العنوان ونغمة واحدة تسمعها في مصر والأردن وفلسطين
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 16-سبتمبر-1997
مشاهدات 168
نشر في العدد 1267
نشر في الصفحة 33
الثلاثاء 16-سبتمبر-1997
لم تكن مصادفة أن يدعو الرئيس مبارك كلًا من الملك حسين- ملك الأردن، والرئيس الفلسطيني ياسر عرفات لعقد قمة ثلاثية عاجلة بينهم يوم ٧ سبتمبر الجاري، إذ إن هذا اليوم يصادف الموعد المقرر- وفق إتفاقية أوسلو- لتسليم إسرائيل أراضي للسلطة الفلسطينية ضمن المرحلة الثانية من خطة إعادة انتشار الجيش الإسرائيلي، وهو الموعد الذي أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي عدم التزامه به.
كذلك لم تكن مصادفة أن تعقد القمة قبل ساعات من بدء «مادلين أولبرايت« وزيرة الخارجية الأمريكية جولة لها تزور خلالها كلاً من مصر، والأردن وفلسطين المحتلة، بهدف تحريك عملية التسوية، وإذابة الجليد الذي علق بها، خصوصًا أن الأطراف الثلاثة تعلم جيدًا أن زيارة أولبرايت تصب في صالح إسرائيل، وأنها حضرت أساسًا لبحث أمن إسرائيل وطلب تعاون الدول الثلاث أمنيًّا مع تل أبيب لحمايتها من العمليات الاستشهادية، وتوفير الأمن للإسرائيليين، ولم يكن موعد القمة أيضًا مصادفة بعدما صدرت تصريحات من مسؤولين إسرائيليين كبار تتحدث عن اقتحام أراضي الحكم الذاتي ومطاردة «الإرهابيين»، وعدم الاعتماد في هذا على عرفات وحكومته ولم تستبعد مصادر مصرية قيام نتنياهو بمثل هذا الاختراق في بعض المناطق لتحسين صورته أمام الإسرائيليين بعدما خسرت إسرائيل عشرين شخصًا، وجرح لها ما لا يقل عن ۱۸۰ آخرين في عمليتي القدس والأنصارية بجنوب لبنان اللتين لم يفصل بينهما سوى عشر ساعات فقط.
ولأن كل هذه الأمور لم تكن مصادفة، فقد كان من الطبيعي أن يتضمن بيان الرؤساء الثلاثة في ختام القمة أربعة نقاط من أصل خمسة مرتبطة بالأهداف التي دعت القاهرة بسببها لهذه القمة، وخصص البند الخامس لمشكلة الجولان، فقد دعا البند الأول للالتزام بالسلام الشامل، والعادل وتجنب وضع أي شروط جديدة، أو مناوئة، أو متعارضة مع منهج السلام.
ودعا البند الثاني إلى الكف عن اللجوء إلى القوة أو العنف في إشارة تحذير لإسرائيل من القيام باقتحام أراضي الحكم الذاتي بالقوة، وهو كذلك نفس ما أشار له البند الرابع الذي دعا الأطراف لعدم اللجوء إلى إجراءات أو تصرفات أحادية تتناقض مع لتزاماتها وتعهداتها ضاربًا أمثلة بسياسات الحصار ومصادرة الأراضي والاستيطان وتقرير الوضع القانوني للقدس بدون تفاوض، أما البند الثالث، فكان واضحًا في دعوته الإسرائيليين للالتزام بتنفيذ مراحل إعادة الانتشار الأوسع والتي استحقت مرحلتها الثانية يوم 7 سبتمبر الجاري.
أهداف القمة تتلخص في الآتي:
1- السعي لتوحيد المواقف والتنسيق لإظهار نغمة واحدة ورأي واحد أمام أولبرايت.
2- تحذير إسرائيل من أي مغامرة لاقتحام أراضي الحكم الذاتي الفلسطيني.
3- الضغط على إسرائيل كي تنفذ المرحلة الثانية لإعادة الانتشار في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
وكانت قد ترددت في القاهرة تكهنات قوية عن دعوة مصر لعقد قمة عربية موسعة للرد على الصلف الإسرائيلي وتجميد نتنياهو لعملية التسوية، إلا أن مصادر دبلوماسية نفت ذلك وألمحت إلى أن القمة العربية الأخيرة التي عقدت في مصر في العام الماضي قد أثارت انتقادات أمريكية حادة ومن ثم فأي قمة شاملة لن تكون مرغوبة أمريكيًا وإسرائيليًا، ولذلك رؤي عقد قمة مصغرة وربما تعقد القمة الموسعة في حالة فشل جولة «أولبرايت».
ولوحظ أن ترتيبات القمة خلت- كما هو معتاد- من عقد مؤتمر صحفي للقادة الثلاثة، وتم الاكتفاء بالبيان الختامي ذي الخمس نقاط وتردد تفسيرًا لذلك أنهم فضلوا عدم تصعيد الموقف بتصريحات قد يضطر بعضهم للإدلاء بها ردًا على بعض أسئلة الصحفيين الاستفزازية وخصوصًا الإسرائيليين منهم. وقد عزز من احتمالات عقد قمة شاملة قريبًا أن وزير الخارجية المصري عمرو موسى كلف من الرئيس مبارك بحكم كونه رئيسًا للقمة العربية الأخيرة بإطلاع بقية الدول العربية على نتائج القمة الثلاثية.
ويميل مسؤولون دبلوماسيون مصريون إلى اعتبار القمة الثلاثية خطوة أو محاولة مصرية أخيرة لإنقاذ عملية التسوية، لأن عدم نجاحها «قد يؤدي إلى انتكاسة ستكون نذير شؤم لكل الأطراف» على حد قول الدكتور أسامة الباز- مستشار الرئيس مبارك السياسي- وتعتبر هذه القمة بالتالي- كما قال وزير الخارجية عمرو موسى- «حلقة ضمن تحرك دبلوماسي مصري أوسع لاحتواء المخاطر التي تحدق بعملية السلام»، خصوصًا بعدما سعت القاهرة للقيام بمبادرة بين الإسرائيليين والفلسطينيين لحل مشكلة الاستيطان في جبل أبو غنيم، وقام الدكتور الباز بجولات مكوكية لهذا الغرض فشلت بدورها لعدم استجابة إسرائيل للأفكار التي طرحت.
ونتائج القمة جاءت على عكس ما توقع الكثيرون تمامًا، فقد كان المتوقع أن تكون إما محاولة للضغط على عرفات لتفعيل تعاونه الأمني مع الإسرائيليين، وفض يده من محاولات التقارب مع الإسلاميين، وإما مظاهرة للهجوم على نتنياهو وإسرائيل، وإعلان تنصل إسرائيل من التزاماتها وتحذيرها من مغبة ذلك، إلا أن بيان القمة كان على غير ذلك وتضمن تأكيدات عربية جازمة بالتزام الدول العربية لخيار السلام مع إسرائيل وعضها عليه بالنواجز رغم الصلف الإسرائيلي، ولهذا وصف محفوظ الأنصاري- رئيس تحرير جريدة الجمهورية الحكومية- القمة بأنها محاولة لإنقاذ نتنياهو! وقال موجهًا حديثه لنتنياهو: «الطوق الذي رموا به إليك- يقصد القادة الثلاثة- لتمسك به وتتشبث ليس بكل صراحة حبًا فيك وحرصًا عليك وإنما حبًا في السلام»، وتتوقع المصادر المصرية أن تكون جولة وزيرة الخارجية الأمريكية حاسمة في العلاقة بين العرب وإسرائيل بما يعنيه ذلك من تغييرات مهمة مستقبلًا لن يكون أقلها مقاطعة مصر وغالبية الدول العربية لقمة الدوحة ووقف خطوات التطبيع تمامًا.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل