوة لو آمنتم بالله لزادكم قوة إلى قوتكم، وهذه البشرى تحتاجها أقوامنا اليوم، وقالها أهل مكة من قبل: ﴿... إن تتبع الْهُدَى مَعَكَ تُتَخَطَّفْ مِنْ أرضنا﴾ (القصص: ٥٧)، لا والله وما زال الحرم المكي الذي يُجبى إليه ثمرات كل شيء دليلاً على صدق وعد الله في الدنيا والآية التي نحن بصددها: ﴿ ... وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوتِكُمْ﴾ (هود: ٥٢)، سيعطيكم الله أكثر ولا يحرمكم مما رزقكم شيئا، يا من تخافون على أرزاقكم وآجالكم حتى لو متم فإن كل الناس يموتون، أما الذين يحيون ولا يموتون فهم الذين قدموا أرواحهم شهداء لله وشهداء على الناس.

 سورة يوسف

الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم دروسه التربوية معنا عميقة وكثيرة، خاصةً من ابتلاء الله له بدخول السجن خاصة في مصر؛ حيث نزل هذا النبي الكريم ضيفا على سجونها بضع سنين، لقد كنا نسميها كما سماها بحق بديع الزمان النورسي صاحب رسائل النور في سجون تركيا «المدرسة اليوسفية».

قراءة السورة لمعرفة جوانب تربية نفس سيدنا يوسف مع أبيه وإخوته، وتكرار الابتلاءات التي مرت به وتسلسلها الحكمة الإلهية من ترتيبها ثم تلفيق تهم الزور بعد أن ظهرت البراءة جلية واضحة ليسود قانون «زلیخا» وليس قانون العدل ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُم منْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الآيَاتِ لَيَسْجُنُنَهُ حتى حينٍ﴾ (يوسف:35)، وهم يعرفون الحق ويحيدون عنه والدليل ﴿... واسْتَغْفِرِي لذنبك إِنَّكَ كُنتِ مِنَ الْخَاطَئِينَ﴾ (يوسف:29)، أما المظلوم البريء فليس له حتى أن يذكر الحقيقة لأحد، وتمنع وسائل الإعلام من الاتصال به ويمنع هو من رواية الحقيقة لأحد ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾ (يوسف: ٢٩).

ولكن الله عز وجل الذي قال للنار: ﴿... يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ (الأنبياء:69)، قال للسجن أيضًا: كان محضن تربية ليوسف، فها هو يدعو إلى الله، وها هو يلتقي بساقي الملك المستيقظ الوحيد بين المخمورين ليشرح له تفاصيل ما يريد معرفته مما يُقال ومما لا يقال؛ لأن الله يُعده لتولي مسؤولية خطيرة في بلد لا يعرف عنه شيئا وليس من أهلها، وها هو تتأكد صفاته وتثبت في كل موقف ﴿إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (يوسف:36).

وهناك أيضًا موقف للدعاة الصادقين الذين يتحملون ما يلاقون من قومهم ابتغاء مرضاة الله، ثم إذا أصاب بلادهم التي ظلمتهم ولفقت لهم التهم إذا أصابها مكروه أو حتى توقعوا أن يصيبها مكروه كانوا أول المدافعين عنها؛ بل عندها ينسون أنفسهم وآلامهم -التي لينقذوا أمتهم وأهليهم ويقدموا لهم النصيحة تُنجيهم بإذن الله، فلم يطلب يوسف عليه السلام الإفراج عنه ولم يضع ذلك شرطًا ليقدم خبرته في تأويل الرؤيا مقابل ذلك، بل نسي مشكلته وهمه، وأصبح كل همه إنقاذ البلاد، وقدم النصيحة خالصة ومخلصة من قلبه فتجاه الله ونجى البلاد، وأظهر الحق، واعترف و الظالمون، وجمع الله الشمل وآتاه الله الملك، أما الرؤيا ودروسها وعبرها ؛ لتكرارها في السورة رؤيا السجين ورؤيا الملك فللرؤيا شأن آخر قال عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لم يبق من النبوة إلا المبشرات.. الرؤيا الصالحة».

سورة إبراهيم

لا أدري عن أي صفات أبدأ لأبي الأنبياء أو أي أحداث حدثت له ومعه لنأخذ معه العبرة والتربية، ولكني أبدأ بوصف الله عز وجل له : ﴿وَإِذِ ابْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ (البقرة : ١٢٤)، أي أنه نجح في جميع الامتحانات التي عُقدت له - ولله المثل الأعلى وبالدرجات النهائية، أما أسرته فهي التي مدحها الله باختيارها واصطفائها على العالمين ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعالَمينَ﴾ (آل عمران)، وما احتفالنا في عيد الأضحى إلا باستعادة ذكريات هذه الأسرة الصالحة من أب وزوجة واب طائعين لله، منفذين أوامره ولو شقت عليهم؛ ولكن الأجر الجزيل في الدنيا والآخرة هو الدرس والعبرة، فإن كنا لا نقدر على أن نعيش حال سيدنا إبراهيم فلنعش حال جدتنا هاجر صاحبة اليقين الذي لم يضيعه الله، وسيظل ماء زمزم ماء اليقين شاهدا على ذلك، بل نعيش حال الصبي الطائع إسماعيل عليه السلام، وكيف كانت طاعته في مظنة الموت هي سبب النجاة والفداء وبقاء الذكر على مر الأجيال  ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّىٰ﴾ (النجم:37)، ﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلِّ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ (الأنبياء:85)، ﴿وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَىٰ إِسْحَاقَ وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ ظَالِمٌ لَنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾ (الصافات:113).

سورة مريم

مريم الصديقة التي نالت الدرجة التي تلي النبوة ﴿وأمُّهُ صِدِّيقَةً كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ﴾ (المائدة:٧٥)، أم نبي الله عيسى الذي شرفه القرآن وشرفها باسم عيسى ابن مريم في كل آياته ألا يكفي الإخوة المسيحيين أن هذا تشريف وتكريم ما بعده تكريم، يدفعهم دفعًا لحب هذا القرآن بحبهم لسيدنا عیسی وأمه مريم؟ ألا يكفي أن يكون هذا دليلًا على أنه كلام الله الذي لا يحابي أحدًا، وأن الخلق عنده يتفاضلون بتقواهم وإيمانهم، ولا يملك رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يختار هو اسم السور فيكرم فيها من يشاء؟ فيكرم اسم أمه دون اسم أم غيره من الأنبياء.

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 472

108

الثلاثاء 04-مارس-1980

من أحسن القصص.. الجزء الثاني

نشر في العدد 1713

66

السبت 05-أغسطس-2006

المجتمع الصحي العدد 1713