العنوان وصفٌ قلبيٌ للحج من بعض مشاهير المهتدين الجدد
الكاتب د. أحمد عيسى
تاريخ النشر الأربعاء 01-أكتوبر-2014
مشاهدات 97
نشر في العدد 2076
نشر في الصفحة 54
الأربعاء 01-أكتوبر-2014
"مالكلوم إكس": في حياتي لم أشهد أصدق من هذا الإخاء بين أناس من كل الألوان والأجناس
"مراد هوفمان": الحجر الأسود الأثر الوحيد الباقي من عصر ما قبل الإسلام ومن يلمسه يتصل اتصالاً مادياً بالرسول
محمد أسد: الكعبة كانت ولا تزال محطَّ أشواق الملايين الكثيرة من الناس قروناً عديدة
المتتبع لأحوال المسلمين الجدد يجد نفوسهم صافية مفعمة بالمشاعر، وإيمانهم خالطت بشاشته القلوب، لا تنفك عن التفكر والتأمل والاستنباط، مختلفة عن قلب الذي ألِفَ المشاهد وجفَّ منها ينبوع العِبَر.
في هذه المقالة أطرح رؤية بعض هؤلاء في حجهم؛ لنتعرف عما إذا كانوا عاشوا رحلتهم تلك بقلوبهم وكيف عبروا عنها لنا.
"مالكلوم إكس" (الأمريكي مناضل حقوق السود):
طبعت مذكراته منذ نشرها عام 1965م في كتاب بيع منه أكثر من ستة ملايين نسخة، واعتبر واحداً من أكثر عشرة كتب مؤثرة في القرن العشرين، يذكر "مالكلوم إكس" في الرسالة التي كتبها إلى صديقه وكاتب سيرته الذاتية "إليكس هاليي"، بعد أداء فريضة الحج عام 1964م، وصفها أنه كتبها "من صميم قلبي"، وقال فيها كما هي منشورة في كتاب السيرة الذاتية (صفحة 260 وما بعدها): "في حياتي لم أشهد أصدق من هذا الإخاء بين أناس من كل الألوان والأجناس، أذهلوني بما رأيته منهم من لطف.. ووقفت بعرفات مع عشرات الآلاف من الناس القادمين من كل أرض، والذين يمثلون كل درجات الألوان البشرية؛ من الشقر ذوي العيون الزرق، إلى الأفارقة السود، فأديت معهم المناسك نفسها في إخاء ووحدة، كنت أحسب من تجربتي في أمريكا أنهما أمران مستحيلان بين الإنسان الأبيض والأسود، إن أمريكا بحاجة إلى فهم الإسلام؛ لأنه الدين الوحيد الذي يملك حل مشكل العنصرية فيها، وخلال سفري في العالم الإسلامي قابلت وكلمت بل أكلت مع رجال كانوا سيعتبرون "بيضاً" في أمريكا، ولكن الإسلام محا الموقف "الأبيض" من سلوكهم، ورأيت لأول مرة في حياتي أناساً من كل الألوان لا ينظرون إلى ألوانهم، ويعيشون في إخاء صادق وحقيقي، وقد يدهشكم ما سأقوله، ولكن ما رأيته وعشته في هذه الحجة قلَبَ أفكاري.. ففي خلال الأحد عشر يوماً الماضية التي قضيتها في العالم الإسلامي، أكلت من إناء واحد، وشربت من كأس واحدة، ونمت في فراش واحد، وأنا أعبد رباً واحداً مع مسلمين عيونهم زرقاء كأشد ما تكون الزرقة، وشعورهم شقراء كأشد ما تكون الشقرة، وجلدهم أبيض كأشد ما يكون البياض، رجال وجدت في أقوالهم وأفعالهم الإخلاص نفسه الذي وجدته عند المسلمين السود القادمين من نيجيريا والسودان وغانا".
وعاد "مالكلوم" من حجه مولوداً من جديد، يعلن إسلامه السُّني الصحيح، ويسمي نفسه الحاج "مالك الشباز".
"د. مراد هوفمان" (السفير الألماني والمفكر الإسلامي):
حج عام 1992م، ويقول في كتابه "رحلة إلى مكة" عن طوافه بالكعبة: "بدأنا بعد ذلك نطوف حول الكعبة، التي يتجه إليها مليار من البشر في صلواتهم اليومية، ولم يغب عن خاطري طول الطواف أننا نتجه في طوافنا إلى الله، وأضفت إلى الأدعية المعتادة دعاء شخصياً مفاده: "اللهم اجعل الحق يقرّ في نفسي، واجعل الحق حقيقتي الشخصية".
ويقول عن الحجر الأسود: "الحجر الأسود الذي لا ينفع ولا يضر هو الأثر الوحيد الباقي من عصر ما قبل الإسلام، وهو بإيجاز أقدم أجزاء الكعبة، ناهيك عن أن محمداً صلى الله عليه وسلم شخصياً هو الذي وضعه حيث هو اليوم، ولذلك فإن من يلمس هذا الحجر يتصل اتصالاً مادياً بالرسول صلى الله عليه وسلم، وينضم مثل ملايين سبقوه في سلسلة متواصلة، ولم يكن هذا الأمر لرفاقي في الحج إلا مصدر إلهام".
أما الطواف حول الكعبة فيأتي تأمله: "النظر من هنا إلى أسفل يكاد يكون كالتنويم المغناطيسي، والمشهد شديد الجمال، فالكعبة تبدو مركزاً ثابتاً لا يتحرك كاسطوانة تدور ببطء وفي سكون تام في اتجاه مضاد لاتجاه عقارب الساعة، ولا يتغير هذا المشهد إلا عند الصلاة؛ حيث تصير الكعبة مركزاً لدوائر عديدة متحدة المركز، تتكون من مئات الآلاف من أجسام ناصعة البياض، لأناس يرغبون في شيء واحد، ويبحثون عن شيء واحد، ويفعلون شيئاً واحداً، رمزاً لتسليم النفس إلى بارئها".. وعن معاني الوقوف بعرفة: "هذا إذاً هو معنى الوقوف بين يدي الله بعرفات، ملايين من الناس يتشحون بأكفان، ويتركون في هذا اليوم كل شيء وراء ظهورهم، فوجودهم اليوم مكرس لله وحده.. يتوقعون موتهم.. يصلون ويتضرعون في خشوع ويقين لم يحدثا من قبل، ولن يحدثا في الغالب من بعد".
وعن ذكرياته عن يوم العيد يقول: "الساعة الآن هي الرابعة والنصف صباحاً، ولقد حان موعد صلاة فجر عيد الأضحى عاشر أيام ذي الحجة بالحرم المكي، وسوف أؤديها بآخر ما تبقى لي من قواي مع 800 ألف مسلم، وبالنظر إلى فخامة الصوت وكمال القراءة، يعد مؤذنو الحرم المكي وأئمته صفوة الصفوة، فأذانهم نداء فني رائع، وقراءتهم للقرآن مناجاة مسموعة، ومن حسن الحظ أن يسمح الحنابلة السعوديون بهذا البعد الجمالي للصلاة، على عكس ما يفعله المالكيون في شمال أفريقيا، فهذا الجمال ينقل حاجاً ساهراً مرهقاً مثلي إلى عالم خالٍ من التعب".
"محمد أسد" ("ليوبولد فايس" الصحفي والكاتب النمساوي اليهودي الأصل):
يعتبر "محمد أسد" أحد أكثر مسلمي أوروبا في القرن العشرين تأثيراً، أسلم عام 1926م وحج العام الذي تلاه.
يقول في كتابه الشهير "الطريق إلى مكة" والذي ترجم تحت عنوان "الطريق إلى الإسلام"، والذي نشر عام 1954م وترجم إلى أغلب لغات العالم، وهو يتأمل الكعبة المشرفة: "هذه إذاً الكعبة التي كانت ولا تزال محط أشواق الملايين الكثيرة من الناس قروناً عديدة.. هناك انتصبت الكعبة، مغطاة بكاملها بالنسيج الحريري الأسود، جزيرة هادئة وسط ساحة المسجد المربعة الواسعة، أبسط كثيراً من أي أثر معماري آخر في العالم، ويكاد يبدو أن أول من بنى الكعبة قد أراد أن يُوجِد رمزاً لضعة الإنسان أمام الله، لقد عرف من بنى الكعبة أنه ما من جمال في تناسق البناء، وما من كمال في خطوطه مهما كان عظيماً يمكن أن يوفي الفكرة الإلهية حقها، وهكذا قصر نفسه على أبسط شكل ثلاثي الأبعاد يمكن أن يتصوره عقل.. مكعب من الحجر.
بساطة المكعب
لقد سبق لي أن رأيت في بلدان إسلامية مختلفة مساجد أبدعت في بنائها أيدي الفنانين من المهندسين المعماريين العظام.. رأيت مساجد في أفريقيا الشمالية، معابد تتألق بالرخام والمرمر الأبيض، وقبة الصخرة في القدس قبة كاملة فوق بناء دقيق، حلم من الخفة والثقل اتحدا دونما أثر للتناقض، ومباني إسطنبول الفخمة، ومساجد برسة في الأناضول، ومساجد الصفوية في إيران، روائع ملكية من حجارة زاهية وبلاطات ملونة وأبواب مطعمة بالفضة، وخرائب مساجد تيمورلنك الجبارة في سمرقند، الرائعة حتى في انحلالها.. كل هذه سبق أن رأيتها، ولكن شعوري لم يكن قط قوياً كما كان الآن - أمام الكعبة - بأن يد الباني كانت على مثل ذلك القرب من مفهومه الديني، ففي بساطة المكعب المطلقة، وفي الإنكار التام لكل جمال للخط والشكل، نطقت هذه الفكرة تقول: "إن أيما جمال قد يستطيع الإنسان أن يخلقه بيديه، يكون من الغرور اعتباره جديراً بالله، وإذاً فكلما كان ما يستطيع أن يتصوره بسيطاً كان ما يستطيع فعله لتمجيد الخالق أعظم ما يكون"، فهذا التواضع الفخور في هذا البناء الصغير لم يكن له مثيل على الأرض".
ويصف "محمد أسد" نفسه في عرفات فيقول: "يخيل إليَّ أننا طائرون مع الريح، منغمسون في سعادة لا تعرف نهاية ولا حدوداً، وتزعق الريح في أذني بنشيد النصر: "إنك لن تكون غريباً بعد الآن، أبداً أبداً"، إخوان لي عن اليمين، وإخوان لي عن اليسار، كلهم لا أعرفهم، ولكن أحداً منهم ليس غريباً عني، فنحن في فرحة سباقنا المضطربة جسم واحد، يسير إلى هدف واحد.. إن العالم أمامنا لفسيح، وفي قلوبنا تتألق جذوة الإيمان الذي اتقدت في قلوب صحابة رسول الله.. إنهم يعرفون إخواني عن يميني، وعن يساري، إنهم قصّروا عما كان ينتظر منهم، وإن قلوبهم قد تضاءلت عبر القرون، ومع ذلك فإن وعد الله للحق لم ينتزع منهم.. منا".
ويقول عن الطواف وهو يشمل العبادة القلبية: "أن تطوف لا احتراماً لقدس الإسلام المركزي فحسب، بل لتذكير النفس بالمطلب الأساسي للحياة الإسلامية.. حياتنا الخارجية الناشطة وأفعالنا ومساعينا العملية".. ويتحدث عن الطواف مع الآخرين: "وأصبحت جزءاً من سيل دائري! هل كان هذا معنى ما كنا نفعل، أن نصبح واعين أن المرء جزء من حركة في مدار؟ وتلاشت الدقائق.. وهدأ الزمن نفسه.. وكان هذا المكان محور العالم".
وبعد، فإننا نحتاج إلى تجديد إيماننا وزيادته، ولعل النظر في سير هؤلاء وانفعالهم الصادق بالشعائر والشرائع ينفعنا، في أيام يتجه فيها الحجيج - ومن بينهم أمثال هؤلاء الذين دخلوا في الإسلام - إلى أطهر الأماكن، لتتطهر قلوبهم، ولا نحرم أجرهم إذا كنا معهم بقلوبنا بطاعات العشر الأوائل من ذي الحجة.
المراجع
أليكس هاليي- مالكلوم إكس: سيرة ذاتية، ترجمة ليلى أبو زيد، بيسان للنشر، بيروت عام 1996م.
د. مراد هوفمان: رحلة إلى مكة، مكتبة العبيكان، الرياض، الطبعة الأولى عام 2001م.
محمد أسد: الطريق إلى الإسلام، ترجمة عفيف البعلبكي، دار العلم للملايين بيروت، الطبعة الرابعة عام 1976م.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل