العنوان وماذا بعد الحج يا بني؟
الكاتب أمين رمضان
تاريخ النشر السبت 24-مارس-2001
مشاهدات 67
نشر في العدد 1443
نشر في الصفحة 57
السبت 24-مارس-2001
لا تنخدع حين يختزلون لك الوطن.. وتذكر أن أهلك هم المسلمون جميعًا
لم أكن أفكر في الكتابة، لكن عندما رأيت ملايين الحجيج يوم عرفة وأنت منهم أحسست بأن الكلمات تتصارع في رأسي كي تخرج فأمسكت بالقلم لأكتب لك، ولمن في عمرك، بعد أن بلغت سن التكليف وأديت ركن الحج:
هذه أمتك الملايين الذين يقفون معك على صعيد عرفات يلبون تلبية واحدة ويلبسون زيًا واحدًا، ويؤدون المناسك نفسها.. هذه- يا بني- أمتك التي تمتد من أدنى الأرض إلى أقصاها واسمع لقول الله تعالى: ﴿وَإِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾ (المؤمنون: 52).
نعم الوجوه مختلفة واللغات مختلفة، لكن القلوب هي غاية الإيمان، وعندما يتمكن الإيمان منها تنصهر تلك الاختلافات كلها، أما تذكر كيف انصهر سلمان الفارسي، وصهيب الرومي وبلال الحبشي مع العربي في صدر الإسلام الأول؟! فلا تنخدع حين يختزلون لك الوطن، فيدعون أنه هو الذي ولدت فيه، أو هو الذي تحيطه الحدود، وحين يختزلون لك الأهل، فيدعون أنهم من يعيشون معك داخل تلك الأسوار عفوًا: الحدود، وحين يختزلون جنسيتك فيدعون أنها فقط جنسية الوطن!
تذكر يا بني، أن وطنك هو الأرض التي استخلفك الله فيها، وأن أهلك هم المسلمون جميعًا في أي أرض كانوا، وأن جنسيتك هي الإسلام، تذكر يا بني أن رسالتك هي أن تضم نفسك إلى أمتك، وتضم أمتك إليك، فتصبحان شيئًا واحدًا وإياك إياك من هذه النعرات التي يصرخ بها الإعلام ليل نهار هذه النعرات هي حدود أخرى زرعوها في النفوس فانزعها من نفسك.
ها أنت وقد من الله عليك بأداء فريضة الحج. قد استكملت أركان الإسلام ومن هنا تبدأ مهمتك فهذه الأركان ليست هي الإسلام كله هذه شعائر لكن الإسلام عقيدة وشعيرة وشريعة، عقيدة راسخة في القلب، وشعيرة تؤديها بإخلاص وعلى علم، وشريعة تحتكم إليها في كل شؤون حياتك، فلا تنخدع حين يزعمون أن الإسلام لا دخل له في السياسة أو الاقتصاد أو الفن أو الرياضة أو الأدب، لا تنخدع حين ترى الإسلام مصادرًا خارج المساجد، أو حين يقال لك: إن المساجد فقط هي دور العبادة.
ألم تسمع لقول الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (الأنعام: 162)، فالحياة كلها عبادة، بل الموت عبادة، والأمة التي تعرف كيف تموت هي الأمة التي تكتب لها الحياة فالحياة الحقة هي الحياة الدائمة، هي حياة الآخرة قال تعالى: ﴿وَمَا هَٰذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ ۚ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ ۚ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ (العنكبوت: 64)
لقد حكم الإسلام الدنيا كلها بأجدادك لأنهم أحبوا الموت في سبيل الله كما يحب أعداؤهم الحياة، فحين تعود يا بني، استعد لرسالتك، وتذكر أن ميادين العمل كلها عبادة، أريد أن أراك في المصانع والمتاجر والمعامل والإعلام أريد أن أراك خلف كل طائرة تطير، وخلف كل قوة تعيد للنساء والأطفال والشيوخ بشائر الحياة، أريد أن أراك في كل أنشودة أو مقالة كما عودتني تحمل الأمل في الحياة من جديد عندها نعيش كل عيد.
وأيضًا: حين تعود من الحج، تذكر أن الإنسان لا يسجنه إنسان مثله، فالمسجون هو الذي يسجن نفسه، ولذلك قال الإمام ابن تيمية: ما يفعل أعدائي بي فسجني خلوة ونفيي سياحة، وموتي شهادة.
إن الإسلام- يا بني- جاء ليحافظ على عقلك ودينك ومالك ونفسك وعرضك، ودون تلك الكليات الخمس يمسخ الإنسان فقيمتك في حريتك ويوم تفقدها تفقد نفسك.
أخيرًا- وليس آخرًا- لا تنس- يا بني- أن قضيتك هي فلسطين وهي أسيرة بأيدي أحفاد القردة والخنازير، فالصراع مع يهود عقيدة رسخت في وجدان المسلمين، وهم في مكة، قبل أن تكون لهم دولة، وقبل أن تناوشهم يهود فليكن أملك تحرير بيت المقدس، وهي معركة أجيال أو هي المعركة الدائمة بين الحق والباطل واعلم أن الباطل لا ينتفش إلا حين يضعف أهل الحق، قال تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُم الأعلون إن كُنتُم مُؤْمِنِين﴾ (آل عمران: 139)
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل