العنوان هل يحسم الخيار الفكري للأمة؟
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر الثلاثاء 08-فبراير-1994
مشاهدات 98
نشر في العدد 1087
نشر في الصفحة 37
الثلاثاء 08-فبراير-1994
الأمة
تريد أن تنطلق، والشعوب تريد أن تنهض والعزائم تحب أن تتفاعل، ولكن القلق الثقافي
الذي تعيشه الأمة عائق لتقدمها ومدمر لشخصيتها، والتأرجح الفكري الذي يسيطر على
الساحة العربية مهلك لعزيمتها ومبدد لقوتها، ولا أظن أن يكون هناك تقدم لأمةٍ أو
ريادة لشعبٍ متمزق فكريًا أو شاردًا ثقافيًا، وحقيقة الأمر أن هناك زخمًا ثقافيًا
تائهًا وركامًا فكريًا شاردًا يتعاكس مع طبيعةٍ عقليةٍ وأصالةٍ حضاريةٍ وعمقٍ
نهضوي للأمة يسبب وبوبائية تشويشًا للمسار، ويعرقل وبعبثية وضوح الرؤية عند
الكثيرين، فهناك مثلاً..
1- فكر
أعمى يُغرم به هواة الفشل، الذين جهلوا تاريخ الأمة وطبيعتها ورغبتها وتوجهها
وحضارتها ثم إذا بهم بعد فقد الرؤية وذهاب البصر وعمى البصيرة يتعلقون بفكرٍ دخيل
وهمٍّ ثقيل، ويتشبثون بنفايات مذهبية وشطحات تنظيرية وتوجهات انهزامية وشهوانية
تضيف إلى الأمة همًا جديدًا وتخلق في المجتمعات نوعًا من الفصام النكد بين أصالة
الأمة وحداثتها وبين عمقها ونهضتها وبين توجهها وريادتها، فكان مثل هذا الفكر كمثل
تاجرٍ يجلب البضاعة الفاسدة الكاسدة التي لا تستر عورة ولا تصح جسدًا ولا توافق
طبعًا ولا ترضي ذوقًا، ثم يريد لها أن تروج أليس هذا أعمى؟
2- فكر "عبيط"
يهيم به دعاة الخبل يظلمون رسالة الأمة فلا يفهمونها حق فهمها ولا يعرفون الوسيلة
إلى تحقيقها ولا يستطيعون تحديد الأهداف أو ترسيم المنطلقات أو استبانة الطريق قد
يصادقون ما لا يصادق ويهادنون ما لا يهادن ويعادون ما لا يعادى، ويصادمون نواميس
الكون فتغلبهم لأنها غلابة، وقد تكون النيات حسنة ولكن لابد للنية من عملٍ بصير
وفهمٍ منير وعقلٍ كاشفٍ ومعرفةٍ واعيةٍ ومنهاجٍ صادقٍ وعزمٍ قوي وحبٍ غامرٍ
واستعانةٍ بالله فإنه نعم المولى ونعم النصير.
3- فكر
خياليٌ حالمٌ، ينعم به مفلسفو الأحلام ومبرمجو النظريات، وهذا الفكر الفلسفي البحت
قد يؤدي إلى سوقٍ فكريةٍ وبضاعاتٍ وألوانٍ ثقافيةٍ متناغمةٍ أو متعاكسةٍ، ولكنها
تظل جدلية سوفسطائية إذا لم تنزل إلى أرض الواقع وتتعامل مع الجماهير وتستطيع أن
توجد المثل وتسيطر على الفكرة والحركة معًا، وتكون بمثابة عقلٍ لحركةٍ إصلاحيةٍ
فاعلةٍ في الأمة، وقد نبهنا القرآن الكريم إلى خطورة ذلك فقال: ﴿لِمَ تَقُولُونَ
مَا لا تَفْعَلُونَ. كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا
تَفْعَلُونَ﴾ (الصف: 2-3)، وما كان الفكر الإسلامي في أي مرحلة من مراحله فكرًا
هلاميًا تنظيريًا فقط، وما جاء هذا الفكر إلا ليبني أمةً، ولا يتصور الإسلام
قائمًا إلا في محيط تلك الأمة، وما جاء الإسلام لينشئ فكرًا انعزاليًا ولكنه جاء
ليحكم الحياة البشرية بمثلٍ حيٍ وأمةٍ حاملةٍ لصفات الخيرية ورائدةٍ في كل اتجاه،
وقد عاب الإسلام كذلك الفكر الانعزالي حتى بالنسبة للتعبد، فحرم الرهبانية وعبادات
الصوامع، فلا يأتين فكر اليوم مهما كان منسقًا أو متفتحًا بدعوة إلى الانعزالية
حقيقة أو حكمًا، واقعًا أو كسلًا أو تيهًا، يدعي أنه سيملك الساحة وما استطاع أن
يربي فردًا أو يلتحم حتى بالقاعدة المسلمة أو بالعاملين الجادين المخلصين
المتفانين في سبيل تحقيق المنهج، لقد أخبرنا التاريخ وأقرأنا علماؤنا الأثبات أن
الدعوات والأفكار ليست كائنات حية تدعو إلى ذاتها وإنما يحملها رجال يجاهدون في
سبيلها وينافحون عنها ويبلغونها الناس، ولذلك ما نزلت رسالة إلا ومعها رسول وما
جاء رسول إلا لينشئ أمةً ينتصر بها ويسود بها المبدأ وتحيا بها الرسالة، وإلا فقل
لي بربك بماذا ارتفعت راية الإسلام؟ أليس بجيل رباه الرسول -صلى الله عليه وسلم-
على الرسالة وأشاد به القرآن؟ فقال: ﴿مِّنَ ٱلۡمُؤۡمِنِینَ رِجَالࣱ صَدَقُوا۟ مَا
عَـاهَدُوا۟ ٱللَّهَ عَلَیۡهِۖ فَمِنۡهُم مَّن قَضَىٰ نَحۡبَهُۥ وَمِنۡهُم مَّن
یَنتَظِرُۖ وَمَا بَدَّلُوا۟ تَبۡدِیلࣰا﴾ (الأحزاب: 23)، فأي فكرٍ لم ينزل أرض
الواقع أو يتعامل مع الأمة وينشئ كوادر إنسانية تحمل المبدأ فهو فكرٌ هلاميٌ جدليٌ
لا يقيم معروفًا أو يزيل منكرًا، وقد يخندق من حيث لا يدري في ساحاتٍ مناهضةٍ
لتوجهات الأمة الحقيقية ونهضتها المستقبلية، ونحن في الحقيقة مشفقون على هذا الفكر
ولكن هل من سميع؟
4- وهناك
فكرٌ بصيرٌ وواقعيٌ يعرفه أهل الإيمان ويتعايش معه رجال المواقف والدعوات، فهو
روحٌ جديدٌ يسري في قلب هذه الأمة فيحييه بالقرآن، ونورٌ جديدٌ يشرق فيبدد ظلام
المادة بمعرفة الله، وصوت داوٍ يعلو مرددًا دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم، يربى
على الإسلام نظام شامل ينتظم مظاهر الحياة جميعًا، فهو دولةٌ ووطن، أو حكومةٌ
وأمة، وهو خلقٌ وقوة، أو رحمةٌ وعدالة، وهو ثقافةٌ وقانون، أو علمٌ وقضاء، وهو
مادةٌ وثروة، أو كسبٌ وغنى، وهو جهادٌ ودعوة، أو جيشٌ وفكرة، كما هو عقيدةٌ صادقة
وعبادةٌ لله سبحانه، فكرٌ يعيش بالحب ويعلن السلام ويعلي الأخوة ويحتضن الجميع
لأنه رحمة الله للعالمين. يقدر خطوةً ويبصر طريقه، ويعرف وجهته ويحدد هدفه ويبين
صديقه من عدوه ويتعامل مع نواميس الكون ويستعين بالله فإنه نعم المولى ونعم
النصير.
وبعد فهل
يحسم الخيار الفكري لصالح الأمة؟ نسأل الله ذلك.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل