; كلمة في وداع أعز الناس.. وأفل النجم الحبيب | مجلة المجتمع

العنوان كلمة في وداع أعز الناس.. وأفل النجم الحبيب

الكاتب محمد يوسف الجاهوش

تاريخ النشر السبت 28-مارس-2009

مشاهدات 85

نشر في العدد 1845

نشر في الصفحة 35

السبت 28-مارس-2009

إنَّ من الناس ناسًا يطوي الموت ذكرهم وسيرتهم، كطي حياتهم، فتنسى الدنيا -بموتهم- أنهم كانوا ذات يوم من بنيها، ولا تُحس الأرض أنها خسرت شيئًا بفقدهم.

على حين يعجز الموت أن يأتي على مفاخر آخرين وسجاياهم، رغم قبض أرواحهم، وفناء أجسادهم، وإنه لفارق كبير- بين من يُمحى بالموت رسمه وذكره، وبين من ترافق الخلود خلاله وسجاياه وتستمر بصماته على مناحي الحياة سنى وضاء، ينير طريق السالكين إلى المقصد الأسمى، ويهدي ركب الحائرين إلى منارات الهدى، وشارات الرشاد.

ذلك أن الذين يجمعون العقل المستنير والعلم الغزير، والقلب الحي والعاطفة الجياشة، وسلامة الصدر، ووضوح الرؤية قليلون في واقعنا، والذين يسخرون عقولهم وعلومهم وعواطفهم، وأوقاتهم، لخدمة دينهم، والذب عن إسلامهم، أقل من أولئك بكثير، وأقل من هذين الصنفين من تحترق قلوبهم، وتتفتت أكبادهم حسرة على الإسلام وأمة الإسلام.

فكيف إذا اجتمعت هذه الصفات برجل واحد، مقرونة بالهمة العالية والأسفار المتوالية لمتابعة أمور الدعوة والجماعة من دون كلل ولا ملل، وقد تخطى الثمانين بأربع سنين!!

ما نشك أن هذا الطراز الرائع من الرجال ممن ينطبق عليهم بحق- قول سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الناس كإبل مائة لا تجد فيها راحلة» «متفق عليه».

ونحسب - ولا نزكي على الله أحدًا - أن فقيدنا الغالي الحبيب الدكتور حسن هويدي «أبو محمد» -رحمه الله- من هذا الطراز الرفيع من الدعاة، فقد رافق مسيرة الدعوة في بدء شبابه وعاصر الرعيل الأول من أعلامها وأركانها وثبت على الطريق مدة ستة وستين عامًا: داعيًا إلى الله عزَّ وجلّ على هدى وبصيرة، تحمل المشاق والمتاعب، وتعرض للسجن والتعذيب، ثم للتشريد والتغريب، لم تضعف له همة، ولا لانت له قناة، بل عاش صابرًا محتسبًا دائم الحركة، والتنقل في أقطار الدنيا، حاملًا ثقل السنين، ووطأة الأمراض، ليبلغ رسالة ربه، وليتابع أمور إخوانه ودعوته ولكأن أبا تمام كان يصفه عندما قال:

بالشام أهلي وبـغـداد الهـوى وأنا

            بالرقمتين وبالفسطاط إخواني

وما أظن النوى ترضى الذي صنعت

                 حتى تشافه بي أقصى خراسان

وها قد طويت صفحة الأسفار المتوالية، وجــاء الـسـفـر الأخـير الذي ودّع شيخنا وحبيبنا «أبو محمد» الدنيا على أثره وغادرنا إلى ربه، وقد كان الدكتور الطبيب الفقيه، اللغوي، الأديب، الناثر، الشاعر، الناسك، العابد، التقي الصالح، رحمه الله تعالى وأعلى منزلته وحشره مع النبيين والصديقين والشهداء، والصالحين، وحسن أولئك رفيقًا.

لقد هزنا النبأ يا أبا محمد: أبكى عيوننا، وأدمى قلوبنا، وطاشت لسماعه ألبابنا!

كيف لا نذهل ويعتصرنا الأسى، وقد فقدنا بفقدك الوالد الشفيق، والمربي الحاني، والأخ الناصح!

نعم، لقد فقدنا القائد الشجاع الأريب المجرّب الحكيم الذي أخلص عمله لله ووقف جهده وجهاده على مجاهدة نفسه، فقوي -بذلك- على جهاد أعدائه لقد قهر نوازع النفس بالتقى، وانتصر على عدوه بتوفيق الله وعونه.

ولا عجب فالتقي معان تلحظه العناية، وتحوطه المعية والرعاية، يسدد الله مقاله ويزكي فعاله، ويصرف عنه كل ضرر وسوء.

فكم من نازلة حلت بنا في أوج المحنة كنا نظن فرجها بعيدًا، وحلها عسيرًا، فإذا ما خلونا معك وجدنا الوجه الباسم والقلب الصابر، والرأي الصائب، الذي أسقط مصطلح اليأس من مفرداته، واستنار بالتفاؤل والأمل، فما يستتم مجلسنا إلا وقد انجلى عن قلوبنا ما أهمها، وعن نفوسنا ما أغمها، وعاد لنا من الأمل والثقة ما زايلنا وغاب عنا، لقد شهدنا كثيراً من هذا في مواقفك الدعوية، وجهودك الإصلاحية، وعيناه تمامًا، وأفدنا منه عبرة ودرسًا فكيف لا يطول حزننا عليك!

لقد يتمتنا يا أبا محمد- وفينا من ينطح الستين، بل والسبعين، لقد كنت المنار الهادي، والركن الذي تؤوي إليه في الكربات والشدائد فالصبر بعدك عسير، والعيش مرير، والدمع لفقدك غزير جد غزير.

 لقد مضى أبو محمد إلى ربه، ونشهد أنه أدى ما عليه بصبر وجلد، وبرضى وإخلاص اللهم أكرم نزل أخينا وشيخنا أبي محمد، ووسع مدخله، وأفسح له في قبره مد بصره، واجعل قبره روضة من رياض الجنة.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 97

95

الثلاثاء 25-أبريل-1972

في «القلب» يبدأ التغيير الحقيقي

نشر في العدد 127

115

الثلاثاء 28-نوفمبر-1972

الأسرة (127)