العنوان من يوميات فتح سراييفو
الكاتب أسعد طه
تاريخ النشر الثلاثاء 11-يوليو-1995
مشاهدات 75
نشر في العدد 1157
نشر في الصفحة 24
الثلاثاء 11-يوليو-1995
* الجيش البوسني يحقق نصرًا تلو نصر، لكن العالم لا يريد أن يصدق!
أعرف سراييفو، أعرفها جيدًا، وأعرف شعبها ومعهم كل ناس البوسنة والهرسك الطيبيين.
تمر سنوات خمس منذ أن هبطت عليها ليل الخميس 15/11/ 1990 قبل يومين من أول انتخابات ديمقراطية حملت علي عزت بيجوفيتش إلى مقعد الرئاسة، وهو الخارج لتوه من زنازين الشيوعية.
كانت سراييفو حينها تتمطى وهي تحاول أن تخرج من سبات عميق فرضه عليها أرباب الشيوعية.
كنت أرى الناس وكأنهم ردوا لتوهم من غيبوبة طويلة، أو من سجن سحيق دام سنوات طويلة.. كنت أشعر أنهم في ضباب، يحاولون أن يعرفوا أين هم؟ ومن هم؟ وإلى أين يسيرون؟!
وظللت أتردد على سراييفو كل شهرين أو ثلاثة، وقد شدتني إليها مشاعر لا أعرف كنهها حتى الآن، خليط من الحب والأمل، كان يهزني من الأعماق مشهد فتاة محجبة، أو شيخ يتمتع وهو يقرأ آيات الرحمن، أو مأذنة تجهر بدعوة الناس إلى الفلاح، هل تعلمون أن في سراييفو وحدها ثمانون مأذنة؟!
هكذا كان أهل البوسنة المسلمون الطيبون حينها... يسيرون ويتلفتون يمنة ويسرة يبحثون عن موقع لهم بين أوروبا المتحضرة، وهم جزء منها جغرافيًّا، وبين العالم الإسلامي المتخلف، وهم جزء منه عقائديًا.
الأراضي الخضراء ميادين قتال
تمر سنتان وتتابع الأحداث كثيرًا، وتقع الحرب، وينقلب الحال، والأراضي الخضراء الجميلة تصبح ميادين قتال، وهامات الشرفاء تنحني، والأعراض تستباح، والدم يراق ويملأ المكان، والشاحنات والدواب تنقل النساء والعجائز والأطفال من بيوتهم وأفلاكهم إلى حيث يقفون صفوفًا أمام الهيئات الدولية يستجدون مأوى وكسرة خبز.
كم كان المشهد مؤلمًا، كم كان يعتصرني، كم كان هؤلاء أغنياء يعيشون في بحبوحة من العيش قبل أن يقذف بهم إلى الخيام في العراء، ثلاث سنوات وأنا أعايش مكابدتهم اليومية، وأتألم في الساعة ألف مرة، وأحزن على قهر الرجال.
كانت تدهشني رغبتهم في الحياة، وإرادتهم التي بدأت تصحو، ووعيهم المتنامي بأنهم يدفعون ثمن هويتهم التي يجب أن يتمسكوا بها.
آه لو أن هناك في الغرب من ينصف، لكانت عشرات الكتب والأفلام الوثائقية والبرامج التلفزيونية قد صدرت تصف- أو تحاول أن تصف- كيف قاوم هؤلاء الناس، وكيف صمدوا، وكيف هم الآن يستعيدون عافيتهم، وينقلب الحال لصالحهم!
وهذه هي المرحلة الثالثة لي معهم من التيه، إلى الذبح، إلى القوة.
في صباح السادس عشر من الشهر السادس لهذا العام اتصلت هاتفيًا بزوجتي أم مهند، أيقظتها مبكرًا لأخبرها بأمر هام، لقد عاد محمد الفاتح إلى سراييفو اليوم، لقد أصبح للمسلمين في أوروبا جيشٌ!
لقد أنجز أصحاب المعدات الخاوية والكرامة المجروحة أمرًا غير مسبوق، ودرسًا لنا نحن العرب، ذلك أنه بوسع الضعفاء دون القوى العظمى أن يكونوا أقوياء.
انتصارات لا يريد أن يصدقها العالم
بدأت معركة حرية سراييفو، وقبلها بشهور كانت طلائع الجيش البوسني على غالبية محاور القتال الفاصلة مع المليشيات الصربية في كل البوسنة تحقق نصرًا تلو النصر، لكن العالم لا يريد أن يصدق.
تصلني الأخبار سريعًا، الجيش البوسني يحقق تقدمًا مطردًا على كافة خطوط المواجهة، وسقوط أعداد كبير من الجنود الصرب قتلى وجرحى، والمسلمون يغنمون كميات ضخمة من الأسلحة، تصلني في الحال تقارير من وكالة رويتر تتحدث عن كسر الهجوم المسلم، وسقوط أعداد كبيرة من المسلمين القتلى.. ويواصل التقرير يتحدث عن مقابر جماعية أنشئت للمسلمين، وامتلاء صفحات جرائدهم بالنعي، وأن الهجوم المسلم فقد فاعليته... كم هم أغبياء.. لا يستطيعون حتى أن يكتموا مشاعرهم التي تكرهنا، لابد أن ينفثوها دومًا.
تصل الأخبار تباعًا عن نجاحات متتالية وبطيئة.. ويبدأ العالم على خجل في الاعتراف بتقدم المسلمين.. وتباشر القيادات الصربية نفسها في الاعتراف بحدوث تغييرات في خطوط الدفاع عجبنا لإراقة الدماء.
تتواصل المعركة.. والأسد قابع في عرينه.. لا يهتز.. وكيف وهو المؤمن دومًا المنحاز عن آخره لدينه والضعفاء أصحاب الحق المناصر للمعاني الحضارية التي ضمها كتابه المقدس.
سيأتي يوم يعرف الناس في بلادنا قيمة هذا الرجل.. هذا المفكر العقائدي الذي دفع دومًا ثمن انتماءاته الإسلامية.. علي عزت بيجوفيتش، ومن بعيد تطل على سراييفو الوجوه الأخرى.. نفس الوجوه القرشية القديمة، أبو جهل وإخوانه، ينظرون لحظة يمكن أن يشمتوا فيها من علي عزت بيجوفيتش وأتباعه.
أسمع زقزقة المدافع المسلمة تدك مواقع الذين عذبوهم وأهانوهم وذبحوهم.. والقذائف الصربية تهرب من مواجهة العسكر المسلمين.. لتنزل فوق رؤوس الناس الطيبيين.. وفي المستشفى الرئيسي أرى الضحايا من كل الأعمار، زهورّا تغيب- أو تكاد- عنها الحياة، كم هو فادح ثمن النصر!
أرقب هموم الناس في هذه اللحظات التاريخية.. ويعاود السؤال اللعين البحث عن الإجابة.
عندما كبرنا حدثونا عن خيانة الكبار في فلسطين، نحن الآن نلعنهم.. ونلعن كل من يبيع.. ونلعن كل يد آثمة تمتد لتخنق طفلًا مسلمًا أو تسرق أرضنا..
لكن إلى متى نلزم مقاعدنا ونكتفي بأن نُعلِن المخلصين لطموحهم وأطماعهم.. وهل يأتي اليوم الذي يلعننا فيه أبناؤنا..؟ وهل سيقبلون أعذارنا.. بأننا أخرجنا من جيوبنا قروشًا، ومن عيوننا بعض الدموع؟!