العنوان يا أخي أناديك أم أناجيك؟
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر الثلاثاء 09-مارس-1999
مشاهدات 83
نشر في العدد 1341
نشر في الصفحة 49
الثلاثاء 09-مارس-1999
لقد تقدمت البشرية عن طريق العلم، وحققت في مجال الصناعات ما يشبه الخوارق، ولا تزال في طريقها قدمًا في هذا المجال لتحرز انتصارات واكتشافات باهرة في كشوف الفضاء والأقمار الصناعية، ومحطات الهواء ومراكب الفضاء...ولكن!! ما أثر ذلك في حياتها النفسية والخلقية؟ هل وجدت السعادة؟ هل زرعت الطمأنينة؟ هل حققت السلام؟ هل استراح الناس من شرور الجريمة؟ هل أوقف تيار الدماء؟ هل سادت العدالة وسعدت القلوب؟ أم كان الشقاء والقلق والخوف والتوجس والريبة؟
إن الحضارة الإنسانية شيء آخر غير الحضارة المادية، والحضارة المادية بغير الحضارة الإنسانية وبال على البشرية جمعاء، كالنار في يد الأخرس، وكالسيف في يد المجنون، وكالمدفع في يمين المعتوه، وهي بهذا المعنى تجتاح الأخضر واليابس في برهة من الزمان، وإلا فحدثوني بربكم: من أهلك الحضارات التي كانت ضاربة في أعماق التاريخ؟ وبلغت عنان السماء، وشرقت وغربت، ولولا ما جنت على البشرية في أجيالها المتتابعة ما كان يعلم إلا الله ما سيكون عليه الحال الآن من تقدم وازدهار.
تصور معي حضارة سبأ: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾. (سبأ-15)، فماذا كان من أمر هذه الحضارة اليانعة؟ أفسدتها العقول، والمجتمعات الراعنة﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُور﴾ (سبأ: 16-17).
وعادًا والذين كانوا ينحتون من الجبال بيوتًا فارهين، ويتخذون مصانع لعلهم يخلدون، والفراعنة الذين نبغوا في الطب والهندسة والكيمياء والأرصاد، ومازالت آثارهم من ملايين السنين باقية حتى اليوم، من دمرها وبدد هذه النهضة، ودك هذا التقدم، وضيع هذا الجهد؟
التخلي عن حضارة الإنسان، والسيرة الجائرة، والنفس النهمة، والضلال في الوجهة، وعدم نبل المقصد، والزيغ في العقيدة ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا﴾ (النمل-52).
﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ﴾ (الدخان: 24-29)، فكان لا بد لصيانة الحضارة المادية من حضارة إنسانية لتحميها من عبث العابثين، ولهو اللاعبين، فجاء الإسلام بالحضارتين معًا تأخذ إحداهما بحق الأخرى لا انفصام لها، فأشعرت البشرية رباط الإخوة، وناداها الله إليها وبها: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (النساء-1).
فقول الله عز ﴿رَقِيبًا﴾، وإشعارنا بذلك، لئلا تزيع النفوس عن ميزان الأخوة، وتظل تراقبه دائمًا وترعى حدوده، والآثار في ذلك والآيات تعمق المعنى، سواء أكان بين المؤمنين أم مع المؤمن وغيره، حيث هناك أخوة إنسانية يجب مراعاتها، ونوديت الرسل بها، وعرفت حقيقتها: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا﴾(هود -65 ) ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا﴾ (هود-73)، ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾ (هود-85) ، فلفظ الأخوة ملحوظ، وحبل المودة موصول، والحرص على ذلك أقوى في الاستجابة، وأحنى في الدعوة.
أخوّة الإيمان:
ثم تأتي أخوة الإيمان التي يتجمع عليها أصحاب العقيدة، ويراد من الإنسانية أن تستظل بظلها الظليل فتتضاءل مدينة أفلاطون الفاضلة بجانب السطور الأولى لتلك الأخوة التي تذيب الناس في جسد واحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالحمى والسهر، ويشهد التاريخ تطبيقًا عمليًا لتلك الأخوة الفريدة في حادث الهجرة:
﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (الحشر: 9).
ولم يعرف التاريخ البشري كله حادثًا جماعيًا كحادث استقبال الأنصار للمهاجرين بهذا الحب الكريم، وبهذا البذل السخي، وبهذه المشاركة الرضية، وبهذا التسابق إلى الإيواء واحتمال الأعباء، حتى ليروى أنه لم ينزل مهاجر في دار أنصاري إلا بقرعة، لأن عدد الراغبين المتزاحمين على الإيواء أكثر من عدد المهاجرين، وتطيب النفوس المحبة، وترغب وتفرح: ﴿وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا ﴾(الحشر: 9) مما يلقي الضوء على تلك القلوب المؤمنة، والأخوة الكاملة، بل ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾( الحشر: 9)، والإيثار على النفس مع الحاجة قمة عليا، وقد بلغ الأنصار إليها بما لم تشهد البشرية له نظيرًا.
وقد كانت هذه طبيعة أكسبهم الإيمان إياها بعد غسل الأدران، وزحزحة الركام ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ( الحشر: 9).
وليس ذلك حدثًا طارئًا، أو برقة خاطفة في أهل الإيمان، بل هي صبغة الله للرجال الذين يحملون مشاعل الإيمان ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (الحشر: 10).
هؤلاء الذين يجيئون بعد المهاجرين والأنصار ولم يكونوا قد وجدوا عند نزول الآية بعد، ولكنها تبرز خصائص وطبيعة الأمة المسلمة على الإطلاق في جميع الأوطان والأزمان وصورتها الوضيئة في هذا الوجود.
وتتجلى تلك الآصرة القوية الوثيقة التي تربط أول هذه الأمة بآخرها، وآخرها بأولها في تضامن وتكامل وتواد وتعاطف، وشعور بوشيجة القربى، التي تعلو على الزمان والمكان والجنس والنسب، وتتفرد وحدها في القلوب، تحرك المشاعر خلال القرون الطويلة، فتذكر المؤمن أخاه المؤمن بعد القرون المتطاولة كما يذكر أخاه الحي أو أشد في إعزاز وكرامة وحب، ويحسب السلف حساب الخلف، ويمضي الخلف على آثار السلف صفًا واحدًا كالبنيان المرصوص، وكتيبة واحدة على مدار الزمان واختلاف الأوطان، تحت راية الله، داعية من كل قلبها لإخوانها أن يوثق الله رابطتها، ويديم ودها، ويهديها سبلها، ويملأها بنور الإيمان الذي لا يخبو.
فانظر يا أخي: أفلا تحتاج الإنسانية اليوم إلى مثل هذه الأخوة التي أتاها بها محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم؟ أليس بهذا هو رحمة للعالمين؟ ألا تحس أن الشعوب لا تهدأ إلا إذا ذاقت حلاوتها؟ والإنسانية لا تستريح إلا إذا رضعت لبانها؟
فيا أخي كم تظلم نفسك بهذا التيه.. فتضيع وتضيع.. وتذل وتذل.. وأنت معك الخير.. دواؤك فيك وما تشعر.. ودواؤك منك وما تبصر، وكم تحجب عن الإنسانية دواء هي في أمس الحاجة إليه بعدما لهثت وراء المذاهب والنظريات التي زادتها إرهاقًا، وأرقتها نفسًا، وأتعبتها أعصابًا. فتقدم برسالتك برغم الأعاصير والله معك ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ﴾ (الروم: 4).
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل