; المجتمع التربوي العدد 1250 | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع التربوي العدد 1250

الكاتب د.عبدالحميد البلالي

تاريخ النشر الثلاثاء 20-مايو-1997

مشاهدات 121

نشر في العدد 1250

نشر في الصفحة 54

الثلاثاء 20-مايو-1997

وقفة تربوية .. خطورة الترخص

هناك صنف من الدعاة يترخصون كثيرًا في المحظور، وخاصة فيما يتعلق بالنساء، فتراهم في الاتحادات الطلابية أو مؤسسات الدعوة التي تحتاج إلى تنسيق مع النساء لا يراعون الضوابط الشرعية في ذلك، كالاقتصاد في الحديث بما يخص العمل الدعوي، أو عدم الجلوس على طاولة واحدة أو وضع ما يمنع من المواجهة المباشرة ما أمكن... ويقابل هذا الصنف أيضًا صنف من الداعيات انكسر عندهن حاجز الحياء، فتراها تملك من الجرأة في الحديث مع الدعاة، والجلوس قريبًا منهم من غير غطاء للوجه، وقد تكون فاتنة الجمال دون مراعاة لهذه الجوانب الشرعية المهمة.

لقد امتنع النبي ﷺ عن مصافحة النساء في البيعة خوفًا من الفتنة، وأخبرنا بأن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء وأخبرنا بأنه ما ترك فتنة أشد على رجال أمته من النساء، كل ذلك ليكون نموذجًا عمليًا لأمته بالحذر من فتنة النساء والابتعاد ما أمكن عن الاختلاط الذي يؤدي إلى ما يغضب الله سبحانه وتعالى.

 يقول عمر بن عبد العزيز: «لا تخلون بامرأة حتى ولو كنت تحفظها القرآن» ويقول التابعي ميمون بن مهران: «ثلاث لا تبلون نفسك بهن لا تدخل على سلطان وإن قلت: أمره بطاعة الله ولا تصغين بسمعك إلى هوى، فإنك لا تدري ما يعلق بقلبك منه، ولا تدخل على امرأة، ولو قلت: أعلمها كتاب الله» سير أعلام النبلاء 5/77

أبو خلاد

مفاهيم دعوية في رسائل الإمام البنا (۷»

نحن..... والوطنيـة

*قبل الإمام الشهيد مختلف معاني الوطنية.. إلا أنه رفض وطنية الحزبية ووطنية التعصب للجنس والقوم

بقلم: د. عصام العريان (*»

كانت مصر تموج بتيار وطني عريض في بدايات القرن العشرين، وكانت إرهاصات هذا التيار ظهرت مع ثورة عرابي التي فشلت في تحقيق أهدافها، إلا أنها نجحت في إثارة الوعي السياسي في نفوس المصريين.

وقد مر مصطلح «الوطنية» بتغييرات في المفهوم على مر الأيام، ويقول الدكتور محمد محمد حسين في مقدمة الطبعة الأولى لكتابه القيم «الاتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر» عام ١٩٥٤م إن الحرب العالمية الأولى كانت حدًا فاصلًا بين عصرين متباينين في فهم مدلول الوطنية، وجدير بالذكر أن هذا المفهوم تعرض لتغيير أيضًا في أعقاب الانقلاب الذي حدث عام ١٩٥٢م، والذي تلته ثورة اجتماعية هائلة في تاريخ مصر الحديث ومازالت آثارها إلى يومنا هذا، باقية، وينقسم الناس حتى الآن تجاه الأفكار الرئيسية ومحاور الحياة إلى أقسام عدة، فمنهم من ظل على وفائه للعقيدة الإسلامية يفهمها بشمول وعموم، ومنهم من يرى الرابطة العربية القومية، ومنهم من يرنو ببصره إلى أفق رابطة وهمية تجمع شعوب بلاد البحر الأبيض المتوسط ومنهم من يريد أن نقلد أوروبا وأن نتبعها في كل أمر، ومنهم من يتعلق بأهداب أفكار – مازالت في طور التكوين بعد – العالمية والكونية والنظام العالمي الجديد الذي مازال في مرحلة السيولة.

ويبين الدكتور محمد محمد حسين في مقدمته أن فكرة الوطنية في ذلك الوقت – قبل الحرب العالمية الأولى – مختلفة بعض الاختلاف عما نعنيه منها اليوم، وأنها كانت مختلطة بالفكرة الإسلامية لا تدعو إلى الانفصال عن تركيا وإن كانت تدعو إلى مقاومة استبدادالعنصر الجركسي والنفوذ الأوروبي.

وقال: «إن هذه الحركة كانت تستهدف إنشاء رابطة عاطفية بين المصري ووطنه، تحفزهإلى الاهتمام بأمره والعمل على رفعته وأداء واجبه نحوه من جهة والمطالبة بحقه فيه من جهة أخرى ثم تطورت الفكرة القومية على أيدي أصحاب الثقافات الأوروبية، وبدأت تهاجم الرابطة الدينية وتعتبرها مصدر شر وتفرقة بين أبناء الجنس الواحد فدعا هذا الفهم الجديدللوطنية إلى أن يهاجمها المتمسكون بالرابطة الدينية، ويعتبرونها خطرًا يهدد وحدة الأقطار الإسلامية، ويضعف تكتلها امام الدول الأوروبية – الطامعة في استعمارها».

 وقد كان ذلك كله صدى لفكرة القوميات التي نشأت في أوروبا وانتشرت بصورة كبيرة خلال القرن التاسع عشر.

ويستمر الدكتور في حديثه قائلًا: «ثم خفت صوت القومية وركدت الدعوة إليها زمنًا بعدفشل الثورة العرابية حتى انبعثت من جديد في مختتم القرن التاسع عشر، متأثرة بفكرة القوميات الأوروبية «وأظن أن السبب الرئيسي كان مواجهة الاحتلال الإنجليزي الذي أعقب فشل الثورة العرابية وقضى عليها» واتخذت شكلين متباينين أحدهما يتحدث عن الوطنية حديثًا عاطفيًا، وتغنى بها كما يتغنى العاشق بمعشوقته، محاولًا أن يغزو قلوب المصريين بهذاالحب الجديد «ممثلًا في مصطفى كامل الذي دعا إلى جامعة مصرية إسلامية» والآخر يتحدث عن الوطن حديث العقل والمصلحة ولا يستهدف إثارة الناس ولكنه يحاول إقناعهم ولا يتغنى بالوطن المحبوب، ولكنه يتحدث عن النفع المادي والمصلحة المشتركة التي تجمع بين ساكنيه ممثلًا في «أحمد لطفي السيد كاتب حزب الأمة الأول، ورئيس تحرير مجلة الجريدة –جريدة الحزب داعيًا إلى جامعة مصرية خالصة» الإتجاهات الوطنية في الأداب  المعاصر، مقدمة الطبعة الأولى. 

الوطنية في ميزان الإسلام 

تحدث الإمام الشهيد عن الوطنية في رسالة «دعوتنا» وفي غيرها، ولم يخرج كلامه عن تقرير الأمور التالية:

أولًا: شرح الظروف السياسية والاجتماعية التي نشأ فيها المصطلح وكيف انتقل إلى بلادنا.

ثانيًا: تحليل المفهوم إلى عناصره الأولى فليس كل متحدث عن الوطنية يتفق في المقصدمع غيره من المتحدثين عنها، وبيان الرأي في كل عنصر منها.

ثالثًا: بيان الوطنية الربانية أو الوطنية الإسلامية وشمولها لكل المعاني الحسنة فيمفهوم الوطنية.

رابعًا: بيان حدود وطنيتنا الإسلامية وغايتها.

خامسًا: رد شبهة حول إمكانية التوفيق بين الوطنية الإسلامية والقومية الخاصة لكل وطن.

سادسًا: بيان وشرح الحالة المزرية التي صلت إليها الأقطار الإسلامية. 

نشأة مفهوم الوطنية

يقول الإمام الشهيد وافتتن الناس بدعوة الوطنية تارة، والقومية تارة أخرى، وبخاصة في الشرق، حيث تشعر الشعوب الشرقية بإساءة الغرب إليها إساءة نالت من عزتها وكرامتها واستقلالها، وأخذت من مالها ومن دمها، وحيث تتألم هذه الشعوب من هذا النير الغربي الذي فرض عليها فرضًا، فهي تحاول الخلاص منه بكل ما في وسعها من قوة ومنعة وجهاد وجلاد، انطلقت ألسن الزعماء وسالت أنهار الصحف،فكتب الكاتبون وخطب الخطباء وهتف الهاتفون اسم الوطنية وجلال القومية.

حسن ذلك وجميل، ولكن غير الحسن وغير جميل أنك حين تحاول إفهام الشعوب الشرقية –هي مسلمة– أن ذلك في الإسلام بأوفى وأزكى وأسمى وأنبل مما هو في أفواه الغربيين وكتابات أوروبيين أبوا ذلك عليك ولجوا في: تقاليدهم ممهون، وزعموا لك أن الإسلام في ناحية وهذه فكرة في ناحية أخرى وظن بعضهم أن ذلك مما فرق وحدة الأمة ويضعف رابطة الشباب. 

هذا الوهم الخاطئ كان خطرًا على الشعوب الشرقية من كل الوجهات، وبهذا الوهم أحببت أن أتعرض هنا إلى موقف الإخوان المسلمين ودعوتهم من فكرة الوطنية، تلك الموقف الذي ارتضوه نفسهم والذي يريدون ويحاولون أن يرضاه ناس معهم».

 يظهر لنا هنا أن الإمام الشهيد يرد المفهوم ونشاته إلى قضية أصلية أساسية أولًا وهي الاحتلال وأثاره. وهذا الكلام كان في مطلع الثلاثينيات من هذا القرن وهي المرحلة التي كبت الحياة الحزبية النشطة التي عادت في مصر بعد تصریح ۲۸ فبراير ۱۹۲۲م الذي أعلن الإنجليز إلغاء الحماية البريطانية والأحكام العرفية التي أعلنت إبان الحرب الأولى، وكانت قضية الاستقلال، هي محور الحياة السياسية بعد أن تم إعلان دستور عام ١٩٣٣م كمنحة من الملك إلا أن المفهوم والمصطلح دخل مصر قبل ذلك بنصف قرن تقريبًا، وكما مرَّ بنا من قبل كان من آثار البعثات المصرية إلى أوروبا في إطار أعطته للنهوض بمصر، ويسبب تأثرها بفكرة القوميات الأوروبية التي بنت دول أوروبا الحديثة. 

التي مازلنا نعاصرها الآن على أنقاض الإمبراطوريات الكبرى النمساوية والمجرية والعثمانية.

ولمزيد من البحث فلنستمع إلى الدكتور محمد محمد حسين وهو يقول: «إلى جانب ذلك الصوت القوي الغلاب الذي كان ينادي بوحدة الشعوب الإسلامية، ويستنهض الهمم باسم الإسلام ويرى أن النهضة الوطنية لاتتم إلا عن طريق الدين أو بمساعدته واستغلال سلطانه على النفوس على أقل تقدير، كانت هناك دعوة ناشئة تنادي بالقومية المصرية وتبثالشعور بالوطنية الإقليمية في الأمة».

ثم يبين أسبابها: «كانت هذه الدعوة صدىللاتجاه العالمي نحو فكرة القومية في القرن التاسع عشر، وكان المبشرون بهذه الدعوة في مصر متأثرين تأثرًا واضحًا بالتفكير الأوروبي كما يبدو من خطبهم وكتاباتهم.

وقد نشأت هذه الفكرة الجديدة «في أوروبا» نتيجة للتوسع الاستعماري الذي تلا اكتشاف مساحات واسعة جديدة لم تمسها يد في أمريكاوأواسط إفريقيا، أصبحت ميدانًا للتنافس الاستعماري بين الدول الأوروبية، وكانت حرب أمريكا في سبيل استقلالها والثورة الفرنسية من بعدها في مختتم القرن ۱۸ هي نقطة البداية لهذه الحركة التي اتخذت شكلًا عنيفًا.. «الاتجاهات الوطنية، الجزء الأول الفصل الثاني، نقلًا عن هـ. ج ولز ٤ ١٢٠ – ١٠٦٣ ص ٥٠». ويدلل على ذلك مقال لعبد العزيز جاويش يقرر فيه بصراحة أن الشعور بالوطنية اصطلاح أفرنكي انتقلت بذورهإلى الشرق من مطاوي العلوم العصرية وأصول

*مر مصطلح الوطنية بعدة تغيرات منذ بدايات القرن، وكانت الحرب العالمية الأولى تمثل حدا بين عصرين متباينين في فهم مدلولها

المدنية الحديثة التي اهتدى إليها أهل الغرب.

ويعرف الشيخ الإمام محمد عبده الوطن في جلة الوقائع المصرية بقوله: «في 28/11/1881»: «الوطن في اللغة محل الإنسان مطلقًا، فهو السكن بمعنى: استوطن القوم هذهالأرض وتوطنوها أي اتخذوها سكنا، وهو عند أهل السياسة مكانك الذي تنسب إليه، ويحفظ حقك فيه، ويعلم حقه عليك، وتأمن فيه على نفسك والك ومالك».. إلا أن مراجعة كتابات الاستان الإمام في فترات لاحقة لذلك المقال تبين أن مقصوده يختلف عن المدلول الذي للكلمة فيأذهاننا اليوم، حيث كتب بعد ذلك مقالًا بعنوان: «ماضي الأمة وحاضرها وعلاج عللها»، فيحمل فيه حملة كبيرة على دعاة الوطنية المقلدين للغرب، وكان ذلك عام ١٨٨٥م، وبين أن انتشال الأمة الإسلامية مما هي فيه من ضعف لا يتم إلا عن طريق الدين فكان مما قاله: 

«ربما يوجد بينهم «أي المصريين والعثمانيين» أفراد يتفيهقون بألفاظ الحرية والوطنية والجنسية وما شاكلها، ويصوغونها في عبارات متقطعةبتراء لا تعرف غايتها ولا تعلم بدايتها، وسموا أنفسهم بزعماء الحرية أو بسمة أخرى على ما يختارون، ووقفوا عند هذا الحد» ويهاجمهم مرة أخرى فيقول ذامًا هؤلاء الذينيقتحمون لفظ التعصب، في كل أحاديثهم «والمتسريلون بسرابيل الإفرنج الذاهبون في تقليدهم مذاهب الخبط والخلط لا يميزون بين حق وباطل هم أحرص الناس على التشدق بهذا البدعالجديد».

حتى وصل إلى القول بأن الدعوة إلى التعصب في الجنس الذي يسمونه «الوطنية» إنما يروجه الإفرنج الذين يريدون أن ينقضوا أبناء الملة الإسلامية، ويفرقوا بين شعوبها ليسهل عليهماستعمارها، وأن المغفلين من المسلمين الذين اتبعوا هذه الدعوة الخبيثة قد هدموا العصبية الدينية ثم لم يستطيعوا أن يقيموا مكانها العصبيةالجنسية التي يسمونها الوطنية».

الاتجاهات الوطنية الجزء الأول، ص ٥٢ –٥٨ نقلًا عن تاريخ الإستاذ الإمام ٢ – ١٩٤ –٢٥٨ كان هذا أصل نشأة المصطلح، وكيف انتقل إلى الشرق ومنها بلادنا ومصر، إلا أن هذا المفهوم للوطنية التبس في أذهان المصريين التباسًا كبيرًا، نظرًا لكثرة ما يدل عليه من مدلولات.

 دلالات مصطلح الوطنية.

 شرح الإمام الشهيد معاني متعددة لفكرة الوطنية، بحيث نستطيع أن نطلها إلى عناصرها الأولى، ثم نفرز الصالح منها من الطالح، فتقبل مايتفق مع الإسلام، وهو يقبل الصالح من كل فكرة، وترفض ما يتنافى مع عقيدتنا وديننا. 

وقد بين الإمام الشهيد أن الوطنية قد يعني بها وطنية الحنين أو وطنية الحرية والعزة أو وطنية المجتمع، أو وطنية الفتح، وأخيرًا قد يرادبها وطنية الحزبية.

وقد قبل الإمام كل معاني فكرة الوطنية السابقة إلا وطنية الحزبية بالمعنى الذي ساقه وسيأتي بيانه ويجدر بنا أن نبين المعاني الأخرىللوطنية التي شاعت في ذلك العصر الذي كتب فيه الإمام الشهيد هذه الرسالة «دعوتنا». 

كانت هناك وطنية تعني التعصب الجنسي والقومي، وستأتي عند الحديث عن فكرة القومية وكانت هناك وطنية بمعنى ديني كما مر بنا منكلمات الإمام محمد عبده.

هذه الوطنية كانت فيما يبدو نتيجة تسلط العنصر التركي والجركسي، وكانت تهدف إلى إنشاء رابطة عاطفية بين المصري ووطنه تدفعه إلى الإهتمام بأمره والعمل على رفعته دون أن تنتقصمن الرابطة الدينية، إلا أنه بمرور الوقت تطورت هذه الفكرة على يد أصحاب الثقافة الأوروبية

وبدأت تهاجم الرابطة الدينية وتعتبرها مصدر شر وتفرقة بين أبناء الجنس الواحد، وتركزت الفكرة حول تجميع الناس للمطالبة بحقوقهم، فقط معمهادنة الاحتلال الأجنبي كما حدث مع حزب الأمة الذي أسسه كبار الملاك في مصر عام ١٩٠٧م، وكان لسانه الناطق أحمد لطفي السيد، بينما ظل الزعيم الشاب مصطفى كامل على وفائه للدين وندائه بالجامعة الإسلامية، وقد خطب يقول عام 1898م، 1900م، إن الوطنية هي أشرف الروابط للأفراد.... وأن لا شرف لها أي للحياة بغير الوطنية والعمل لإعلاء شأن الوطن وبنيه قد يظن بعض الناس أن الدين ينافي الوطنية، ولكني أرى أن الدين والوطنية توأمان متلازمان ويستشهد بقول بسمارك أكبر ساسة العصر والذي شيد الوحدة الألمانية لو نزعتم العقيدة من فؤادي لنزعتم معها محبة الأوطان، وهو القائل:

«لو لم أولد مصريًا لوددت أن أكون مصريًا». 

وطنية الباشوات

وتطورت فكرة الوطنية على يد رجال حزب الأمة الذي جمع الباشوات من كبار الملاك وجماعة من المثقفين الذين تأثروا بالحضارة الأوروبية أيماتأثر، وعلى رأسهم أحمد لطفي السيد، وكان مذهبهم في الوطنية يتلخص في:

–الدعوة إلى التحرر الفكري. 

–التعاون مع الأوروبيين في كل ميادين الحياةومجالات النشاط ثقافيًا واقتصاديًا وسياسًا.

ويكفينا مثال من كتابات أحمد لطفي السيد في لسان حال الحزب الجريدة، عام ١٩٠٩م، وخلاصته: «إن الوطنية لا ينبغي أن تكون اندفاعًا عاطفيًا أعمى يتخبط على غير هدى من المنطق السليم والتفكير الهادئ المتزن ولا ينبغيأن تقام على أساس من الأوهام التي لا سبيل إلى تحقيقها، من مثل التعلق بالجامعة الإسلامية، أو الرابطة العثمانية، والأحرى بالمصري أن يفكر في نفسه أولًا، وفي مصلحته قبل كل شيء وهي مصلحة يتفق فيها سائر المصريين وهم يعنون بهم المقيمين في مصر و ممن استوطنوها على اختلاف نحلهم ومذاهبهم ولا يشاركهم فيها غيرهم من المسلمين» .

وعندما عرض لأفكار المذاهب عن الوطنية وفند رأي الاشتراكيين الذين يرون أن الأرض كلها وطن واحد، ورأى بعض علماء الاجتماع الذين يرون لكلشعب وطنًا قديمًا ويعتبرونه أحق به، ينتهي إلى أن الوطن هو مركز المصلحة العامة للجماعة. 

ولم يكتف هؤلاء بتقرير هذا المعنى للوطنية ولكنهم دأبوا على مهاجمة فكرة الوطنية القائمة على معنى الرابطة الدينية وزعموا أن التاريخوطبائع البشر علمتنا أنه لا شيء يجمع بين الناس إلا المنافع، ويقول عبد الحميد الزهراوي السوريالذي كان من دعاة الثورة العربية ضد تركيا والسلطنة العثمانية وهاجر إلى مصر في الـ ٣٢ من عمره عام ۱۹۰۰م، وتولى رئاسة تحرير الجريدة لسان حزب الأمة وعاد إلى سورية عام 1908م، بعد إعلان الدستور العثماني ورأس المؤتمر العربي الذي عقد في باريس عام ١٩١٣م، وعندما عاد إلى دمشق عند إعلان الحرب العالمية الأولى ١٩١٤م فأعدمه جمال باشا مع من أعدموا شنقًا من الثوار في 6/5/1917م، يقول في جريدة الحرية 10/٩/1907م، «فمنذ اختلف المسلمون ثلبت جامعتهم ولم يتفقوا اتفاقًا سياسيًا بعد عهد عمر، ولا اتفاقًا دينيًا بعد عهد علي، فماجامعة قوم مختلفين منذ ثلاثة عشر قرنًا اختلافًا سياسيًا واختلافًا دينيًا، يقتل بعضهم بعضًا، ويستعين بعضهم على بعض بأهل الملل المخالفة من الأساس؟». 

إلا أن هذا المنحى في فهم الوطنية قد مني بكارثة في مصر عام ١٩١١م بظهور الفتنة بين النصارى والمسلمين فيها وانعقاد المؤتمر القبطي بأسيوط في مارس عام ١٩١١م. 

وهذه الأزمة بين عنصري الأمة كان مرجعها إلى سوء الظن وفقدان الثقة ولعب الجهل دورًا خطيرًا في إذكاء روح العصبية العمياء. 

وقد كان مرجع تلك الفتنة إلى ازدياد ثروات النصارى واتجاههم إلى جمع المال، وكانوا يتوقعون أن تزداد مكانتهم في العهد الجديد بسبب عدم مسهم لمحاربة الاحتلال، وكذلك تمسكهم بالوظائف التي زهد فيها المسلمون مما أكسبهم، مكانة خاصة في مجال الوظائف المتصلة بالمال والحسابات بجانب ارفاع نسبتهم في أوساط المتعلمين في التعليم المدني، وتوجت الفتنة بمقتل بطرس غالي في 10/٢/1910م فتفاقم الخلاف.

وقد رد مصطفى رياض باشا والد صفي زغلول زوجة الزعيم المعروف سعد زغلول، بالدعوة إلى مؤتمر مصري عام ينظر في شؤون المصرية عامة – أقباطًا ومسلمين، وسماه المؤتمر المصري توكيدًا لوحدة الأمة، وتكلم لطفي السيد وتلا تقرير اللجنة التحضيرية وكان مما قال إن الأقليات والأكثرية في الأمم لا تقوم على أساس الدينولكنها تقوم على أساس المذاهب السياسية.

ميلاد الوطنية المصرية

ويعقب الدكتور محمد محمد حسين على مجمل الفتنة فيقول: «إن هذا الشر المستطير كان نقطة تحول في تاريخ الفكرة القومية، وإذا كان من الحق أن هذه الخصومة كانت قمة العنف فيالنزاع الذي ينذر بتصدع الجامعة، فمن الحق أنها كانت هي الوقت نفسه الميلاد الحقيقي لفكرة الوطنية المصرية، ونقطة البداية الصحيحة فيالجامعة القومية التي بدت بعد ذلك في أكمل مظاهرها في ثورة ۱۹۱۹م.

ولا يعني هذا أنه كانت هناك تفرقة دينية، بل إن الإسلام بتسامحه كان يشمل الجميع في مصر، وعندما نشر الحزب الوطني الذي انبثق إبان الثورة العرابية برنامجه الرسمي في أول يناير ۱۸۸۲م، دل على وعي سياسي مصري صميم يقوم على أساس القومية المصرية وحدهادون تفرقة بين الأديان وجاء فيه:

«الحزب الوطني حزب سياسي لا ديني، فإنه مؤلف من رجال مختلفي العقيدة والمذهبوأغلبيته مسلمون لأن تسعة أعشار المصريين من المسلمين، وجاء الاحتلال الإنجليزي فجثم على صدور المصريين، وطال ليل الاحتلال وأرهقتطلباته المصريين بتكاليف باهظة وعطلت الصحف أو منعت تمامًا.

وكان أول صوت ارتفع باسم الوطن والوطنية بعد الاحتلال هو صوت صحيفة «المؤيد» التي ظهر العدد الأول منها في أول ديسمبر،۱۸۸۹م، وجاء فيه «خدمة الأوطان من أوجب الواجبات وألزم الفرائض» 

ثم اتجهت فكرة الوطنية في أعقاب ثورة 1919  م إلى منحى آخر هو الحزبية السياسيةحيث نشأت أحزاب ثلاثة رئيسية عقب تصريح28/2/1922م الشهير، وهي حزب الوفد بزعامة سعد زغلول باشا وحزب الأحرار الدستوريينالذي ورث حزب الأمة القديم، وظل الحزب الوطني على نفس تنظيمه القديم برئاسة حافظ رمضان الذي خلف الزعيمين مصطفى كامل ومحمد فريد.

وبتطور الحياة السياسية وإجراء الانتخابات تلو الانتخابات، وبسبب الخلافات الشخصية بين الزعماء حول قضايا التعامل مع الإنجليز وكيفيةالتفاوض معهم في شأن الجلاء، والتعامل مع الملك والرأي في شأن احترام الدستور، وغيرها مما تسبب في ظهور مدلول جديد لفكرة الوطنيةهو الوطنية الحزبية.

الرابط المختصر :