; وجهة نظر.. نظام صدام؛ مشاهدات من الداخل (2-2) | مجلة المجتمع

العنوان وجهة نظر.. نظام صدام؛ مشاهدات من الداخل (2-2)

الكاتب د. محمد البصيري

تاريخ النشر الثلاثاء 14-يونيو-1994

مشاهدات 58

نشر في العدد 1103

نشر في الصفحة 66

الثلاثاء 14-يونيو-1994

يواصل صاحب الرسالة وصفه لما شاهده في العراق قائلًا:

لم تختلف وقائع اليوم الثاني من الندوة عن وقائع اليوم الأول، اللهم إلا إجبارنا على زيارة لمتحف الصمود والتحدي يضم صورًا لمباني وزارات الحكومة العراقية التي تم تدميرها في حرب الخليج الثانية، وعندما دخلت المبنى فوجئت بصورة ضخمة للرئيس العراقي صدام ومكتوب تحتها «سلام على باني العراق وصاحب مجده»! وبعد جولة بالمتحف تأكد لي أن هناك مبالغة كبيرة في أعداد المواقع المدمرة وأيقنت أن غالبية صور المتحف لأماكن تم تدميرها في حرب صدام مع إيران منذ عشر سنوات!

وفي المساء قابلنا وشاهدنا مسؤولين كبار عراقيين منهم طارق عزيز نائب رئيس الوزراء، وسعدي مهدي صالح رئيس المجلس الوطني العراقي، ومحمد مهدي صالح وزير التجارة، وقد انحصر كلامهم في أمرين: الأول هو عراقية الكويت.. تحدثوا حديثًا طويلًا ومسهبًا حول تاريخ العراق والكويت، وقدموا لنا وثائق إنجليزية وعربية تؤكد ما قالوه وحصلنا على كتب كثيرة تثبت مزاعمهم منها كتاب «الرمال المتحركة.. دراسة في تاريخ مدينة الكويت السياسي»، وأكدوا لنا رفضهم المطلق لخط الحدود الجديد الذي رسمته الأمم المتحدة مع العراق وقالوا: إن عراقية الكويت مطلب كل مسؤول عراقي وكل نظام حكم مهما اختلفت عقيدته ومبادئه واتجاهاته!

أما الأمر الثاني فهو الإشادة بتاريخ وانتصارات الرئيس صدام وآخرها انتصار أم المعارك «حرب الخليج الثانية» وقال طارق عزيز (النصراني): إن انتصار أم المعارك شبيه بانتصار الرسول صلى الله عليه وسلم في معركة بدر الكبرى»!

وفي صباح اليوم الثالث أعطونا كتاب ونشرات عديدة تمجد صدام حسين منها كتاب بعنوان: «القائد في ضمير المنصفين.. 100 شهادة عالمية بحق القائد المجاهد صدام حسين» بدأ الكتاب بإهداء نصه: «إلى الذي عجزت كل الكلمات عن وصف مزاياه.. إلى من تجسد فيه مجد الماضي وعز الحاضر وزهو المستقبل، إلى جد العراقيين والعرب والمنصفين والأحرار في العالم، إلى الرئيس القائد الرمز صدام حسين -حفظه الله ورعاه».

الكتاب يحتوي على تمجيد وتأليه للرئيس صدام فهو- كما ذكر الكتاب- الذي أسقط «بوش» وكشفه على حقيقته، وهو رجل الجهاد الإسلامي الأكبر والأعظم، والذي يقول للشيء كن فيكون، وهو إشعاع حضاري فذ لم تشهد البشرية طوال تاريخها مثله، وهو أمة وثروة فكرية وإنسانية وحضارية هائلة، وهو رمز المجاهدين المؤمنين الصابرين، ورافع راية «الله أكبر»، وهو قائد إنساني فذ في زمن غابت فيه الإنسانية والأخلاق، وأخيرًا هو القائد الفذ الذي دخل التاريخ أصلًا من أوسع أبوابه!

ورغم أن عنوان الندوة الثانية كان «انتهاكات وجرائم الحصار لحقوق الإنسان في العراق» فإن موضوعاتها ومضمونها وفعالياتها كانت موجهة لتأييد صدام حسين تمامًا مثل الندوة الأولى.

بعد تناول الغذاء اصطحبونا في زيارة إلى نهر صدام.. بعد حوالي 45 كم من بغداد أوقفونا في منطقة يمر النهر منها ومكتوب على لوحة بها «إذا قال صدام قال العراق.. اللهم احفظ (صدام) للعراق»..

وفي المساء أخبرنا منظمو الندوة عن قيامنا بزيارة إلى مركز صدام للفنون.. فرحت جدًّا وأحسست أنني سأستنشق ولو للحظات هواء غير النفاق الذي عايشناه طوال أيام الندوتين! بيد أن فرحتي ما لبثت أن انقلبت غمًّا!

عندما اقتربنا من مركز الفنون تأكدت أن إحساس الفرح لم يغامرني وحدي بل غامر العديد من العاملين في منظمات الإغاثة الإنسانية ومنهم السيدة اليابانية «نوريكو كوماتسو»، وما إن دخلنا وتجولنا في المركز إلا وجدنا تماثيل وصور صدام حسين في كل زاوية ومدخل وواجهة!

سألتني نوريكو بالإنجليزية: أين الفن؟! أين اللوحات الفنية؟!

عرضت السؤال على مسؤول المركز فأجاب: في الطابق الثاني.

صعدنا فوجدنا كل اللوحات تتحدث عن صدام: طفولته- بطولته- قيادته الفذة!

صرخت نوريكو في وجهي وقالت بالإنجليزية: صدام.. صدام.. كل شيء في العراق صدام!

وقبل أن يلتفت مسؤول المركز أغلقت فم «نوريكو» وحمدت الله أن مسؤول المركز لا يتقن الإنجليزية.

عدت بعد ذلك إلى غرفتي بفندق الرشيد حزينًا مكتئبًا.. فتحت التلفزيون فوجدت برنامجًا بعنوان «الإيمان والطاغوت» يقدمه المذيع فيصل الياسري، ويبرهن فيه على عبقرية القيادة العراقية وخيانة الدول العربية والإسلامية لصدام..

أدرت زر التليفزيون على القناة الثانية أو قناة الشباب من دار السلام فوجدت صدام يلقي كلمة في أحد المؤتمرات الحزبية عن انتصار أم المعارك!

فتحت جهاز الراديو فوجدت أغنية «يا حبيبنا يا صدام يا ظهير العرب والأكراد.. يا محلي النصر بعون الله»!

تلفت جانبي على سريري فوجدت مانشيت صحيفة الجمهورية: «إقبال شديد في العالم على اقتناء صور الرئيس القائد صدام حسين وتعليقها في المنازل»! أما مانشيت صحيفة الثورة فكان: شخصيات دولية تقول: «صدام حسين رمز لكل مواطن عربي شريف»، وفوجئت بخبر يقول: «القائد يتلقى برقية اعتزاز من الكُتاب والمؤلفين العرب والأجانب». ووجدت اسمي يتصدر قائمة أسماء الكتاب! فتحت الصحيفة فوجدت صفحاتها تتحدث عن عقيدة صدام حسين، الفن عند صدام حسين، نتائج انتصار أم المعارك كما يراها صدام حسين»!

ولم تختلف صحيفة الثورة عن بقية الصحف العراقية فمانشيتاتها ومضمونها عن صدام!

قطع حزني وتفكيري مكالمة هاتفية تلقيتها من أحد الصحفيين العراقيين من صحيفة الثورة، وبمجرد أن أخبرني أنه يريد إجراء حوار صحفي معي لنشره في جريدته تهللت أساريري وفرحت وقلت في نفسي: إنها فرصة ذهبية لأُدلي برؤية موضوعية في حرب الخليج.

سألت الصحفي العراقي عن موضوع الحوار فأجاب قائلًا: «عيني؛ نريد منك الحديث عن شخصية قائد البعث العظيم الرئيس الرمز صدام»! بنبرة حادة رددت عليه قائلًا: إنني مريض وملازم الفراش وسأغادر الفندق ولا يوجد لدي وقت.. معذرة!

ووضعت سماعة التلفون.. مزقت الصحف.. أغلقت الراديو والتلفزيون وسادتني حالة حزن وتفكير طويلة أيقنت خلالها لماذا انهارت جمهورية العراق أو عراق القائد والبعث- كما يسمونها- ففي العراق لا يوجد إلا شخص واحد يفكر ويخطط وينفذ ويحاكم وينفق بلايين الدولارات على نزواته وطموحاته ومؤامراته، أما الشعب فغير موجود، ازدادت حالة حزني وعزمت على الرحيل.

انتهت الرسالة وأعتقد أنها ليست بحاجة إلى تعليق!

الرابط المختصر :