الثلاثاء 13-أبريل-1976
إن أكبر نعمة يمنها الله على الإنسان أن يهديه إلى الإسلام ويشرح صدره له ويجعله على نور منه يمشي به بين الناس.
فالإسلام يشمل جميع شؤون ونواحي حياة الإنسان فيبصره بمن خلقه وغايته في الحياة ومنقلبه بعد موته.. علاقته بربه والناس ونفسه، يضع الموازين القسط فيما ينفعه وما يضره فيما يسعده ويشقيه نعم موازين تختلف عن موازين البشر فبينما ينظر الناس إلى عبادته من صلاة وصوم وتهجد ووضوء.. إلخ
إنها مشقة وجهد، ولكن في واقع حاله هو خفة ونشاط ﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ (البقرة:45) وراحة وأنس «أرحنا بها يا بلال» وعون على معترك الحياة ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ (البقرة: 45) وكذلك يرى الناس في صده عن الشهوات والنزوات حرمان لنفسه وبخس لها بينما هو يرى عكس ذلك يراها الحرية التامة من عبودية الشهوات التي تأسرهم كما أن هناك ما يشغله عنها من أهداف سامية وعالية وأحسن وأفضل منقلبًا سواء في الحياة الدنيا أو ما بعد الممات.
وعند هذا يفترق المسلم الحق عن باقي الناس بهذه الموازين الإسلامية والنظرة البعيدة العميقة فالناس يرون في أجهزة الإعلام من سينما وأفلام وتلفزيون.. إلخ وسائل ترفيهية كما أنها تحل جزءًا من مشاكل المجتمع وتعالج قضاياه... إلخ
بينما يرى هو في واقع الحال الآن عكس ذلك بأن أغلب ما يعرض إن لم يكن كله هو دعوة للركوس في الحياة المادية وتضاعف للمشاكل بالإضافة إلى ما فيه من مخالفة صريحة للآداب والقيم الإسلامية.
الناس وهذه الأفلام كالطير والدودة التي في الفخ أو السمكة والطعم الذي في الميدار. فيحسبه الطير المسكين أنه غذاؤه اللذيذ الممتع ولا يدري أنه بعد قليل سيكون غذاء سائغًا لمن أحاك له هذه الخدعة.
وسوف نعرض الموضوع في مضمار هذه الوسائل أو بالأحرى في إساءة استعمال هذه الوسائل لأننا نعرف حكم ديننا بذلك أن المحظور ليس في الوسائل بذاتها، ولكن المحظور فيما يعرض بها الآن. فهي سلاح ذو حدين يمكن استعماله للخير ويمكن استعماله للشر. فالضرر ناتج عن إساءة استعمال هذه الوسائل- سنكتفي بشاهد من إساءة استعمال هذه الوسائل وكيف جنت عليه من خراب لا حصر له.
فيذكر الدكتور أحمد عزت راجح في كتابه الأمراض النفسية والعقلية في أسباب العوامل المؤدية إلى الجنون «الذهان».
«وتشير نتائج أغلب البحوث التي أجريت في الولايات المتحدة وغيرها من البلاد الرأسمالية بهذا الصدد أن شباب الجيل الحاضر يعانون أكثر من صراع هدام، هو السبب فيما يتفشى من قلق وانحراف بين أفراده من هذه الصراعات».
نذكر منها-١- اتساع الشقة بين مستوى طموح الفرد وبين ما يقدر عليه أو بينه وبين ما تسمح به إمكانيات المجتمع.
وتوضح النقطة التالية هذا المعنى فيقول «وقد أسهمت وسائل الدعاية والإعلان هناك في استفزاز القوم وإلهاب مستوى الطموح لديهم وإشعارهم بالحرمان فهي تستفز الناس دائمًا على الإكثار من الشراء وإبدال السيارات القديمة بأخرى جديدة واستعراض حياة البذخ والترف في أفلام تعرض على المعوزين والمتطلعين. كل هذا في بلاد تحكمها القيم المالية.. وتتأثر فكرة المرء عن قيمته الشخصية بمستوى دخله
وشهرة مهنته» «۱»
نعم إنه العذاب حين يتجاوز الطموح مستوى إمكانيات الإنسان وخاصة في مجتمع موازينه مادية بحتة.. ولا نستغرب كذلك حين يذكر كذلك «وأن الذهانيين وحدهم يشغلون من أسرة المستشفيات في الولايات المتحدة أكثر مما يشغله جميع المرضى بكافة الأمراض الأخرى» «۲»
فإذا كان هذا العدد من الذهانيين فإنه لا شك أن عدد المضطربين نفسًّيا والقلقين والهستيريين أكثر من ذلك وهي مراحل تؤهل للأذهان.
نعم ما الذي جعل أولئك يفقدون أعز ما عندهم وهي عقولهم إنه الذي كانوا يظنونه بالأمس ترفيهًا وسعادة فالشاب الذي يفتح عينيه على مثل هذه الأفلام المثالية فيرى الممثل عنده أنواع من السيارات وأموال ورحلات وسفرات ومغامرات و... طبعًا تمثيل فيسبح المسكين في أحلام اليقظة إلى ما لا نهاية؛ فإذا رجع إلى واقعه وشاهد إمكانياته المادية وغيرها وقدراته فوجدها أنها لا تحقق له ما كان يشاهده ويسمعه حدث في نفسه صراع بين ما يريده وما يستطيع تحقيقه فيتطور هذا الصراع وخاصة أن ليس لديه قناعة أو قيم أو معاني التوكل والصبر فيفشل في عملية الحسم فيتطور الصراع إلى قلق وهذا بدوره يتطور إما إلى اضطرابات نفسية عديدة أو إلى الذهان.
«يضاف إلى هذا ما يذكر من أن أكثر من مليون شخص لا يقبلون بالقوات المسلحة الأمريكية من جراء اضطرابات نفسية هذا علاوة على مليون آخرين يعفون من الخدمة العسكرية قبل إتمامها للسبب نفسه»
«وإن حالات الانتحار تدور حول ۰۰۰,۱۷ حالة في كل عام. فأما عدد محاولات الانتحار فأكبر من ذلك بكثير» «٤»
لو أردنا أن نستعرض الإحصائيات لطال بنا المقام لكثرتها وتشعبها.
وأرجو أن لا نفهم من الكلام السابق أن الطموح محظور ونتائجه عكسية فقط بل الطموح مطلوب من المسلمين ولكن على حسب قدراته فيقول الشهيد الإمام البنا- رحمه الله- أن تطلب أقل من مرتبتك لتصل إليها.
ويوضح ذلك الرسول- صلى الله عليه وسلم- «رحم الله امرأ عرف قدر نفسه» ويشير ابن القيم إلى ذلك ويسميه بحر التمني وهو بحر لا ساحل له ويذكر أن التمني رأس أموال المفاليس وبضاعة ركابه مواعيد الشيطان ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ ۖ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾ (النساء:120)
أما الطموح الحق هو طموح صاحب الهمة العالية أمانيه حائمة حول العلم والإيمان والعمل الذي يقربه إلى الله. ويقربه من جواره. فأماني هذا إيمان ونور وحكمة، وأماني أولئك خداع وغرور «٦».
فإذن شتان بين طموح المسلم وأمانيه الجاد لها بالعمل من أماني ذلك المغرور الذي يطوف بأحلامه اليقظة فإذا استيقظ فإذا يده والحصير.
جامعة الكويت- علم نفس
أبو أنس
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل