; الصفحات الأخيرة من حضارتنا | مجلة المجتمع

العنوان الصفحات الأخيرة من حضارتنا

تاريخ النشر الثلاثاء 05-سبتمبر-1972

مشاهدات 221

نشر في العدد 116

نشر في الصفحة 33

الثلاثاء 05-سبتمبر-1972

الذين لا يملكون إرادة الهجوم يفقدون القدرة على الدفاع
من أعرق الصفحات التي قدمناها للحضارة الإنسانية، وللتاريخ البشري صفحة الدولة العباسية.    
خمسة قرون وأكثر مرت على التاريخ البشرى، وهو يحني جبهته لهذه الدولة، وبالطبع فليس من خصائص المسيرة البشرية أن تظل على وتيرة واحدة، وهكذا كان شأن الدولة العباسية في مسيرتها تعاورها المد والجزر، واختلف عليها الحماة بين أتراك وبويهيين وأتراك سلاجقة، لكنها بقيت مع ذلك رمز الهيبة التاريخية التي تفرض نفسها على كل القوى، مستمدة هذه الهيبة من رصيد الخلافة الإسلامية التي مثلت وحدة الوجود الإسلامي إلى فترة قريبة من عمر التاريخ.  
• • •
كان قيام هذه الدولة حركة سياسية قامت على تخطيط لعله لم يتوفر للمسلمين في كل تاريخهم دقة وعمقًا وصبرًا على النتائج، واستغلالًا لكل القوى، وسرية وتوفرًا لكل مقومات النجاح.
ثم كان السير التاريخي لهذه الدولة معجزة عجيبة، فوسط بحار متلاطمة الأمواج، وعالم إسلامي فسيح لا يمكن، بل يستحيل، استمرار تماسكه، وأعداء خارجيين وداخليين من عناصر متباينة المذهب والجنس والميول.   
وسط هذا كله شقت الدولة طريقها، ولا شك في أنها كانت بين الحين والحين تتعرض لحركة تفكك من هنا، وحركة تمرد من هناك وبروز لحركة خروج في ناحية ثالثة   وغلبة عنصر من العناصر في مكان رابع.    
لكن مهما يكن فهذه هي طبيعة المسيرة البشرية، ولم يقدم لنا التاريخ - على كثرة ما قدم من أطر حضارية - مدنية فاضلة خلت من كل النوازع البشرية، وخلت من الصراع   والمد والجزر.
وعبر القرون الخمسة تقلب في الحكم عشرات من الحكام استهلهم أبو العباس السفاح ثم أبو جعفر المنصور، وبرز منهم كثيرون كالمأمون والرشيد والمعتصم والواثق والمتوكل والهادي والمهدي.   
وظهرت أسر قوية وعناصر كبيرة سيطرت على الدولة أحيانًا كالبرامكة وبني بوية والسلاجقة.   
وتمتعت دول كثيرة بالاستقلال الفعلي عن الدولة كالطولونيين والإخشيديين في مصر وبني طاهر في خراسان وبنى سامان في فارس وما وراء النهر والغزنويين في أفغانستان والبنجاب والهند، وبنى بوية - الذين لم يستقلوا وحسب بل تحكموا في الخلفاء أنفسهم - في شيراز في فارس ثم والسلاجقة.  
وهكذا - كما ذكرنا تعاورت كل ظروف المسيرة التاريخية هذه الدولة ذات القرون الخمسة.
• • •
وفي مثل دولة جامعة كبرى ذات حياة طويلة حافلة كالدولة العباسية يصعب الوصول إلى رأي أخير في أسباب انحلالها. 
- أكانت حركات الانشقاق عن الدولة سبب هذا الانحلال؟
• لا: إن حركات الانشقاق هذه ظاهرة أو نتيجة من نتائج بروز عوامل الانحلال. 
- أكان ظهور أو تحكم عناصر غير عربية في الحكم من أسباب هذا الانحلال؟
•لا: فهذه العناصر قد وجدت في حضارات كثيرة، لكنها لم تستطع أن تفعل شيئًا إذا ما كانت الدولة قوية وكان حكامها أقوياء، وأين هي الدولة التي تخلو من خدمات عناصر ليست منها؟ ثم إن هؤلاء لم يصلوا إلى ما وصلوا إليه إلا في ظل مظاهر الانحلال الحقيقية، وأدى معظمهم خدمات للدولة كانت سببًا من أسباب بقائها وصمودها. 
- أكان ظهور حركات التمرد الديني كالقرامطة والحشاشين وغيرهم السبب الأقوى في تحلل الدولة؟
ولا شك في أن لهذه الحركات أثرها الكبير في ضياع «الوحدة العقائدية» وفي ضياع كثير من مثل الإسلام الصافية، وفي خلق جو من الفوضى الفكرية والاجتماعية والاقتصادية لكن مع ذلك، وإن كان هذا سببًا قويًا، ليس هو السبب الأقوى في سقوط الدولة العباسية. 
فما هي إذن - عوامل تحلل الدولة العباسية ودخولها في طور الاضمحلال؟
• • •
لا شك في أن هذه العوامل وغيرها، كان لها تأثيرها الكبير في اضمحلال الدولة العباسية، وفي دخولها مرحلة الأفول. 
بيد أن أخطر العوامل التي أسقطت خلافة العباسيين، إهمالهم لركن هام من أركان الإسلام وهو «الجهاد» فبعد المعتصم المتولي أمور الدولة سنة «٣٣ ٨ م» لم نسمع عن معارك ذات شأن قامت بها الدولة، ولم يكن مبدأ الجهاد الدائم حماية لهذه الدولة المترامية الأطراف أحد أركان السياسة العباسية.   
لقد تقوقعوا في مشاكل الدولة الداخلية فحصرتهم مشاكلها وماتوا ببطء ولو أنهم وجهوا طاقة الأمة نحو «الجهاد» ضد الصليبيين، لتغير أمر الحركات الهدامة التي قدر لها أن تظهر وتنتشر، ذلك أن هذه الحركات كالجراثيم لا تنتشر إلا في جو ملئ بالركود والفساد، والمناخ الوحيد الصالح للقضاء عليها هو المناخ القتالي الذي يكشف المعادن النقية ويذيب المعادن الرخيصة. 
     • • •                                                      
لقد كانت الحاجة الإسلامية ملحة في ضرورة رفع راية الجهاد، وكانت الدولة الإسلامية التي تعرضت للانشقاق والتمزق تحتاج إلى هذا الصمام أمن يحميها من جو السكون والاستسلام.  
لكن العباسيين غزوا في عقر دارهم فذلوا ولم يرفعوا راية الجهاد ضد العدو الخارجي   فارتفعت رايات العصيان الداخلي.  
وكان بإمكانهم أن يشغلوا الأجناس المختلفة التي ضمتها الدولة في هذه الحرب الجهادية المستمرة ضد الغزاة وضد الوثنيات المختلفة لكنهم لم يفعلوا فتحركت النعرات القومية الجاهلية تفتت الدولة، وتقسم جسمها تحت رايات مختلفة ليست لها بالإسلام أو الجهاد صلة. 
        • • •                                            
وفي سنة ٦٥٦ هـ «١٢٥٨ م» كان هولاكو - حفيد جنكيز خان - يؤدب الذين اتجهوا إلى كل الطرق إلا طريق الجهاد وحاولوا العلاج بكل الوسائل إلا الوسيلة الإسلامية القوية الخالدة.   
وقد هاجم هولاكو بغداد وهدم أسوارها وأعمل المنجنيق فيها وحصد بغداد حتى لم يعد ممكنًا الإقامة فيها لشدة روائحها المنفرة، وعندما خرج الخليفة المستعصم إليه مستسلمًا صحبه ثلاثمائة من أصحابه وقضاته دون شرط، أمر هولاكو بقتلهم جميعًا، وطويت صفحة الخلافة العباسية. 
ذلك أن أسلوب السلام الكاذب والأحلام الرومانتيكية الساذجة ليست هي وسيلة البقاء أو تشييد الحضارات، فالذين لا يملكون إرادة الهجوم يفقدون القدرة على الدفاع. 
 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل