; بعد تصاعد الغضب الشعبي من مواقفه.. هل يكون النظام المصري الخاسر الأول في معركة غزة؟ | مجلة المجتمع

العنوان بعد تصاعد الغضب الشعبي من مواقفه.. هل يكون النظام المصري الخاسر الأول في معركة غزة؟

الكاتب أحمد عز الدين

تاريخ النشر السبت 10-يناير-2009

مشاهدات 119

نشر في العدد 1834

نشر في الصفحة 18

السبت 10-يناير-2009

·       قطاع غزة أشبه بالجنين الملتصق برحم أمه وأي محاولة لفصل الجنين أو قطع الحبل السري عنه معناها الحكم بموته فالقطاع محاصر إسرائيلياً من البر والبحر وليس له من أمل بعد الله سوى مصر.

·       النظام المصري متلبس بالرعب من الظاهرة الإسلامية ويحسب أن أي تأييد ل غزة، إنما المقصود به دعم حماس وأي نصر تحققه حماس، يصب داخلياً في خانة الإخوان وهو على استعداد لأن يخالف كل النواميس ويسير عكس كل التيارات لمنع أي مكسب يصب في خانة حماس أو الإخوان.

·       هل ردعت التحذيرات المصرية الصهاينة ومنعتهم من ضرب غزة؟ وما معنى أن تحذر مصر ولا تستجيب إسرائيل؟ وكيف تقبل مصر أن تطلق ليفني آلتهديدات من القاهرة؟

هل يكون النظام المصري الخاسر الأول في معركة غزة؟

تواجه سياسات مصر الرسمية انتقادات على المستوى الشعبي العربي والإسلامي، تعيد إلى الأذهان ما كان عليه الحال قبل قرابة ثلاثة عقود حين زار الرئيس المصري السابق أنور السادات القدس المحتلة في ۱۹ نوفمبر ۱۹۷۷م، وما استتبع الزيارة من توقيع لاتفاقيتي كامب ديفيد، ومعاهدة السلام مع العدو الصهيوني فلأول مرة منذ ذلك الحين تخرج المظاهرات للتعبير عن الأمل في الموقف المصري من الهجوم الصهيوني على غزة، وللتنديد بإصرار مصر على استمرار إغلاق معبر رفح، وتتوجه المظاهرات إلى مقار السفارات والقنصليات المصرية، ويصل الأمر إلى حد اقتحام القنصلية المصرية في «عدن».

أحمد عز الدين

الانتقادات الموجهة للسياسة المصرية لا تقف عند حدود الموقف الراهن من مجزرة غزة التي بدأت يوم ٢٧ ديسمبر الماضي، بل تعيد التذكير بالآثار الكارثية الزيارة «القدس»، والتي تسببت في خروج مصر من دائرة الصراع ضد العدو الصهيوني، والتحول من دور قوة عربية كبرى تدخل الحرب للدفاع عن طرف عربي إلى دور المساند» للقضية الفلسطينية إلى محاولة لعب دور «الوسيط» (!) بين الصهاينة والفلسطينيين وأخيرا ويا للغرابة - اتخاذ مواقف أقرب إلى المعتدي منها إلى المعتدى عليه أمران يبدو أنهما كانا السبب المباشر في ثورة الغضب من الموقف المصري الرسمي، وهما: إغلاق معبر رفح، وزيارة وزيرة الخارجية الصهيونية تسيبي ليفني» المصر قبل أقل من يومين من بدء العدوان على غزة .

زيارة ليفني

قبل زيارة «ليفني» للقاهرة يوم ٢٥ ديسمبر الماضي قال مصدر مصري رفيع الصحيفة «الحياة» اللندنية: إن كل القيادات الإسرائيلية طلبت القدوم إلى مصر بمن فيهم رئيس الحكومة إيهود أولمرت ووزير الدفاع إيهود باراك وزعيم حزب ليكود بنيامين نتانياهو ومن المتوقع أن يأتوا قريباً .

وأشار المصدر على وجه الخصوص إلى وزيرة الخارجية: لأنها أول من أيدت آلتهدئة ودعمتها، ودعت وزير الدفاع الإسرائيلي إلى ضرورة قبولها، وقالت: إنه لا يجب أن يخيب الجهود المصرية، واتفاق التهدئة يدعم العلاقات المصرية الإسرائيلية وشدد المصدر على أن مصر قادرة على منع عملية عسكرية موسعة أو اجتياح  لقطاع غزة وأضاف: نستطيع أن نوقف عملية اجتياح  موسعة، فمثل هذه العملية العسكرية إذا قامت بها إسرائيل فإنها ستسبب لها إشكالات كبيرة وكثيرة، لذلك ليس في مصلحتها على الإطلاق القيام بمثل هذه العملية؛ لأن ذلك سيخلق عبثاً سياسياً ومعنوياً كبيراً للدول العربية.

وأضاف: أن هناك تنسيقاً أمنياً جيداً بين مصر وإسرائيل، وإذا حدثت مثل هذه العملية في «غزة»، فسيكون لها انعكاسها السلبي والإسرائيليون في حاجة كبيرة إلى هذا التنسيق مع مصر وبالطبع نحن لا نعرف من المصدر الذي أدلى بهذه التصريحات لكن لا نستغرب صدورها عن مسؤول لا يرى غضاضة في المفاخرة بالتنسيق الأمني الجيد مع العدو ويرى مصالح مشتركة بين العدو وبعض الدول العربية، كما يحاول إبراز أهمية الإسرائيليين يقفون في الصف في انتظار السماح لهم بزيارة القاهرة التي تملك التأثير على القرار الإسرائيلي.

بعد ذلك بأيام جاءت ليفني للقاهرة وأعلنت منها الحرب على غزة وكان وزير الخارجية المصري أحمد أبو الغيط دور الأمين العام للأمم المتحدة بمناشدة الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي بضبط النفس.

الدفاع عن موقف ضعيف

وبعد بدء العدوان على غزة كان من الطبيعي أن يربط الشارع العربي والإسلامي بين الزيارة وما جاء بعدها من أحداث، وأن يتردد القول بأن ليفني زارت القاهرة للتنسيق المشترك ضد غزة وفي محاولة هزيلة للدفاع عن موقف ضعيف خرج أبو الغيط، ليقول: إن الرئيس مبارك رأى من الشواهد قبل 3 أيام أن الجماعة دول ناويين يضربوا «غزة» فقال: اندهوا لي الست دي تيجي، وقال لها إياك وضرب غزة ولمن لا يعرف اللهجة المصرية فإن معنى الجملة السابقة أن مبارك طلب حضور وزيرة الخارجية الإسرائيلية لتحذيرها، ولعل استخدام وزير خارجية لهذه اللهجة الدارجة في تصريحات رسمية يمثل شكلا آخر من أشكال مأساة الدبلوماسية المصرية.

سنفترض صحة تصريحات وزير الخارجية فماذا كانت النتيجة؟ هل ردعت التحذيرات المصرية الإسرائيليين ومنعتهم من ضرب غزة؟ وما معنى أن تحذر مصر ولا تستجيب إسرائيل؟ وكيف تقبل مصر أن تطلق ليفني» آلتهديدات من «القاهرة».

وهي التي دعيت لتحذيرها من الاعتداء على غزة؟ وماذا كان موقف المسؤولين الذين ذهبت تحذيراتهم أدراج الرياح؟ بدلاً من العمل على اختراق الحصار الصهيوني الأمريكي للقرار المصري، وبدلاً من تبني موقف يستجيب ولو للحد الأدنى من المطالب الشعبية، كان الموقف الرسمي يتحول من سيئ إلى أسوا: فإدانة العدوان كانت فاترة، والتحركات الدبلوماسية أظهرت العجز بدلاً من أن تداريه، فقد توجه وزير الخارجية إلى تركيا التي أصبحت محطة رئيسية ونقطة ارتكاز مهمة أثناء الأزمة وإليها أيضاً توجه عدد من المسؤولين العرب ومنها انطلق رئيس وزرائها رجب طيب أردوغان في جولة عربية، وكان «مصر» لا تستطيع أن تخاطب أطرافا عربية إلا عبر وسيط تركي ولم تتحمس القاهرة لعقد قمة عربية طارئة، ولو لتوجيه رسالة جماعية ل إسرائيل، رغم أن وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي قد اجتمعوا لبحث الموقف في «غزة» ولا غضاضة من عقد قمة عربية للسبب ذاته، واكتفى وزراء الخارجية العرب الذين إجتمعوا بعد أيام من العدوان بإحالة الأمر إلى مجلس الأمن، وهي إجراءات من شأنها إطالة أمد البحث والتداول والتشاور بما يعطي «إسرائيل» الوقت الكافي لإنهاء مهمتها الإجرامية في «غزة» وقد رفضت الدول الغربية خاصة الولايات المتحدة الأمريكية مشروع قرار قدمته «ليبيا» في مجلس الأمن نيابة عن المجموعة العربية لوقف العدوان الإسرائيلي» على «غزة»، وأفشل الرفض الغربي التصويت على أي قرار بشأن العدوان، واعتبر مندوبو الدول الغربية أن مشروع القرار غير متوازن لكونه يدين «إسرائيل» فحسب، وتحدث أبو الغيط مرة أخرى عن الحاجة لقرار متوازن، أي قرار يدين «حماس» مثلما يدين «إسرائيل»! وهكذا إما أن يصدر قرار هزيل لضمان موافقة واشنطن عليه، وإما أن تستخدم حق النقض «الفيتو» لوقف صدوره.

معبر رفح من قدر قطاع غزة أنه أشبه بالجنين الملتصق برحم أمه، والأم هنا هي

مصر، وأي محاولة لفصل الجنين أو قطع الحبل السري عنه معناها الحكم بموت الجنين فالقطاع محاصر إسرائيليا من البر والبحر، وليس له من أمل بعد الله سوى مصر.

غير أن الأم لا ترغب في تحمل مسؤولياتها، وتشتكي من أعباء الحمل وآلامه، وتصر على إسقاط الجنين خاصة وأن الجنين لا يشبهها، ولأنها لا تحب أباه أمل أن يكون هذا التشبيه مناسباً والمعنى أن «مصر» الرسمية فضلت صداقة الإسرائيليين على الانتماء لبيتها العربي الإسلامي، وكرهت «غزة»: لأنها مقاومة وكرهت الجنين لأنه يحمل جينات حماس الإسلامية المقاومة الصامدة.

تقود القاهرة، ما أصبح يعرف بمعسكر (الاعتدال) بينما تنتمي حماس لما يعرف بمعسكر (التشدد) وقد أصبح الإسرائيليون يراهنون على كسب المعسكر الأول إلى جانبهم ليسكت حين يضرب المعسكر الثاني بل ربما يرضى بذلك، ولعل بعض أطرافه لا يكتفي بالرضا بل يتعداه إلى الطلب وتمثل «حماس» الطرف الأضعف - مادياً في معسكر يضم إيران وسورية و حزب الله وهناك خصومة مفتعلة بين القاهرة»، و«طهران» وبرود وأزمة صامتة مع دمشق وانتقادات علنية لحزب الله أما «حماس» فقد وقعت بين فكي الرحى فعداوة النظام المصري للإخوان المسلمين ولكل جماعة إسلامية تنسحب أيضاً على حماس وانحيازه للسلطة الفلسطينية يزيد من هذه العداوة، وما الاتصالات التي تتم بين «مصر»، و«حماس» سوى ضرورة من ضرورات دور الوسيط الذي أصبح المؤهل الأول لقبول النظام أمام واشنطن.

ولهذا واصلت سلطات الأمن في مصر اعتقال وحبس العشرات بل المئات من الإخوان، خاصة ممن خرجوا للتظاهر أو للوقوف احتجاجاً على ما يحدث في «غزة» خاصة يوم الجمعة الثاني من يناير التي سمیت جمعة الغضب، والتي خرجت فيها عشرات المظاهرات والتجمعات في مختلف المحافظات المصرية، فالنظام المصري متلبس بالرعب من الظاهرة الإسلامية ويحسب أن أي تأييد له غزة إنما المقصود به دعم «حماس»، وأي نصر تحققه «حماس» يصب داخليا في خانة «الإخوان»، وهو على استعداد لأن يخالف كل النواميس ويسير عکس كل التيارات لمنع أي مكسب يصب في خانة «حماس» أو الإخوان تملك كل دولة سلطة سيادية على أراضيها، وبالتالي تملك القاهرة سلطة فتح معبر رفح من الجانب المصري، ولا شأن لها بمن يدير الجانب الفلسطيني، لكن «القاهرة» تتنازل عن سلطتها طواعية، وتحتج بأنها لا تملك فتح المعبر لأن هناك اتفاقية تحكم الجانب الفلسطيني من المعبر بين السلطة الفلسطينية، والاتحاد الأوروبي و«إسرائيل» وتتمسك «القاهرة» بوجود الأطراف الثلاثة حتى يتسنى فتح المعبر وهو أمر غاية في الغرابة، إذ يبدو وكأن مصر مصممة على استمرار بقاء قطاع غزة محتلا، وعلى آلا تتخذ، ولا تدعم أي خطوة من شأنها تعزيز استقلال القطاع وفصله عن إسرائيل.

ويسوق البعض مبررات مضحكة مثل القول: لماذا توجهون اللوم ل «مصر» وحدها بشأن معبر رفح، فهناك ثلاثة معابر أخرى تديرها إسرائيل؟ أو القول بأن قضية المعابر مسؤولية اللجنة الرباعية التي قدمت خارطة الطريق أو أن المعبر مخصص العبور الأفراد لا الشاحنات، وهي مبررات غير مقنعة خاصة وأنه يتم فتح المعبر أحيانا مثلما يتم تجاوز تلك الشروط حين يأتي الضوء الأخضر بدخول بعض المساعدات إذ ليس المطلوب أن يموت سكان غزة جميعاً من الجوع والعطش والمرض، ففي الموت راحة لهم.

ولكن أن يبقوا أحياء يتعذيون، وحين طلبت فرنسا هدنة إنسانية في غزة لإدخال مواد الإغاثة رفضت إسرائيل الإقتراح الفرنسي وزعمت وزيرة الخارجية ليفني أنه لا توجد أزمة إنسانية في القطاع ولذلك لا توجد حاجة لهدنة إنسانية.

وفي فرنسا أيضاً قالت ليفني: إن الكيان الصهيوني يهدف من وراء الحرب على غزة إلى إضعاف «حماس» التي لا تعد مشكلة لـ «إسرائيل» فحسب بل هم مشكلة لجميع الدول العربية التي تدرك أن لديها عناصر أصولية في الداخل بما في ذلك الإخوان المسلمون في أماكن مختلفة من العالم العربي، وقالت: إن إسرائيل تعمل على مسارين الأول: مساعدة السلطة الفلسطينية والثاني: العمل على استهداف «حماس» والحرب عليها وقبلها قال رئيس أركان الجيش الإسرائيلي: إن مصر هي الأخرى تعادي حماس: لأنها لا تريد أن ترى دولة إرهابية على حدودها، حسب قوله .

وهكذا اجتمعت مواقف عربية وإسرائيلية لضرب حماس وتحميلها وحدها مسؤولية ما جرى في غزة، وكأن غزة، كانت منذ نشأة الكيان الصهيوني واحة الأمن والأمان، وكان العدو لم يمارس الاجتياحات والاغتيالات عشرات المرات من قبل تولى حماس السلطة، وكأنه ليس من حق حماس وسائر المنظمات ممارسة حقها المشروع في المقاومة بالطريقة التي تراها هي، وليس بالطريقة التي يرضى عنها العدو، فالعدو لن يرضى بغير الاستسلام  التام فالحرب في غزة، إذن ذات أبعاد إقليمية، ومثلما كان الحرب ١٩٤٨م الأثر الكبير في إظهار ضعف الأنظمة العربية وخاصة نظام الملك فاروق في مصر فإن حرب غزة ۲۰۰۸ ۲۰۰۹م سيكون لها أثر مماثل على الأقل من ناحية الوعي فالغضب الشعبي يساوي بين العدوان على غزة والفساد والاستبداد والدكتاتورية في الداخل، ويربط معركة تحرير فلسطين بالسعي الداخلي لتحرير الوطن والمواطن من الأنظمة القمعية.

 

الرابط المختصر :