; المجتمع التربوي العدد (1703) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع التربوي العدد (1703)

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر السبت 27-مايو-2006

مشاهدات 71

نشر في العدد 1703

نشر في الصفحة 52

السبت 27-مايو-2006

الزكاة نظام رباني

- من تعود التبكير في أدائها تعود التبكير في أداء واجباته الدينية ومعاملاته الدنيوية

الشيخ/ محمد عبد الله الخطيب- من علماء الأزهر الشريف

شأن الزكاة شأن باقي العبادات الإسلامية، أنها تهدف إلى خير الإنسان في الدنيا وسعادته في الآخرة، هي نظام الله الذي ارتضاه سبحانه لعباده: ﴿إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾ (الإسراء: ٩).

لقد اعترف العلماء والباحثون الأجانب بما للزكاة من أثر صالح في حياة الفرد والأمة، يقول «ماسينيون»: إن لدى الإسلام من الكفاية، ما يجعله يتشدد في تحقيق فكرة المساواة، وذلك بفرض الزكاة يدفعها كل غني لبيت المال، وهو يناهض عمليات المبادلات التي لا ضابط لها، وحبس الثروات، كما يناهض الديون الربوية والضرائب غير المباشرة التي تفرض على الحاجات الأولية الضرورية، ويقف في الوقت نفسه إلى جانب الملكية الفردية، ورأس المال التجاري، وبذا يحل الإسلام مرة أخرى مكانًا وسطًا بين نظريات الرأسمالية ونظريات الشيوعية.

فالزكاة تكافل اجتماعي، وتعاون أخوي فرضها الحق -سبحانه وتعالى- على المسلمين وأمرهم بها, تكررت في القرآن الكريم في حوالي اثنتين وثلاثين آية مقرونة بالصلاة في بعضها، قال الله تعالى: ﴿فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ ۖ فَنِعْمَ الْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ (الحج: ٧٨).

ولقد أوصى رسولنا ﷺ بها في أحاديث كثيرة، منها ما روي عنه أنه قام في الناس فقال: «أيها الناس، إنه أتاني آتٍ من ربي في المنام فقال لي: يا محمد لا صلاة لمن لا زكاة له ولا زكاة لمن لا صلاة له، مانع الزكاة في النار والمتعدي فيها كمانعها». 

وقد أوصى رسول الله ﷺ معاذًا عند ما بعثه إلى اليمن قائلًا: « إنك تقدم على قوم أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله تعالى، فإذا عرفوا الله تعالى فأخبرهم أن الله تعالى فرض عليهم زكاة تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم، فإن هم أطاعوا لذلك فخذ منهم، وإياك وكرائم أموالهم, واتق دعوة المظلوم، فإنه ليس بينها وبين الله حجاب». 

وقد سئل بعض السلف: كم يجب من الزكاة في مائتي درهم؟ فقال: «أما على العوام بحكم الشرع فخمسة دراهم، وأما نحن فيجب علينا بذل الجميع». واعتبر هؤلاء الأعلام إخراج النصاب أقل درجات الواجب وأقرب إلى البخل.

من أهداف الزكاة

١- الانتصار على النفس

﴿هَا أَنتُمْ هَٰؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ ۖ وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ ۚ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنتُمُ الْفُقَرَاءُ ۚ وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُم﴾ (محمد:٣٨).

إن القرآن الكريم يواجهنا بواقع حالنا ويعالج شح النفوس بالمال، وما يبذله المسلمون ما هو إلا رصيد لهم عند ربهم يجدونه يوم يحتاجون إلى ذرة من عمل صالح، ولذلك يبذل المسلم في سبيل الله, ولا يلتفت هنا أو هناك ليأخذ أجرًا من مخلوق فأجره هناك عند ربه محفوظ، قال تعالى: ﴿مَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ ۚ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ (العنكبوت:٥-٦).

٢. التحذير من البخل

إن اختيار الحق سبحانه لنا لحمل دعوته، وتبليغ رسالته تكريم وفضل وعطاء فيجب أن نكون أهلًا لهذا التكريم، فإن لم نحاول أن نكون أهلًا لهذا الشرف، وننهض بهذه التكاليف، إن لم نفعل ذلك فإن الله يسترد ما وهب من نعمة، وما أعطى من خير ﴿وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُم﴾ (محمد:٣٨)، وإنه لإنذار شديد لمن عرف طريق الله، وذاق حلاوة الإيمان وأحس بفضل الله، وكرامته عند الله كيف يسلب الإيمان من قلبه، ونور الله الذي يملأ کیانه!

إن المسلم الحق لا يمكن أبدًا أن يطيق الحياة، أو يذوق طعمها، إذا طرد من كنف الله، وأبعد عن جواره، وأغلقت دونه الأبواب, بل إن الحياة يومها تصبح جحيمًا، عند من يتصل بربه، ثم يطبق دونه الحجاب، فلنتأمل هذا الإنذار، ولنسابق إلى أداء ما فرض الله علينا.

٣- الحض على دوام التصدق:

وإذا كانت دورة الحول، وموسم الحصار ميعادًا لاحتساب الزكاة وصرفها لمستحقيها, فإن شهر رمضان العظيم ميدان آخر لإخراج زكاة الفطر، وموسم لتقديم الفدية من أصحاب الأعذار، وإذا كانت الصدقات سنة وقربى في كل زمان ومكان، وعند كل مناسبة فهي صدى صوت القرآن إلى نهاية الدهر.

وإذا كان القرآن قد أهاب بنا في كل وقت, فإن أحوال إخواننا في فلسطين وفي العراق وفي أفغانستان وفي الصومال وفي السودان لتفرض علينا أن نفكر فيهم، وأن نقتطع من أقواتنا وضروراتنا ما يدفع الغوائل عنهم، يجب أن تكون عونًا لإخواننا في كل مكان، وقد أحيط بهم من كل مكان ... اليهودية والصليبية تكشر عن أنيابها ... وأحقادها لا تنتهي، والمؤامرات لا تقف عند حد، والفتن تشتعل نارها، وكلها موجهة إلى المسلمين، فيجب شرعًا أن نبذل وأن نتربى على الجهاد في سبيل الله, وعلى حب التضحية والثبات والإخلاص والتجرد لله رب العالمين.

٤- في عالم التطبيق:

حينما أدرك أبو بكر الصديق رضي الله عنه هذه المعاني الجليلة تبرع بكل ماله, وحين سئل: ماذا تركت لعيالك؟ قال: تركت لهم الله ورسوله، وتبرع عمر رضي الله عنه بنصف ماله، وتبرع عثمان رضي الله عنه بمعظم أمواله، وتبرع عبدالرحمن بن عوف رضي الله عنه بثلث ماله, وكان ﷺ يتبرع بكل ما كانت تصل إليه يديه، وكان في رمضان كالريح المرسلة كرمًا وجودًا وعطاء.

٥- تطهير النفس: من صفة البخل, والبخل أحد المهلكات, قال الرسول الكريم: «ثلاث مهلكات شح مطاع، وهوى متبع، وإعجاب المرء بنفسه»، وقال تعالى: ﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (الحشر: ٩).

إن البخل مجبنة مزرية، تدع صاحبها بين الناس مسلاة وسخرية، وتضعه في سجن من الحرمان مظلم الجنبات متماسك اللبنات، وتحله من أولاده وأقاربه ومعارفه مكان البغض والكراهية يستعجلون رحيله, ويستبطئون حياته، ويتمنون وفاته، ولا أدري لمن يعيش البخيل؟ وما فائدة وجوده في هذا الجو المشحون حوله بالذل والكراهية والضياع؟ وهيهات أن يصبح شجرة مديدة الظلال مشرقة الثمر والإيناع، إلا أن .... الجود والسماحة والصلة والبر والتعاون بين الناس، ولا يشده إلى هذه الجداول الصافية، والمزايا السامية، إلا إذا اعتاد تقديم الزكاة وإعطاء الصدقات لا سيما في شهر رمضان.

٦- تقديم صورة من الشكر صادقة: وفاء لما أنعم الله به من قدرة على أداء الزكاة في المواسم المناسبة لها، وترجمة مادية عن إحساسه بصنيع الله، وجعل يده أداة إرسال لا أداة استقبال، يد تبعث الاطمئنان والرضا، وتمسح القلق ومضاضة الانتظار عن نفوس الجوعى والمحرومين، في شهر حرم الكل في نهاره ما كان مباحًا مستساغًا وشهيًّا.

٧- الوفاء بالدين قبل حلول أجله: أدب رفيع لا يستأهله إلا من خصهم الله برضاه، وجملهم بتوفيقه، وزكاة الصوم من رمضان لها نهاية لا تصلح بعدها لسد باب الفريضة، قال الرسول الكريم صلوات الله عليه: فرض رسول الله زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث، وطعمة للمساكين، من أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات.

والمراد بالصلاة في الحديث الشريف صلاة عيد الفطر، ووقت إخراجها يبتدئ من هلال رمضان، ورمضان كله وقت لها، فمن بادر بإخراجها قبل نهاية الشهر، إظهارًا للرغبة في الامتثال، وفرحًا بأداء ما عليه من دين، وتخلصًا مما عساه يحدث من مفاجآت الأحداث، وغوايات الشيطان، وخروجًا من حرج العصيان عند التأخير، وإدخالًا للسرور على نفوس الفقراء، وتطهيرًا لقلوبهم من الحقد على الأغنياء والمقتدرين، ومكافحة لعوامل الخمول والكسل وتعاطفًا وارتباطًا بين طبقات المسلمين، وتجميعًا لهم حول مائدة العيد إخوانًا متحابين، لا يشغلهم في يوم العيد إلا لقاءاتهم في مواكب التكبير وتجمعات الصلاة، وتصافحهم في الزيارات والطرقات باسمين هانئين.

فمن تعود التبكير في أداء الزكاة تعود التبكير في أداء واجباته في مختلف شؤونه الدينية، ومعاملاته الدنيوية، ومن استطاع التخلص من حب المال، وآثر حب الله عليه وقدم الوديعة لأصحابها قبل أوانها، صار في حياته مطبوعًا بطابع الوفاء ومثالًا كريمًا لتعاليم الإسلام, وحسبنا في هذا المقام حديث قدسي عن رب العزة حيث يقول: الفقراء عيالي، والأغنياء وكلائي فمن بخل بمالي على عيالي أذقته النار ولا أبالي.

ولعل بعض العلماء لم يرتكب شططًا حين قال: إن الفقراء أصحاب فضل على الأغنياء؛ حين يقبلون منهم الزكاة، لأن الزكاة ثمالات الذنوب، فإذا لم تجد هذه الثمالة من يقطعها عن أصحابها شربوا من الماء الآسن، وعاشوا في ضباب قائم, لهذا لا ينبغي لمخرجي الزكاة أن ينظروا إليها بعين المبالغة والاستعظام حتى لا يكتنفهم الزهو والعجب؛ والزهو مهوى الضياع، وطريق التهلكة، فما أحقهم بالتواضع! وأجدرهم بالخجل حين يقدمون للفقراء النصاب المحدود في أقل مراتب البذل! وهم يعلمون أن من المسلمين من تبرعوا بكل ما لهم، غير تاركين لأولادهم وأهليهم شيئًا، وفي مقدمتهم أبو بكر. 

ورضي الله عن ابنته عائشة، فقد جاءها يومًا مائة ألف درهم فوزعتها جميعًا على الفقراء، وهي يومئذ صائمة، فقالت لها جاريتها أم ذرة: أما استطعت فيما أنفقت أن تشتري بدرهم لحمًا تفطرين عليه؟ فقالت رضي الله عنها: «لو ذكرتني لفعلت». 

وإذا كانت الزكاة عينية فيجب أن تكون أجود أنواعها، قال تعالى: ﴿لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ۚ وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ (آل عمران:٩٢)، وقال أيضًا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الْأَرْضِ ۖ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُم بِآخِذِيهِ إِلَّا أَن تُغْمِضُوا فِيهِ ۚ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ (البقرة: ٢٦٧)، ناهيًا ومحذرًا من التصدق بالتالف والخبيث.

ولعل تطور أساليب الكسب، وتغير الأنظمة الحكومية، واستخدام الآلة قد غير من صفات الاستحقاق وأسقط من الحساب بعضًا آخر، وأمن قسمًا ثالثًا على عيشه ورزقه، مما جعل مخرجي الزكاة في وضع يحملهم على الدراسة والبحث عن حالة المستحقين، ولعل أقربها إلى الرضى والقبول والثواب، إعطاء الفقراء المستقيمين الأتقياء الصادقين في تقواهم المخلصين في عبادتهم المتفرغين لتجارة الآخرة، قال الرسول صلوات الله عليه: «أطعموا طعامكم الأتقياء، وأولوا معروفكم المؤمنين، وقال أيضًا: لا تأكل إلا طعام تقي, ولا يأكل طعامك إلا تقي». 

وكذلك إعطاء أهل العلم الفقراء لاشتغالهم بأشرف أنواع العبادة، وقد كان رسول الله صلوات الله عليه يتعهد أهل الصفة، ويكفلهم من ماله، ويقوم على خدمتهم بنفسه إجلالًا لتقواهم. 

ولعل أفضل المستحقين وأحقهم بعد ذلك من صان ماء وجهه عن ذل السؤال ومنعته عزة نفسه من التسول، لا يسأل إلا ربه، ولا يشكو بثه وحزنه إلا لخالقه، قال تعالى في أمثالهم: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ (البقرة:۲۷۳). فأين هؤلاء المتعففون من هذه المخلوقات التي تتخذ السؤال وسيلة للكسب، وطريقًا للعيش بل جادة للادخار والإثراء، رغم تظاهرهم بالفقر واسرافهم في مظاهر؟! وقد يصبح العطاء زكاة وصلة رحم وذلك عندما يعطي المزكي صدقة الفطر وغيرها لقريب فقير, والأقربون أولى بالمعروف.

شكر المنفقين

وعلى الرغم من أن الزكاة حق معلوم فرضه الله في أموال الأغنياء للفقراء، دون من أو أذى، وأن إخراجها أمر لا بد منه لتطهير رأس المال من شوائب الاستثمار وأدران حب المال.

على الرغم من كل ذلك، فإنه ينبغي لمستحقي الزكاة شكر المخرجين لها تشجيعًا وتأدبًا وتوثيقًا لوشيجة الأخوة والحمية الإسلامية، وعملًا بحديث سيد الأنام: «من أسدى إليكم معروفًا فكافئوه فإن لم تستطيعوا فادعوا الله حتى تعلموا أنكم كافأتموه»، وقال أيضًا: «من لم يشكر الناس لم يشكر الله». أما شكر المستحقين لربهم على ما ساقه الله إليهم على يد أبناء المسلمين فهو في غير حاجة إلى تنبيه أو حث للقيام به, فالله الخالق الرازق، وحول وحدانيته يجب أن تتجه القلوب بالعبادة, وتلهج الألسنة بالشكر على نعمائه وآلائه.

 

 الإخوة .. حقوق وواجبات

محمد يوسف الجاهوش

مثل المؤمن لأخيه مثل اليدين تغسل إحداهما الأخرى، وكلاهما مرآة لصاحبه، تعكس صفاته وسجاياه فيبادر إلى سد الخلل وتلافي النقص واستكمال أخلاق المؤمنين. وكلما انعقدت القلوب على صفاء الود، ونقاء الإخاء كانت المرآة أكثر نصاعة، وأشد شفافية، وبدت الصورة جلية واضحة لا يشوبها غبش ولا غموض.

لذلك كان من منهج الإسلام: إعداد الفرد وتربيته على سلامة الصدر وصدق المودة، والنصح للناس كافة، لا سيما من واثقوه على الحب في الله، والعمل على نصرة الإسلام، وتبليغ رسالته.

حقوق الأخوة

وقد رتب الإسلام على الأخوة حقوقًا وواجبات تجاه بعضهم بعضًا، فمن حق الأخ على إخوته السعي في قضاء حاجاته، مع البشاشة والرضى, وأعلى ذلك الإيثار وبينهما درجات، فكلما قرب الأخ من درجة الإيثار كان ذلك دليلًا على صدق الأخوة وصفاء الود، ومن حقوق الأخوة كذلك:

حفظ الأخ أخاه في غيبته ومشهده, فلا يغتابه ولا يعرض به بل يذب عنه، ويلتمس له المعاذير ما وجد إلى ذلك سبيلًا، ويحترمه ويقدره، ويثني على أفعاله ومواقفه. وإذا كانت الغيبة من الكبائر فإنها في حق الإخوان يتعاظم جرمها، ويشتد خطرها، حتى تفسد ذات البين وتحلق أسس الإخاء.

بذل النصح

ما من مسلم يعصي الله ولا يطيعه أبدًا، وما من مسلم يطيع الله ولا يعصيه أبدًا، ولكن من غلبت حسناته سيئاته فهو عدل.

وما دام الإنسان حيًّا فلن يسلم من خطأ أو تقصير، والواجب على من عرف ذلك منه أن يسدي له النصيحة، فإن الدين النصيحة ولا بد أن تكون النصيحة بشروطها الشرعية, ومنها: 

أ- أن يقدمها لأخيه سرًّا؛ لأن ذلك أبلغ في النصيحة، وأوقع في نفسه ومن نصح أخاه سرًّا فقد نصحه، ومن نصحه على مشهد من الناس فقد فضحه. 

ب- أن يؤديها بأسلوب رقيق وود عميق، فإن جفاء القول ينفر القلوب: ﴿وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ (آل عمران:١٥٩).

الأمانة: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ ۖ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ (الأحزاب:٧٢)، والأمانة هنا بمعناها الشامل. فالوديعة أمانة والغرض المادي أمانة والكلمة أمانة وصون السـمع أمانة، وأداء النصح أمانة، وحسن العهـد أمانة، وحفظ العرض أمانة والكلمات تسمعها أو تقولها أمانة، وهكذا. 

الثقة وحسن الظن: ومن واجب الأخ أن يحمل أفعال وأقوال أخيه على أحسن الوجوه، ويطلب له المعاذير ولا يسيء الظن بأحد من إخوانه، فإن سوء الظن يضعف الثقة ويذهب الود، وهو من كواذب الأخلاق.. إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث.

البعد عن الجدل والمماراة:

لأنها مبعث الحسد، ومنشأ الحق والبغض، فمن يمارِ أخاه فإنما يسفه عقله، ويستهين بإمكانياته، وكل ذلك يوغر صدره، ويربي فيه العداء والبغضاء, والمؤمن رحيم بنفسه رفيق بإخوانه.

الاستقامة

ومن واجب الأخ أن يسلك مع جميع الناس -وبخاصة مع إخوانه- سبيل الاستقامة فلا يناور، ولا يراوغ، ولا يخادع.

أ- يستقيم على حسن الطاعة.

ب- يستقيم على حسن الخلق.

ج- يستقيم على حسن المعاملة.

ولعل ذلك بعض معاني وصية الرسول ﷺ لمن سأله عما يدخله الجنة, فقال: «قل آمنت بالله ثم استقم» وللاستقامة ثمرات وبركات في حياة المسلم يجدها في دنياه, ويجدها زادًا يوم القيامة: ﴿وَأَن لَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاءً غَدَقًا﴾ (الجن:١٦)، ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (الأحقاف:١٣-١٤).

والاستقامة مع الإخوان سبب من أسباب وحدة الصف، وجمع الكلمة، وترابط القلوب وتلاقيها على صدق العمل في مجال الدعوة إلى الله عز وجل.

الوفاء بالوعد: فإخلافه من صفات المنافقين، ذلك أن «آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان»

وإخلاف الوعد من غير عذر قاهر يغير قلوب الإخوان, ولا يليق بكمال الأخوة مما يؤدي إلى ضعف الثقة، وإضعاف الصف.

صدق الحديث: فالكاذب لا يليق أن يكون صاحبًا، فضلًا عن أن يتخذ أخًا مصافيًا، والصدق يهدي إلى البر والبر يهدي إلى الجنة، والكذب يهدي إلى الفجور، والفجور يهدي إلى النار.

ولئن كان صدق الحديث مطلبًا ضروريًّا بين الناس جميعًا، فإنه بين الإخوان أولى وأهم، لا سيما في المعاملات المالية والعلاقات التجارية، وتبادل المصالح، فإنه في هذه الحالة أشد لزومًا وأكثر فائدة. فكثيرًا ما أفسدت مثل هذه العلاقات القلوب, وحولت الإخوة إلى أعداء متخاصمين.

حسن الجوار: والمسلم مطالب بالإحسان لجيرانه مسلمين وغير مسلمين أقارب أو بعداء، فالإساءة إلى الجيران من أسباب الضلال ودخول النار، ولا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر من لا يأمن جاره بوائقه’ ومازال جبريل يوصي بالجار حتى ظن رسول الله أنه سيورثه.

ولذلك استعاذ الرسول ﷺ بالله من جار السوء في دار المقامة، الذي إذا رأى حسنة دفنها، وإذا رأى سيئة أذاعها ونشرها.

والإحسان إلى الجوار، فضلًا عن كونه عبادة لله تعالى، فإنه وسيلة من وسائل الدعوة إلى الإسلام، وإظهار محاسن مبادئه ورقيها، ذلك أن الناس يحكمون على المبادئ من خلال أصحابها, وإذا كان الجار أخًا -في الله- فحقه ألزم، وإكرامه واجب. 

حفظ الوقت: والإخوة مطالبون بأن يعين بعضهم بعضًا على حفظ الوقت واستغلال جزئياته والإفادة منه من أجل صالح الدعوة وتدبر أمورها، ودراسة مشكلاتها وسبل فهمها ونشرها، فإن الوقت هو عمر الإنسان، وهو رأسماله الذي سيحاسبه الله تعالى على كيفية التصرف فيه: «لن تزول قدما عبد عن الصراط حتى يسأل أربع: عن شبابه وفيم أبلاه، وعن عمره وفيم أفناه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه، وعن علمه ماذا عمل به؟». 

والمتأمل في هذا الحديث الشريف يدرك أن جميع ما ذكر فيه إنما هو توجيه إلى حفظ الوقت وصونه عن الضياع. 

فالشباب مرحلة من العمر فيها الذكاء وفيها الطاقة، وفيها الحيوية والنشاط، وهو جزء من العمر الذي إن طالت مدته أو قصرت فإنما هي ساعات تحصى وسنوات تمر وهي الوقت بعينه. 

والمال والعلم كلاهما يحتاج جمعه وتحصيله إلى جهد وطاقة ووقت يساعد على الكسب والتحصيل, بغير الوقت لا يدرك العلم ولا يجمع المال.

فأين هذا من واقع يعيشه معظمنا.. تهدر فيه الأوقات، وتقضى الأعمار في فراغ قاتل يبعث على الملل والإحباط؟

من لم يستغل وقته ويشغل بمهمات الأمور نفسه شغلته نفسه، واستغلت شياطين الإنس والجن فراغه، وقادته إلى ما يجره إلى الضياع والخسران, وبعدها يندم وقت لا ينفع الندم، ولا تغني الحسرات. 

فالله الله إخواننا في أنفسكم.. الله الله في إخوانكم ليرقب كل منا تصرفاته

وليكن دقيق المحاسبة لنفسه، حريصًا على مرضاة ربه، محبًّا لإخوانه، محافظًا على حقوقهم، حاثًّا لهم على أداء واجباتهم، إننا إن فعلنا ذلك أرضينا خالقنا، وأدينا واجبنا وقوينا صفنا، والله هو المسؤول أن يرعانا ويحفظنا.

 

 إن قرآن الفجر كان مشهودًا

عبدالقادر بن محمد العماري

لصلاة الفجر منزلة خاصة، وأجر عظيم، كما أن لها أثرًا إيجابيًّا على صحة المسلم، إذا حافظ عليها في وقتها، فنسبة الأوزون - الذي له تأثيرات مفيدة على الجهاز العصبي والمشاعر النفسية- تزداد في هذا الوقت، مما ينشط المسلم نفسيًّا وبدنيًّا، والأشعة فوق البنفسجية -أيضًا- تزيد، وهي تساعد الجلد على صنع فيتامين (د) كما ترتفع نسبة الكورتيزون في الدم وهي أيضًا مفيدة.

وقد أمر الإسلام بالمحافظة على الصلوات الخمس، خاصة الصبح والعصر والعشاء، ومن الأحاديث التي جاءت في فضل صلاة الصبح، قول الرسول ﷺ: «من صلى البردين دخل الجنة»، والبردان: الصبح والعصر. وقال ﷺ «.... من صلى الصبح في جماعة فكأنما قام الليل كله» وقال ﷺ: «ليس صلاة أثقل على المنافقين من صلاة الفجر والعشاء. ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوا».

 وقال ﷺ: «يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار, ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر, ثم يعرج الذين باتوا فيكم فيسألهم ربهم وهو أعلم بهم كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: تركناهم وهم يصلون وأتيناهم وهم يصلون»، قال تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَىٰ غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ ۖ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ (الإسراء:۷۸). 

قال المفسرون: قرآن الفجر هنا صلاة الصبح, وعبر عنها خاصة دون غيرها من الصلوات؛ لأن القرآن هو أعظمها, وقوله: ﴿كَانَ مَشْهُودًا﴾ تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار، ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا﴾ (الإسراء:٧٩)، قال بعض المفسرين: نافلة لك أي كرامة لك. (انظر أحكام القرآن للقرطبي).

الرابط المختصر :