العنوان المجتمع التربوي العدد 1249
الكاتب د.عبدالحميد البلالي
تاريخ النشر الثلاثاء 13-مايو-1997
مشاهدات 63
نشر في العدد 1249
نشر في الصفحة 54
الثلاثاء 13-مايو-1997
وقفة تربوية .. قراء القرآن
يشخص الإمام الحسن البصري المتعاملين مع القرآن من المسلمين، ويصنفهم إلى ثلاثة أقسام، هم في واقع الأمر الأقسام التي نراها في حياتنا اليومية، حيث يقول: قراء القرآن ثلاثة:
- رجل اتخذه بضاعة ينقله من مصر إلى مصر، يطلب به ما عند الناس.
- وقوم حفظوا حروفه، وضيعوا حدوده واستدروا به الولاة، واستطالوا به على أهل بلادهم.
-ورجل قرأ القرآن فبدأ بما يعلم من دواء القرآن، فوضعه على داء قلبه فسهر ليله وهملت عيناه.. تسربلوا الخشوع وارتدوا بالحزن، وركدوا في محاريبهم، وجثوا في برانسهم، فبهم يسقي الله الغيث، وينزل القطر، ويرفع البلاء، والله لهذا الضرب في حملة القرآن أقل من الكبريت الأحمر، (عيون الأخبار ٢/١٣٣).
وصدق أبو سعيد فيما قال، حيث إن هناك شريحة ممن يتسمون بالدعاة يستخدمون هذا القرآن للتكسب فيقرؤون على هذا وذاك، هذا يخرجون منه الجن وآخر لعلاجه مما أصابه من مرض، وتارة يقرؤون على زجاجات الماء والزيت ويبيعونها بأضعاف ثمنها الأصلي بحجة أن في الزجاجات ماء مقدسًا قد قرأ عليه الشيخ، وهكذا أرخصوا القرآن، وغالب الناس من الصنف الثاني الذين يحرصون أشد الحرص على ختم القرآن وقراءته، ولا يوجد مما يقرؤون شيء في واقعهم، فيستمرون على أخلاقهم الرديئة، وعاداتهم السقيمة وأهوائهم المقيدة لهم من الانفلات نحو العلياء، وأقل الناس هم أولئك الأفذاذ الذين لم يحلوا لأنفسهم تجاوز القرآن حناجرهم قبل العمل بما يقرؤون أولئك هم المصاحف المتحركة بين الناس بهم تنجح الدعوات وتتقدم.
أبو خلاد
تأملات دعوية في شعر الإمام الشافعي
الشعر لسان حال العرب، ولا أحد ينكر أهمية الشعر، ولذلك نرى الرسول صلى الله عليه وسلم يقول لحسان بن ثابت رضي الله عنه: «اهجهم وروح القدس معك»، وهو القائل عليه الصلاة والسلام: «إن من الشعر لحكمة»، وقال عليه الصلاة والسلام: «أصدق كلمة قالها شاعر كلمة لبيد: ألا كل شيء ما خلا الله باطل»، لقد أدرك الرسول صلى الله عليه وسلم أهمية الشعر باعتبارها وسيلة من وسائل الدعوة التي لا غنى للدعاة عنها، كيف لا وللشعر وقع كوقع السيوف، ولعلنا نتطرق في هذا المقام إلى شاعر من شعراء الإسلام الذين حفروا شعرهم في جدار التاريخ فكانت شامخة شموخ الجبال، وسطرها بمداد الحكمة فكانت وما زالت تتداول على ألسن الناس، وشاعرنا هو الإمام الشافعي رحمه الله تعالى، مع أن الشافعي قال في أحد أبياته:
ولولا الشعر بالعلماء يزري *** لكنت اليوم أشعر من لبيد
فلم يلقِ الشافعي للشعر أهمية بالغة وذلك لانشغاله بطلب العلم والحديث والفقه، ومع ذلك فكانت أشعاره من أروع ما كتب، وهذه مقتطفات من شعره:
قال الإمام الشافعي:
ودع الذين إذا أتوك تنسكوا *** وإذا خلوا فهم ذئاب خراف
في هذا البيت خطاب لأولئك الذين إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها. وهؤلاء الصنف لم يفقهوا قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾. (الملك: ١٢) فحريّ بالأخ المسلم أن يخشى الله في سره وعلنه وليعلم بأن الله الذي خلق الظلام يراه، كيف لا وهو يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور وليحذر أن يكون من الذين قال تعالى عنهم ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَىٰ شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾.(البقرة: ١٤). واقرأوا قوله تعالى ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ﴾ ( إبراهيم: ٣٨)
قال الإمام الشافعي:
نعيب زماننا والعيب فينا *** وما لزماننا عيب سوانا
ونهجو ذا الزمان بغير ذنب *** ولو نطق الزمان بنا هجانا
وليس الذئب يأكل لحم ذئب *** ويأكل بعضنا بعضًا عيانا
وهذا حال بعض الدعاة هداهم الله لما يحبه ويرضاه، فكم من داعية ينطق قائلًا بأن هذا المدعو لا خير فيه ولا سبيل في هدايته ونسي قوله تعالى ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ﴾ (البقرة: 272)، والواقع أن العيب كل العيب في هذا الداعية الذي لا يعرف المفاتيح التي تفتح قلب هذا المدعو، واقرأوا قوله تعالى ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّىٰ وْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ الذِّكْرَىٰ﴾. (عبس: ٣-٤)، ومن جانب آخر نرى العجب العجاب من بعض الدعاة! فكلٌّ يُحمّل الخطأ غيره وكلٌّ يقع في عرض أخيه الذي يعمل معه في نفس العمل وهذا بلا شك ليس من صالح الدعوة فكيف تقوم الدعوة على أصولها إذا كان الدعاة يتنازعون؟ قال تعالى ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾. (الأنفال: ٤٦)
قال الإمام الشافعي:
تعصي الإله وأنت تظهر حبه *** هذا العمري في القياس بديع
لو كان حبك صادقًا لأطعته *** إن المحب لمن أحب مطيع
نعم.. هذا هو مقياس حب الله، فكم منا من يظهر حب الله ورسوله ولكن حالنا لا يدل على ذلك، فليس حب الله بتقبيل القرآن إنما حب الله بتقبل ما جاء في القرآن، وصدق الله القائل: قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله، وليس حب الرسول ﷺ بإنشاد القصائد النبوية المبالغ فيها فقد ثبت في الحديث الصحيح أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: «لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم»، فحب الرسول يتمثل في طاعته وأتباعه والاقتداء به، قال الإمام الشافعي:
يخاطبني السفيه بكل قبح *** فأكره أن أكون له مجيبًا
یزید سفاهة فأزيد حلمًا *** كعود زاده الإحراق طيبًا
فكم من داعية يواجه أصنافًا من الجهلاء والسفهاء، وكم هي الأقاويل والشُّبَه التي ليس لها من سلطان، فالداعية يجب أن يعرض عن هؤلاء بل ويدعو الله لهم بالهداية ويقول: اللهم اغفر لهم فإنهم لا يعلمون، ولا حاجة للدعاة للرد على هؤلاء، فما الفائدة من جراء ذلك إلا خسارة وقت وضياع جهد.
قال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى:
أحب من الإخوان كل مواتي *** وكل غضيض الطرف عن عثراتي
يوافقني في كل أمر أريده *** ويحفظني حيًا وبعد مماتي
يشير الإمام الشافعي في هذا البيت إلى سمات الأخوة الصادقة النابعة من سويداء القلب، لا تلك الأخوة الظاهرية التي تنم على أمور لا قبل لها من الحق والصواب، تلك الأخوة الزائفة التي تعكرت بهذه الشحناء وتلوثت بغبار البغضاء، فكانت كالفقاقيع في الهواء، سرعان ما تتلاشى وتندثر، فأين تلك الأخوة التي تجعل كلًّا منا يغض الطرف عن إخوانه ويحفظه حيًا وبعد مماته، فما أجلها من صورة وما أروعها منعبارة وما أبدعها من كلمة، فرحمك الله يا شافعي فلقد كانت أبياتك منارًا يستضاء بها لمن أدركهاووعاها.
صلاح اليافعي
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل