العنوان يوم الأقصى
الكاتب الأستاذ حسن التل
تاريخ النشر الثلاثاء 14-سبتمبر-1971
مشاهدات 133
نشر في العدد 77
نشر في الصفحة 3
الثلاثاء 14-سبتمبر-1971
يوم الأقصى
تخرج الافتتاحية اليوم عنطابعها العـادي؛ فتنشر كلمة للأستاذ حسن التل عن يوم الأقصى وبتوقيعه.. وقد كان ملاحظًا أن الافتتاحية لا توقّع باسم ما.. وخلو الافتتاحية من التوقيعات نهج درجت عليه الصحافة والتزمت به. ذلك أن الافتتاحية هي رأي الصحيفة ووجهة نظرها؛ ومن ثم آثرت ألا تذيّل نفسها بتوقيع.
بيد أن الصحافة تخرج أحيانًا على هذا الطابع؛ فتكلف أو ترجو كتابًا ومفكرين بأن يكتبوا لها افتتاحيات معينة في مجال تخصصهم، وتثبت لهم حقهم ـفي نفس الوقت- في نسبة إنتاجهم إليهم عن طريق بروز توقيعاتهم.
والموقف الذي نحن فيه -يوم الأقصى وذكرى الإسراء والمعراج - لا يحتاج إلى تخصص علمي أو فني، وإنما يحتاج إلى شيء آخر هو: «يقظة الفكر» واهتمامه بضرورة تحرير الأقصى.. وتوكيده على المعاني الحية التي انطوت عليها ذكرى الإسراء والمعراج.
ولقد عبّرت كلمة الأستاذ حسن التل عن هذه اليقظة.. وركزت الأذهان على المعاني الجليلة في رحلة الرسول المعجزة.. ولذلك آثرنا نشرها في الافتتاحية.
يوم الأقصى
بقلم: الأستاذ حسن التل
إن كانت الذكرى مشعلًا على طريق التاريخ تبعث الأشياء الكبـيرة من أعماق الماضي إلى الواقع القائم؛ لتكون مبعث الرجاء ومنشط الهمم ودافع العزيمة، فإن ذكرى الإسراء والمعراج تجيء على هذه الأمة في هذه الظـروف الكئيبة؛ لتؤكد الرباط الوثيق بين المسجدين اللذين ربط بينهما القرآن الكريم ومسرى محمد -عليه السلام- ومعراجه إلى السماء.
وجاءت جيوش النصر لتدرك العوائق المادية بين ساحات الحرام والأقصى، وتحرر الطريق بين الحرمين الشريفين لعباد الله الذين يحيون مناسكه، وجاءت تعاليم محمد صلى الله عليه وسلم تعلن جزالة المثوبة وعظم الأجر للذين يشدون الرحال محرمين من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام.
فيما روته أم المؤمنين أم سلمة أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «ومن أهل بحجة أو عمرة من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر». رواه ابن ماجه وأخرجه المنذري في الترغيب والترهيب.
والمسجد الأقصى الذي جعله الله طريق رسوله إليه في رحلة السماء؛ هو المسجد الثاني الذي وضع في الأرض، فقد روى البخاري ومسلم والنسائي عن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه، قال سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أول مسجد وضع في الأرض، قال: «المسجد الحرام، قال: ثم أي؟ قال: المسجد الأقصى».
والمسجد الأقصى قبلة الإسلام الأولى، هو اليوم أسير مهشم تحيط به الحفائر من كل جانب؛ لتعمل على هدمه وتدميره ليقام على أنقاضه كنيس الشر.
والمسلمون في شتات من أمرهم، لا تجمعهم كلمة ولا يوحدهم خطر، ولا يفيئون إلى عقيدتهم، كأنما أخذت عقولهم، وأقفلت قلوبهم؛ فهانوا على أنفسهم وهانوا على الناس.
ولكن الرؤية البصـيرة والاستنتاج المستمد من صلب التاريخ وأحكام العقيدة أن هذه الفترة مهما طال ليلها واشتدت حلكتها؛ فهي إلى زوال مع الأجيال التي أدمنت مخدرات الضعف، وعميت عن مقومات الأمم، واستهانت بأمر العقيدة، واستباحت حرمات الوطن.
وما هذا الذي تراه العين من ذل الاحتلال وضعف الكيان القومي؛ إلا عقاب التاريخ فرضه الله على الذين فرطوا بالأمانة، وركنوا إلى الراحة، وتعاموا عن المصير المحتوم للذين لا ينهضون بتكاليفهم، ولا يمارسون واجباتهم، ولا يدعمون قوتهم؛ فيقضون العمر ركضًا وراء الكسب الحرام، ولهاثًا خلف السراب الكاذب من الجاه الزائف أو المتعة الغليظة والنزوة الحرام.
وفي رحلة المعراج التي قام بها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى العالم الثاني، نماذج من هؤلاء الذين ولغوا بالأعراض، ونمت جسومهم بالحرام، وسالت دماء البشر من بين أشداقهم؛ لتكون النذير للذين لا يقومون بواجب الحياة ولا يلتزمون بمسؤوليات الوطن ولا يفيئون إلى أوامر الله.
أما الأقصى ملتقى الأنبياء في ليلة الإسراء ومنطلق الرسول إلى السماء - فليس غريبًا عليه الاحتلال، فما أكثر ما توجه نحوه الغزاة، ولكنه دائمًا كان مقبرة الغزاة، وعلى ثغور الشام وفلسطين ما فتئ المرابطون إلى يوم القيامة على الثغور يرتدون إلى ثكناتهم ليخلصوا عنهم الوهن، ويجددوا العـزائم، ويستلهموا النصر من مانح النصر ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ ۚ﴾ ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ رَمَىٰ ۚ ﴾.
وليست فلسطين من جسم هذه الأمة إلا القلب، وما ربط الله بين مكة وبيت المقدس بمسرى نبيه؛ إلا ليربط مصير البلدين، ويؤكد حرمة المسجدين، ويحمل المسلمين مسئولية الحماية وواجبات الدفاع، ومادام الخطر قائمًا في فلسطين؛ فسيبقى هذا الخطر يهدد الحجاز، والشام، والعراق، فهو كالجرثومة في جارحة من جوارح الجسد، لا يقتصر أذاها على الجارحة التي ولجت منها واستقرت فيها، بل إن الأذى سيشمل الجسد كله، وما لم يطهر الجزء المريض سيبقى الخطر قائمًا.
وإن كان الإسلام في هذه الأيام يعاني من جهل أبنائه وعجز علمائه، فإن قانون الحياة لا يرحم الجهلة، وإن التاريخ لن يسكت عن العجزة، وإن الله محيط بالمجرمين الذين فرطوا بأمانته، وخانوا عهده، ولم يقوموا بتكاليف دعوته، وإن كان الله تعالى قد وضع قانونًا للحياة، وأصدر حكمه على المقصرين بالتزاماته، فإنه عز وجل قد تكفل بحفظ عقيدته ونصرة جنده.
وإن كان الواقع القائم من الظلمة الدامسة والتفكك المفرط والضعف المبرح، فإن ظلمة الليل إيذان بانبلاج الصبح، وإن الضعف المفرط إيذان بالرحيل المحتوم للأجساد الهرمة والهمم المميتة؛ ليفسح المجال للهمم الجديدة والعزائم الصادقة والعقيدة الحية المتحركة.
فالذين تاجروا بالشعارات وانجرفوا بالمسؤوليات وسخروا بالأمانة؛ ستقتلهم شعاراتهم كما قتلت غيرهم، وستحيط بهم جرائمهم، ويكسبون سوء عملهم، فالنظرة القاصرة هي التي تغرر بأصحابها، وتضلهم؛ فيضنون الورم عافية والسراب ماء، ولكن سرعان ما تفاجئهم الحقيقة ويعصرهم الألم ويمزقهم الضياع.
ويا ذكريات الأيام العزيزة الحافلة بالمجد المؤثل.. أشيعي الرجاء بالنفوس التي أضنتها خلافات الأهل، وأغلقت عليها الطريق عمالة النفوس الصغيرة، وأدماها غدر اللئام.
وأنتَ أيها المسجد الجامع.. مهما طال أسرك وثقلت قيودك؛ فإن جند الإسلام الذين حرروك بالماضي، هم الذين سيعيدون الكرّة، ويحملون مع سلاحهم قوارير الطهر؛ ليطهروا أرجاءك من أوضار اليهود تمامًا، كما فعل صلاح الدين يوم طهرك من رجس الصليبيين، وسيكون فتح، وستزدهر حضارة، وسيسود عدل، وسوف يبرز رجال، وكما كان الماضي سيكون المستقبل –إن شاء الله- و﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل