; يوم من أيام المدينة المذعورة | مجلة المجتمع

العنوان يوم من أيام المدينة المذعورة

الكاتب أحمد منصور

تاريخ النشر الثلاثاء 04-مايو-1993

مشاهدات 93

نشر في العدد 1048

نشر في الصفحة 27

الثلاثاء 04-مايو-1993

 ·         مبعوث الأمم المتحدة يصرخ بعد ما رأى القصف الصربي المتوحش للمدينة ويقول: «إن هؤلاء الصرب يجب أن يجرى حرقهم في أشد المناطق لهيبًا في جهنم»

«إننا نعيش هنا مثل الفئران المذعورة داخل مصيدة الموت واليأس»؛ هذا باختصار ما عبر به أحد المسلمين المحاصرين عن الواقع الذي يحياه المسلمون داخل مدينة سريبرنيتسا المسلمة المحاصرة في شرق البوسنة، وهو واحد من بين ستين ألف مسلم معظمهم من النساء والأطفال والعجائز يمثلون بقايا سكان المدينة الجريحة ومن هاجر إليهم من سكان القرى المجاورة التي استولى عليها الصرب خلال الأشهر الماضية، وقد فر هؤلاء من دبابات الحرب إلى سريبرنيتسا طالبين الأمن والأمان ليجدوا أنفسهم بعد ذلك محاصرين مع سكان المدينة في وضع بائس لا يكاد يوصف أو يصدق؛ فقد أصبح الشارع هو البيت والمأوى الوحيد لغالبية سكان المدينة المحاصرين، وأصبح المقام في بيت له سقف يعتبر ترفًا استثنائيًا في هذا البرد القارس في تلك المنطقة المنكوبة، وأصبحت الأحجار الأسمنتية هي الوسائد أو الأسرة التي ينام عليها المحاصرون تغطيها بقايا من البطانيات القديمة التي تمكن أصحابها من نقلها معهم أو أخرجها من بيوتهم قبل تدميرها أو من تحت حطامها.

ومن أجل الحصول على الدفء فليس هناك سوى جذوع الأشجار التي يجلبها القادرون من الغابات المحيطة بالمدينة حيث يشعلونها وينامون بالقرب منها، وكل منهم عينه على حقيبة صغيرة تحوي ما تبقى لهم من ممتلكات وهويات يمكن أن تصلح لهم إذا نجوا من الموت. وفي وسط هذه الأجواء المرعبة تسقط من آن لآخر قذيفة هنا وأخرى هناك، فتحصد كل يوم من النساء والأطفال أعدادًا مختلفة بين قتيل وجريح، وفي أطراف الشوارع تنتشر مجموعات صغيرة لأداء الصلوات في وقتها بعدما قام الصرب بتدمير مساجد المدينة جميعها.

ومن يمش في شوارع سريبرنيتسا يجد الجميع في حالة انتباه دائم حتى هؤلاء الذين يهدهم التعب فينامون وهم منتبهون؛ فالكل يترقب طوال الليل والنهار مصدر انطلاق القذائف الصربية وأماكن سقوط القنابل وصوت أزيز الطائرات، فقد باتوا يميزون من خلال أصوات إطلاق القذائف أماكن سقوطها، لذلك فإن الهلع والخوف يملأ قلوب الجميع.

وحينما يرخي الليل سدوله يبدأ فصل جديد من فصول المعاناة التعيسة التي يعيشها السكان المحاصرون في المدينة المذعورة؛ حيث تنطلق حشود الناس من المدينة إلى الهضاب المجاورة، ويشارك الجميع في هذا حتى الأطفال والعجائز والجرحى، ويعبر هؤلاء ممرات ومسالك طويلة وموحلة سعيًا للوصول إلى قمم الهضاب التي غالبًا ما تكون متجمدة حيث يتفرقون بين أشجارها ويشعلون النيران طلبًا للدفء، ويقبعون في ترقب لوصول الطائرات الأمريكية التي تلقي الطعام من ارتفاع شاهق، ولا يملك هؤلاء الجوعى وسيلة يستطيعون من خلالها أن يحددوا أين ستسقط شحنات الطعام، وبالتالي فإن انتظارهم هذا وسط الثلوج يصبح أحيانًا بلا معنى حينما تسقط شحنات الطعام على مواقع الصرب أو تسقط على الهضاب الأخرى البعيدة أو لا تأتي الطائرات بالمرة.

أما إذا سقطت شحنة قريبة من مكان هؤلاء فإن العشرات يتدافعون نحوها في سباق محموم للحصول على أي من محتوياتها، وغالبًا ما يصاب البعض منهم بجروح أو كسور لاسيما الأطفال والعجائز والنساء، بل إن محاولات بعضهم قد تنتهي بالموت حتى إن حارس نذيروفيتش مراسل صحيفة «سلوبودنا بوسنا» نقل في تقرير بثه مؤخرًا من داخل المدينة الجريحة أن خمسة عشر شخصًا قد ماتوا تحت الأقدام في إحدى المرات حينما تدافعوا خلف شحنة من الشحنات التي أسقطتها الطائرات في مارس الماضي.

ويبدأ الموكب الحزين بالعودة إلى المدينة مع بزوغ الفجر حاملين بعض الفتات الذي ألقته الطائرات مع عدد من الجرحى والقتلى الذين قتلوا وهم يبحثون عن الحياة، وعادة ما تفاجأ هذه المواكب بقصف صربي متوحش يضيف عددًا جديدًا من الضحايا إلى القوافل المذعورة مع بداية يوم جديد من أيام الذعر.

هذه الصور المأساوية والقصف الصربي المتوحش لأهالي مدينة سريبرنيتسا المسلمة المحاصرة جعل لاري لنغوروث مبعوث الأمم المتحدة إلى المنطقة يفقد شعوره ويصرخ أمام الصحفيين وهو يتابع بعجز وإحباط القصف الصربي للمدينة في الخامس عشر من أبريل الماضي ويقول: «إن هؤلاء الصرب يجب أن يجري حرقهم في أشد المناطق لهيبًا في جهنم».

أما قوات الأمم المتحدة التي دخلت مؤخرًا المدينة لتجريد المسلمين المدافعين عنها من السلاح، فقد طلب الصرب منهم في الأسبوع الماضي الخروج من المدينة حتى يقوموا باقتحامها وتنفيذ مجزرة كبرى ضد سكانها المسلمين، وسقوط سريبرنيتسا في أيدي الصرب يعني سقوط مدينة براتونانتس ومدينة فلاسيبنتسا ومدينة فيشغرادور ومدينة جاتيتسا ومدينة غوراجدة لتصبح منطقة فوجا المسلمة بالكامل مع ربع مليون مسلم هم سكانها تحت أيدي الصرب المجرمين، لتتبخر بذلك مناطق المسلمين في شرق البوسنة تحت سمع العالم وبصره وتحت رعاية الأمم المتحدة.

لقد كانت سريبرنيتسا التي ربما لم يسمع أحد من المسلمين باسمها قبل شهرين إحدى مراكز الازدهار الإسلامي في قلب أوروبا خلال القرون الخمسة الماضية، وكانت حتى أواخر القرن التاسع عشر تضم ١٩ جامعًا و٣٢ مدرسة و٢٢ خانًا وقلعة وبرج ساعة، وكان يدرس في مدارسها عدة آلاف من الطلبة المسلمين.

سريبرنيتسا تواجه اليوم المذبحة وحدها وتكاد شمس الإسلام تغيب عنها، ويقف سكانها المذعورون في انتظار شيئين لا ثالث لهما؛ إما سكين الصرب تحز رقابهم وإما قارعة يصيب بها الله الصرب ومن والاهم، فينقذ الله المسلمين برحمته من هذا الظلم والذعر والهلاك الذي عجزت خمسون دولة إسلامية عن رفعه. ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (يوسف:21).


اقرأ ايضًا:

الرابط المختصر :