العنوان وقفات لمن أراد المسير
الكاتب د. جاسم المهلهل آل ياسين
تاريخ النشر الثلاثاء 19-أكتوبر-1982
مشاهدات 80
نشر في العدد 591
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 19-أكتوبر-1982
إن المنبت لا ظهر أبقى ولا درب قطع، فلا بد للسائر في أي فكر وأي درب وطريق من البحث عن مظلة يستظل بها من شدة حر الشمس أو الفكر، ويحتمي بها من زخات المطر والبرد -بفتح الراء- إن كان من السحاب، أو من الواقع والفلسفات والأحزاب.
والذي يدفعنا إلى طلب الوقوف للاستفادة والمراجعة هو هذا البلل الذي أصاب الفكر والعقائد، وهذه الحرارة التي أحرقت وشوهت وجه المواقف والصلابة والثبات.
فإلى ظل منبر المجتمع نستظل به ونقف سويًا بظلاله.
● الموقف الأول
في غفلة من الضوابط الشرعية، وبهرج من العبارات الديناميكية، وتشجيعًا من أصحاب الأقلام العقلانية تنبري أصوات من أهل الدعوة بحسن النية وسلامة المقصد لتقول: «إن على العلماء الشرعيين في الحركة الإسلامية الدخول والعيش في الواقع، لتكون الفتاوى التي يصدرونها إلى الحقيقة أقرب منها إلى الخيال».. وهذه المقولة وإن كان ظاهرها كما يبدو سليمًا، إلا أن لازمها ومستلزم فهمها يعني أن علماء الحركة الإسلامية نشأوا بمعزل عن العمل والدعوة والحركة بين أوساط المدعوين، ومن خلال تجمعات الشباب، وهذا يعني بالضرورة أنهم انكبوا على أوراق الكتب ليقرءوا الناسخ والمنسوخ والمقيد والمطلق، والعام والخاص، والحلال والحرام، ثم جلسوا على سجادتهم ليصدروا الأحكام الشرعية لمن سألهم عنها!!
وهذا مناف للحقيقة وللذي يجب أن يكون، فعلماء الشريعة في الحركة الإسلامية يختلفون عن غيرهم، فعلى أيديهم تربى الشباب، وبسعيهم احتفظت الحركة الإسلامية بإطارها الشرعي، فهم علماء نشأوا للحركة ومع الحركة وبالحركة، ولذلك تعلموا العلم لا ليماروا به السفهاء ويجاروا به العلماء، ويتكبروا به على عباد الله، ولا ليكسبوا به درهمًا أو دينارًا، ولكن ليحفظوا دينهم ومسارهم ومسار إخوانهم.
وعلى ذلك فالمقولة السابقة أصح ما فيها أنها كلمة حق أريد بها باطل، لا من قائلها من أبناء الحركة الإسلامية، ولكن ممن زينها وأدخلها إلى حظيرة الدعاة. وفي نهاية الموقف الأول تخرج لنا هذه الحقيقة:
«علماء الشريعة في الحركة الإسلامية ليسوا بعيدين عن الواقع المحلي والعالمي، فهم الذين أخذوا على عاتقهم تغيير الواقع، فكيف يغير الواقع من لا يعرف الواقع؟!!».
● الموقف الثاني
في هذا الموقف نعلن بجميع موجات البث الإعلامي المسموعة منها والمرئية والمقروءة، الطويلة والقصيرة والمتوسطة: «يا علماء الشريعة: مكانكم في أوساط الدعاة، فلا تبخلوا ولا تجبنوا ولا تضعفوا ولا تركنوا» نعم من خلال الحركات الإسلامية يتم التغيير والإصلاح، فهي الأبواق التي بينت الحوادث صلابة معدنها، ونقاء سريرتها، وصدقها مع ربها بعد أن تكشفت الأنظمة الزائفة، والدمى المتحركة والقطورات الخادعة، والأطعمة الفاسدة بعد أن انكشفت الأيدي الصانعة للفطير
اليهودي بالدماء العربية المسلمة!!
فيا علماء الشريعة: أنتم ورثة الأنبياء، فالأنبياء لم يورثوا درهمًا ولا دينارًا ولا علمًا خاملًا كسولًا، بل علمًا وعملًا وفهمًا وحركة، قلمًا وسيفًا.
فالجهاد والحركة والدعوة والعمل تحتاج إلى إيمان وخشية، وهذه قد قررها الله للعلماء: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء﴾ (فاطر: 28) فلا تتركوا إدارة العمل من داخله، وترضوا بما يخططه أعداء الله لكم من بقائكم خارج إطار التوجيه والتقنين، وحصر نشاطكم في خطبة الجمعة ونواقض الوضوء وشروط الصلاة، فكما أن هذا من واجبكم، فكذلك من ضروريات مهامكم المحافظة على سير الحركة في حدود الفهم الإسلامي، وهذا الأمر يستلزم صمام الأمان الشرعي الذي لا يملكه إلا أصحاب القلم الشرعي، الذين بتغيبهم سيتولى زمام التقنين من هم ليسوا أهلًا لذلك، فيعمدون إلى تقديم عقولهم على الشرع فيجعلون العقل بمثابة شاهدي عدل، والشرع بمثابة الشاهد الزائد الذي يستأنس به فقط، وفي هذه اللحظة تبدأ الحركة بالانحراف وتأخذ في التخبط والحيرة، فلا هي التي التزمت منهج ربها، ولا هي التي سارت على منهج البشر!! لأن من المقرر نقلًا وعقلًا أن من لا يحسن الالتزام بشريعة المصطفى -صلى الله عليه وسلم- ليس أهلًا لحمل رسالته.
● الموقف الثالث
ما دمنا في ظل منبر المجتمع فلا حرج من أن نطيل الوقفات إن كان من ورائها صواب وسرعة في الحركة.. ووقفتنا هذه نقرأها بالروية حتى نبتعد عن الفرقة والخلافات البشرية.
إن الناظر في خلافات أصحاب الحركة -حتى الذين هم في إطار واحد- يرى أن السبب متمثل في أن كل واحد منهم نظر إلى جانب من الحركة وجعله هو الحركة، وخاصم وفاصل عليه، وخطأ الآخرين على ضوئه، مع أن الحركة تشمل الجوانب كلها. ولتوضيح هذا الموقف نذكر هذه الصور:
● الصورة الأولى
انقسم أهل الدعوة على رأيين: هل الحركة الإسلامية حركة تغييرية أو إصلاحية، وبدأ بينهما سجال ودارت بينهما منازعات واتهامات.. وفي هذا المجال نقول لا خلاف بين الفريقين فالحركة الإسلامية إصلاحية في مجال الإصلاح، وتغييرية في مجال التغيير، والناظر إلى سيرة النبي -صلى الله عليه وسلم- في الحركة يرى قيام النبي -صلى الله عليه وسلم- بالأعمال الإصلاحية من محاربة المفاسد ودعوة إلى الأخلاق، في نفس الوقت الذي كان يعرض نفسه -صلى الله عليه وسلم- على القبائل ليكون دولة الإسلام بهم، التي تقوم بعمل التغيير للوجه الجاهلي للجزيرة العربية، فعلى ذلك فلا مبرر للصراع والاتهامات على أن يكون الهدف النهائي للحركة الإسلامية هو عبادة الله بمفهومها الواسع، وهدم الطاغوت كما قال الله تعالى ﴿أَنِ اُعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (النحل: 36).
● الصورة الثانية
يدور الحوار بين أصحاب الحركة الإسلامية حول أسلوب العمل الأصلح، هل البناء والتركيز في الصياغة الفردية لإنسان الحركة الإسلامية، أم العمل الجماهيري العام والتوعية الإسلامية الوعظية؟؟ ويحمى النقاش بين أنصار كل فريق من الفريقين.. وفي هذا نقول لا مبرر للصراع إذا كان الاتجاهان يكمل أحدهما الآخر، حيث إنه لا بد من صياغة الفرد الرباني الذي يحمل الرسالة ويقوم بالتغيير، كما أنه يلزم وجود الجماهير المسلمة الواعية التي ترضى بتوجيه الفرد الرباني عن قناعة وإيمان، وإن لم يكن عندها استعداد لتحمل الرسالة وتبعاتها، وهذا التوافق بين الرأيين كان منهج النبي -صلى الله عليه وسلم-.. فالرسول -صلى الله عليه وسلم- الذي كان يذهب إلى الطائف لدعوة الجماهير، ويصعد على الصفا ليدعو عوام أهل مكة وخواصهم، هو نفسه الرسول -صلى الله عليه وسلم- الذي كان يربي الجيل القرآني الفريد في دار الأرقم بن أبي الأرقم، وشعب أبي طالب.. ولا تناقض بين الموقفين، ثم بعد ذلك ينحصر النقاش في الأولويات، وهذه كذلك أمور نسبية خاضعة لوضع الحركة من حيث القوة والضعف، بالنظر إلى الكيف والكم، وخاضعة للظروف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية المحيطة بالحركة.
● الصورة الثالثة
بماذا نتحدث وماذا نكتب؟؟ حوار يدور مع كل خطبة ومع كل كتاب ورسالة، هذه الخطبة لا تناسب الوضع الذي نحن فيه، وتلك الرسالة كان المفروض ألا تأخذ الجهد والوقت وهكذا تجار الكلام!! فإلى هؤلاء نذكر واقع النبي -صلى الله عليه وسلم- الشمولي في البيان والحديث والتوجيه، فالرسول المصطفى -صلى الله عليه وسلم- الذي كان يسير الجيوش لقتال الكفار، هو الرسول -صلى الله عليه وسلم- الذي كان يحاور الوفود و يبرم العهود، هو الرسول -صلى الله عليه وسلم- الذي كان يداعب الصبيان: «يا أبا عمير ما فعل النغير» هو الرسول نفسه -صلى الله عليه وسلم- الذي كان يجلس مع المرأة فيشرح لها عن خصائص نفسها في أدق أمورها وحكم شرع الله فيها، ولم يكن ذلك ينقص من اهتماماته الأخرى، ومن الأخطاء الشائعة عند أهل الحركة الإسلامية أنك تراهم يهملون بعض أمور الشرع ليظهروا اهتمامهم في الأمور الجسام الملقاة على عواتقهم، فتراه يجلس من صلاة العشاء إلى الفجر ليناقش بيانًا أصدره اليسار، وليس لديه استعداد أن يجلس نصف ساعة ليعرف نواقض الوضوء، أو كيفية قراءة القرآن، بحجة أن هناك أمورًا مهمة مناطة به.
فإلى هؤلاء، إلى إخواننا الذين نحبهم في الله ونسأل الله أن يجمعنا وإياهم على منابر النور، إلى المعتمدين على جهودهم وعقولهم، نقول: «لا إفراط ولا تفريط» فكما تهتم بالبيان السياسي، والتوجيه الاقتصادي، اهتم بالحكم الفقهي، واعلم أن علماء المسلمين الذين كتبوا بالأحكام السلطانية هم الذين كتبوا بالطهارة والعبادات، فلا تعارض بين الأمرين بل يكمل كل واحد منهما الآخر.
● الموقف الرابع
في هذا الموقف نتعدى إطار أصحاب الحركة الإسلامية إلى أصحاب القضية الفلسطينية، فبعد ظهور الصورة على حقيقتها وجلاء الأمر لكل صاحب عقل، بعد أن نزعت دول المشرق ثدييها من فم الطفل الفلسطيني، وتخلى إخوة الرضاعة -دول الخمود والتردي- عن التزاماتهم ووعودهم، وتعدوا على حقوق المنظمة -إن كانت مصانع أسلحة أو طائرات أو أية مخصصات أخرى- بحجة الاحتياج لحالة الحرب الوهمي التي يعيشونها، بعد هذا كله، وبعد أن تبينت تواطؤات أبناء البيت الأبيض، بعد أن لعبت بكم شياطين الجن والإنس، بعد أن رميتم أنفسكم في أحضان كل شيطان مريد.. بعد هذه الضربات ألم يأن لكم أن ترجعوا إلى ربكم سلوكًا وعقيدةً ومنهجًا ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ﴾ (الحديد: 16).
كانت حجتكم الواضحة في عدم تبني المنهج الإسلامي، الاستفادة من جميع الاتجاهات، فبالله عليكم فقوا لحظة وفكروا ماذا فعل لكم السلاح الروسي الذي جمعتموه، من السقوط الفكري الذي مارستموه من خلال العبادات اليسارية اللا دينية الجوفاء. ماذا فعلت لكم الطاقات البشرية المنسلخة عن الإسلام، ماذا حققت المنظمة في الواقع، لا في العبارات والإشارات في سبع عشرة سنة من الحركة والعمل، أين قطاع غزة؟ أين الضفة الغربية؟ أين الجولان؟ أین لبنان القواعد الفدائية، لا لبنان القواعد الكتائبية؟ أين صواريخ سام لحماية الشعب اللبناني والقواعد الفدائية من العبارات التي يشترك فيها حتى الإعلام العربي «في إخراج القوات الأجنبية من لبنان؟؟ أما آن لكم بعد ذلك أن ترجعوا إلى ربكم: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾ (النمل: 62).
ومن هذا الواقع الذي عاشته المنظمة الفلسطينية، لا بد من أحد الدروس حتى لا نلدغ من جحر مرتين، وهذه الدروس أذكر منها ما هو للحركة الإسلامية وللمنظمة الفدائية على السواء:
▪ الدرس الأول
التعلق بالله وحده فالله -سبحانه- أغنى الشركاء عن الشرك، والركون إليه وحده هو الركون إلى الركن الشديد في حقيقة الأمر، والركون إلى الله يكون بالتوسل إليه بالدعاء، وإخلاص المقصد، وإحسان العمل بتبني منهج الله في الحركة والتفكير والتخطيط والتدبير.
▪ الدرس الثاني
عدم الحرص على الزعامة والتعلق بها، فمن أكبر أسباب الانحراف عن منهج الله حب الدنيا والتعلق بها، فيختلط على الإنسان: أعمله هذا وتصريحه ذاك للحفاظ على زعامته ومكانته، أم لنصرة دين الله؟
▪ الدرس الثالث
التخطيط وفق الواقع الذي تعيشه الحركة، مع معرفة القوة الحقيقية التي تملكها الحركة بصرف النظر عن عبارات الغرور، والتصرفات المتهورة التي تخرج من المتحمسين، فمن الأساليب المتكررة في ضرب الحركات هو اشتغال الضارب بنفسه بإعطاء المقابل حجمًا أكبر من حجمه ليسهل قتله، كما يأتي الطفل الصغير «بالبلونة» ويبدأ بنفخها بدرجة أكبر من حجمها فتنفجر، ولتأكيد ذلك، لتراجع الحركة الإسلامية أوراقها في الخمسينات، ولتراجع المنظمة أوراقها في السبعين، لنأخذ من ذلك درسًا وعبرة.
▪ الدرس الرابع
إن صاحب الشذوذ الفكري والعقدي يجب أن يعامل بحسب قربه من الحق وبعده عنه، لا بحسب قوته وكثرة أنصاره وتمكنه، فالنصر من عند الله وليس من عند البشر. فلنطلبه من عند الله، فالنصر يعطيه الله لجنده عند إخلاصهم وموافقتهم لهديه، فالمطلوب منا الالتزام لا نتيجة الالتزام، وعلاجًا للطبيعة البشرية التي تجعل كثرة الأنصار دليل الصواب، قال ابن القيم -رحمه الله-: «عليك بطريق الحق ولا تستوحش قلة السالكين، وإياك وطريق الباطل ولا تغتر بكثرة الهالكين».
وبعد هذه المواقف في ظل منبر المجتمع، نسأل الله العلي القدير أن يجمعنا وإياكم ورئيس تحرير المجتمع، ومن فقه من العاملين تحت ظله يوم لا ظل إلا ظله.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل