العنوان واحة الإيمان: «رجال الفجر»
الكاتب د.عبدالحميد البلالي
تاريخ النشر الثلاثاء 07-أكتوبر-1986
مشاهدات 65
نشر في العدد 786
نشر في الصفحة 43
الثلاثاء 07-أكتوبر-1986
الفجر هو رمز ولادة كل خير، وهو رمز النصر، وهو رمز الحياة وهو عنوان الشباب، وعلامة الحركة، كما هو دليل الحق والعدالة، ووقت الفجر من أهدأ الأوقات، ففيه لحظات الصفاء، وفيه توزيع الأرزاق، وصلاة الفجر دليل على قوة الإيمان والبراءة من النفاق، لمشقة هذا الوقت على النفس، لذلك قال الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي أخرجه البخاري ومسلم: «إن أثقل صلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوا...» الحديث.
- ريح الصبا:
يقول الدكتور عبد الحميد دياب: «أما الفوائد الصحية التي يجنيها الإنسان بيقظة الفجر فهي كثيرة منها «تكون أعلى نسبة لغاز الأوزون (O3) في الجو عند الفجر، وتقل تدريجيًا حتى تضمحل عند طلوع الشمس، ولهذا الغاز تأثير مفيد للجهاز العصبي، ومنشط للعمل الفكري والعضلي، بحيث يجعل الإنسان عندما يستنشق نسيم الفجر الجميل المسمى بريح الصبا، لذة ونشوة لا شبيه لها في أي ساعة من ساعات النهار أو الليل([[1]])«.
- ركعتا الفجر
وركعتا الفجر هما السنة القبلية التي تسبق صلاة الفجر، وهي من أحب الأمور إلى النبي صلى الله عليه وسلم إذ يقول: «ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها» وفي رواية لمسلم: «لهما أحب إلي من الدنيا جميعًا»، فإذا كانت الدنيا بأسرها وبما فيها لا تساوي في عين النبي صلى الله عليه وسلم شيئًا أمام ركعتي الفجر فماذا يكون فضل صلاة الفجر بذاتها؟
- لن يلج النار
وقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أن من حافظ عليها وعلى العصر دخل الجنة وأبعد عن النار فقد روى البخاري ومسلم قوله صلى الله عليه وسلم: «من صلى البردين دخل الجنة»(رواه البخاري ومسلم) وقال: «لن يلج النار أحد صلى قبل طلوع الشمس وقبل غروبها» (رواه مسلم).
والبردان هما صلاة الفجر والعصر، يقول الإمام المناوي «وخصهما لزيادة شرفهما أو لأنهما مشهودتان تشهدهما ملائكة الليل والنهار أو لكونهما ثقيلتان مشقتان على النفوس لكونهما وقت التشاغل والتثاقل ومن راعاهما راعى غيرهما بالأولى، ومن حافظ عليهما فهو على غيرهما أشد محافظة، وما عسى يقع منه تفريط فبالأحرى أن يقع مكفرًا فيغفر له ويدخل الجنة»([[2]]).
وإنا لنعجب أشد العجب من الذين يعدون أنفسهم من الدعاة الذين عاهدوا الله على حمل الأمانة، وهم من أكثر الناس تقاعسًا عن صلاة الفجر، حتى ألفت قلوبهم ذلك فما أصبحوا يستنكرونه على أنفسهم ولا يحاسبوها بما قصرت، فكيف يجرؤ من يسمى نفسه داعية، بأن يدعو الخير، وهو ذو نفس لا تنكر عليه عدم قيامه -حتى القيام- بركن من أركان الإسلام؟ وكيف لا يخشى بأن يوصف بما وصف به المنافقون؟
- قرآن الفجر
يقول تعالى: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ (الإسراء78) وقرآن الفجر هو صلاة الفجر التي تشهدها الملائكة، وقد فصل ذلك النبي صلى الله عليه وسلم إذ قال: «يتعاقبون فيكم، ملائكة بالليل، وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر، ثم يعرج الذين باتوا فيكم فيسألهم وهو أعلم بهم: كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: تركناهم وهم يصلون وأتيناهم وهم يصلون» (رواه البخاري ومسلم) فما أسعد أولئك الرجال الذين جاهدوا أنفسهم، وزهدوا بلذة الفراش ودفئه، وقاوموا كل دوافع الجذب التي تجذبهم إلى الفراش، ليحصلوا على صك البراءة من النفاق، وليكونوا أهلًا لبشارة النبي صلى الله عليه وسلم بدخول الجنة، ولينالوا شرف شهود الملائكة وسؤال الرب عنهم. ولعظمة الفجر أقسم الله فيه إذ قال ﴿وَالْفَجْرِ. وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ (الفجر:1-2).
- الفجر هو الميزان
وكان الصحابة رضي الله عنهم يجعلون حضور صلاة الفجر هو الميزان الذي يزنون به الرجال، فمن حضرها وثقوه ومن غاب عنها أساءوا به الظن فهذا ابن عمر رضي الله عنهما يقول: «كنا إذا فقدنا الرجل في الفجر والعشاء أسأنا به الظن» (صحيح ابن خزيمة).
فهل تهز هذه الكلمات دعاة اليوم وتجعلهم ينافسون الآخرين باستنشاق ريح الصبا ويكونون هم الأوائل الذين سيذكرون في قوائم المتعاقبين من الملائكة أمام الرب، ويكونون من رجال الفجر؟
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل