العنوان هل هي نهاية التاريخ؟
الكاتب مصطفي محمد الطحان
تاريخ النشر الثلاثاء 18-أغسطس-1998
مشاهدات 75
نشر في العدد 1313
نشر في الصفحة 46
الثلاثاء 18-أغسطس-1998
في أعقاب حرب الخليج ومعركة تحرير الكويت.. التي نقلتها محطة CNN الإخبارية الأمريكية إلى كل بيت.. انتشى الغرب نشوة لم يسبق لها مثيل.. وأعلن بوش رئيس الولايات المتحدة ولادة النظام العالمي الجديد.. وكما انتشى القادة العسكريون.. والسياسيون.. كذلك انتشى المفكرون.
صاموئيل هنتنجتون أعلن أن الحضارة الغربية هي نهاية التاريخ، وكل حضارة أخرى عليها أن تكتب بيدها شهادة وفاتها..
ولكن علماء الغرب ومفكروه بما فيهم هنتنجتون (ذاته) نقضوا الفكرة بعد فترة قصيرة من الزمن.. لقد ذهبت النشوة.. وجاءت الفكرة... وتجلت الحقائق.
السكرتير العام السابق لحلف شمال الأطلسي (جون كالفن) قال بعد انهيار جدار برلين إن الحرب الباردة بين الشرق والغرب كسبناها.. ولكن هناك خلاف قديم سيتجدد عاجلًا أو أجلًا بيننا وبين الإسلام.. ولا ندري من سيكسب المعركة.
ويرجح مايكل سالا (من الجامعة الأمريكية في واشنطن) (۱) أن العلاقات بين السياسة الخارجية الغربية والإسلام ستكون عدائية استئصالية على غرار الاستراتيجية التي اتبعتها الرأسمالية مع الشيوعية، ولا صحة عنده لما يقال من أن هناك إسلامًا متطرفًا وآخر معتدلًا.. فالفرق في التكتيك لا أكثر.
ويرى أنصار هذه المدرسة ضرورة دعم الولايات المتحدة للحكومات التي تقمع الحركات الإسلامية، حتى لو كان ذلك يعني القبول بأساليب القمع التي تتبعها هذه الدول، فالإسلاميون في نهاية المطاف يقفون على الند من الحضارة الغربية.
صاموئيل هنتنجتون في معهد ألفرد هبر هاوزن للحوار الدولي رد على جون كالفن فقال: «جميع الحضارات السابقة اندثرت إلا الحضارة الإسلامية التي بقيت إلى الآن شاهدة على إمكانية عودة المسلمين لقيادة العالم مرة أخرى، إن نظريتي السابقة عن الإسلام التي ذكرتها في كتابي «صراع الحضارات» وقلت فيها: إن الإسلام سينتهي أمره لا محالة.. أدركت فيما بعد أنها كانت خاطئة.. لقد أخطأ من قبلي علماء أخرون.. من أمثال أجناتس جولد تسيهير الذي زعم أن الإسلام كدين ودول انتهى يوم ألغى مصطفى كمال الخلافة.. ولكن الأحداث دلت على أن الحضارة الإسلامية لم تنته، بل هي قابلة للتجدد...».
خطوة إلى الوراء: ويذهب هنتنجتون خطوة أخرى إلى الخلف فيقول: إن الحضارة الغربية تتراجع أمام الحضارات الأخرى، فإذا كانت الحضارة تعني اللغة والدين.. فإن الديانة المسيحية واللغات الأوروبية تتراجعان على المستوى العالمي.. وعليه ينصح الكاتب دول الغرب بالوحدة لتعزيز دورها.. بدل السعي إلى فرض القيم الغربية على بقية الشعوب، محملًا الولايات المتحدة المسؤولية الأولى في انتشال الغرب من وضعه الراهن (۲)، وهو يرى أن هناك مؤشرات تؤيد ما ذهب إليه:
المؤشر الأول لتراجع الحضارة الغربية هو التراجع في عدد المتكلمين باللغة الإنكليزية، ففي عام ١٩٥٨م، كان عدد المتكلمين بهذه اللغة ٩.٨٪ من سكان العالم، ولكن هذه النسبة تراجعت إلى ٧,٦% في عام ۱۹۹۲م، وقال: إن لغة لا يتكلمها ٩٢% من سكان العالم ليست لغة عالمية، وعلى الصعيد ذاته كان ٢٤% من سكان العالم في عام ١٩٥٨م يتكلمون إحدى اللغات الأوروبية الخمس الرئيسة، أما في عام ۱۹۹۲م فلم تبلغ هذه النسبة سوى ۲۱%.
أما المؤشر الثاني فهو الديانة المسيحية الغربية، فهي الآن ديانة تمثل ٣٠% من سكان الأرض، لكن هذه النسبة في تناقص مستمر، مقابل الزيادة في نسبة المسلمين الذين من المتوقع أن يفوق عددهم عدد مسيحيي العالم في العقد القادم.
خطوة بديلة: وعليه يقترح هنتنجتون أن يوحد الغرب صفوفه، وأن يؤكد قيمه حتى لا تتجاوزه الحضارات الأخرى..
أما قيم الغرب كما يراها فهي: الميراث الكلاسيكي الآتي من الإغريق والرومان، والمسيحية الغربية، واللغات الأوروبية، والفصل بين السلطة الروحية والسلطة الزمنية، وسيادة القانون، والتعددية الاجتماعية والمجتمع المدني والهيئات التمثيلية، والفردية، وقال: إن هذه القيم هي ما يجعل الغرب غربيًا، وهي سر تميزه.
ويلاحظ هنتنجتون أن الغرب يتراجع.. وهنا تكمن المشكلة الجوهرية التي تواجهها الحضارة الغربية، وهي الفجوة بين مساعي الدول الغربية وخاصًة الولايات المتحدة لجعل هذه الحضارة عالمية وبين عدم قدرتها على تحقيق ذلك.
فلقد ولد سقوط الشيوعية انطباعًا لدى الغرب بأن أيديولوجيته الليبرالية الديمقراطية انتصرت عالميًا.. وأنها النقطة النهائية في تطور الإنسان.. «كما ذكر فوكويوما في كتابه نهاية التاريخ».. وأنه على الشعوب الأخرى الالتزام بهذه القيم «الديمقراطية السوق الحرة الحكومات المقيدة الفردية، وحكم القانون».. وعليهم إدخالها في مؤسساتهم، حتى إن بعض الكتاب الأمريكان «مثل ماكسويل تايلور» يرى ضرورة فرض هذه القيم على الآخرين بالقوة (۳).
قال هنتنجتون: لقد حان الوقت الذي يتعين فيه على الغرب أن يتخلى عن وهم العالمية والتوجه بدل ذلك إلى تعزيز وحدة حضارته وتماسكها وحيويتها، إن مصالح الغرب لا يمكن خدمتها من خلال التدخل غير الشرعي في نزاعات الآخرين.. وبخاصةٍ عندما يكون هذا التدخل قليل الفائدة للغرب، ويعتقد هنتنجتون أن إدامة وحدة الغرب ضرورية لإبطاء التأكل في النفوذ الغربي في الشؤون العالمية، إن الغربيين يمتلكون الكثير من المشتركات فيما بينهم أكثر مما يملكونه مع الآسيويين والشرق أوسطيين والأفارقة.
ويتطلب تعزيز تماسك الغرب أمرين أولهما الحفاظ على الثقافة الغربية داخل الغرب، والأمر الثاني يتطلب من بين أمور أخرى السيطرة على الهجرة إلى الغرب من المجتمعات غير الغربية وضمان اندماج المهاجرين الجدد المسموح لهم بالبقاء في الثقافة الغربية، ويرى هنتنجتون أن التعددية الثقافية في الولايات المتحدة مما ينذر بالخطر.. فقد دلت الإحصاءات أن البيض سيتراجعون بحلول عام ٢٠٥٠ إلى ٥٣٪ من ٧٥% في الوقت الحاضر وهو يتطلب أيضًا الإدراك بأن حلف الأطلسي لما بعد الحرب الباردة هو المنظمة الأمنية للحضارة الغربية وأن وظيفته هي الدفاع والحفاظ على هذه الحضارة، وعليه فإن الدول المعتبرة غربية في تاريخها ودينها وثقافتها يجب أن يسمح لها بالانضمام إلى الناتو، وهذا يشمل دول البلطيق وسلوفينيا وكرواتيا وليس أقطارًا مسلمة أو أرثوذكسية، لقد تغيرت مهمة الناتو وسوف تضعف روابط تركيا واليونان بالحلف ومن الممكن أن تنتهي عضوية هاتين الدولتين أو أن تصبح عديمة المعنى، إن حزب الرفاه التركي وضع الانسحاب من الناتو ضمن أهدافه، في حين أصبحت اليونان حليفة لروسيا.
إن التكامل السياسي سوف يعوض التأكل النسبي في الدور العالمي للغرب ويعيد قوة الغرب في أعين قادة الحضارات الأخرى، إن المسؤولية الأساسية لقادة الغرب ليست إعادة صياغة الحضارات الأخرى على غرار الحضارة الغربية- وهذا أمر خارج قدرتهم على نحو متزايد- وإنما في الحفاظ وتجديد الخصائص الفريدة للحضارة الغربية وتقع مسؤولية هذه الوظيفة بشكل أساسي على الدولة الغربية الأعظم وهي الولايات المتحدة، فلا العولمة ولا العزلة ولا التعددية الثقافية ولا الأحادية الثقافية سوف تخدم أي منها المصالح الغربية، إن هذه المصالح يمكن تحقيقها بقوة عبر تجنب هذه النهايات المتطرفة وتبني سياسة أطلسية تقوم على التعاون الوثيق مع الشركاء الأوروبيين وهذه السياسة هي الكفيلة بالحفاظ على مصالح وقيم وثقافة الغرب (٤).
حوار الحضارات أم تصادمها؟
بالرغم من عودة هنتنجتون عن بعض أفكاره التي ذكرها في كتابه (صراع الحضارات) إلا أنه ما زال مشفقًا على الحضارة الغربية من التفتت والانهيار.. في حرب مدمرة بين الدول القائدة في الحضارات المختلفة.. تضم الولايات المتحدة وأوروبا وروسيا والهند من جانب والصين واليابان والعالم الإسلامي من جانب آخر.
المفكر الفرنسي روجيه جارودي تحدث عن حوار الحضارات، ودعا إلى حوار حقيقي من أجل تحقيق ثقافة عالمية، واعتبر أن هذا الحوار سيكون إغناء إنسانيًا عميقًا لكل الحضارات.
ويرى محمد عبد الجبار أن تدافع الحضارات الذي قد يأخذ شكل الصراع المسلح يكون بين جماعات من البشر ينتمون إلى حضارات مختلفة.. لا يعرف بعضهم البعض الآخر... فيتحول الشعور بالخوف من الآخر إلى صدام عسكري..
وإذا كان هذا التدافع هو الذي ساد في مراحل التاريخ السابقة.. فإنه مع تطور الحضارات.. وإدراكها أن الحرب ليست التعبير الأفضل للعلاقات.. فإن صيغًا أخرى ستنشأ مثل التعارف الذي يزيل أسباب الجهل والخوف بين الحضارات.. والتعاون الذي يقبل كل تفوق عند الآخر.. كما فعل المسلمون حين اقتبسوا الصالح النافع من الحضارات الأخرى.
وفرق كبير بين الحضارة الإسلامية التي تدعو إلى الحوار والتعارف والتعاون مع الآخرين.. يوم كانت الحضارة الأولى في العالم.. فأوت إليها جميع الحضارات وبين الحضارة الغربية التي تدعو إلى الصراع.. وتعتقد أنها نهاية التاريخ.
الهوامش
(1) فورين أفيرز- أبريل ١٩٧٤م.
(2) فورین أفيرز- نوفمبر ١٩٩٦م.
(3) مجلة العالم الثالث- المجتمع 27/ 1/ 1998 م.
(٤) العولمة وهم- محمد عبد الجبار الوطن الكويتية 8/ 9/ 1997 م.
حول استقالة الجهاز السياسي لجماعة الإخوان المسلمين!!
بعد أن قرأت أنباء استقالة الجهاز السياسي لجماعة الإخوان في مجموعة من الصحف المصرية، أو التي تطبع خارج مصر، وبالصيغة التي نشرت بها، والشكل الذي طلعت علينا به، أكاد أجزم أن هناك ثلاثة احتمالات وراء محاولات الترويج لها:
الاحتمال الأول: إن جماعة الإخوان المسلمين تقف بنفسها وراء تسريب هذه الأنباء لو كانت صحيحة بهدف الترويج لنفسها والدعاية لقضيتها، ولفت الأنظار إلى وجودها، وتنبيه الأذهان إلى أنها تملك أجهزتها ومؤسساتها العصرية الحديثة، وإنها حين تؤكد أن الإسلام دين وسياسة إنما تشكل اللجان المتخصصة من الكوادر ذات التجربة والتخصص لتدرس وتناقش، وتحاور وتصل إلى رؤية علمية إزاء القضايا والأزمات، كما أن الجهات المسؤولة في هذه الجماعة، والتي دائمًا ما تصفها جهات بعينها أنها قد شاخت وشابت على الجمود والانفراد بالرأي، والبت في الأمور دون علم أو دراية، إنما تعتمد في قراراها دراسات وحوارات وأبحاث لجان ذات تخصص وخبرة.
وأذكر في هذا المجال العاصفة الصحفية التي هبت من بعض الدور الصحفية القومية منذ سنوات قلائل في شكل حملةٍ صحفيةٍ غريبةٍ حملت إلى جميع ربوع مصر أخبار تشكيلات ومجال هذه الجماعة، مؤكدة أنها قد جاءت من خلال انتخابات نزيهة جرت في ديمقراطية تامة لا تعرفها أحزاب مصر، وفي مقدمتها الحزب الوطني مثيلًا لها، فكانت الحملة بذلك دعاية قوية للجماعة، تحدث عنها الداني والقاصي.
الاحتمال الثاني: أن هناك جهة من الجهات على المستوى الفردي أو غير الفردي على علاقة غير جيدة بمحرر أو مراسلي تلك الصحف، أرادت أن توقعهم في شر أعمالهم، فأوعزت لهم بخبر الاستقالة، دون توثيق، ودون إشارة إلى مصدر يطمئن إليه، ودون ذكر لمعلومات واضحة محددة يعززها المنطق والموضوعية، أو تستند إلى الحقائق فاندفع المحررون والمراسلون، ودارت عجلة الطباعة، ليبتلع الجميع الطعم، ويدفع فريق من الصحفيين الثمن، وإن كانت جماعة الإخوان وحدها هي التي تبقى تجني المكسب على ساحة الرواج الشعبي، بل وكل الساحات.
الاحتمال الثالث: أن المحرر الذي حرر وصاغ الخبر مثله مثل المراسل الذي بعث بالخبر ينقصهما الذكاء، كما يفتقران إلى الخبرة والحس الصحفي الذي يفرق بين الخبر المدسوس والخبر الذي لا يملك التوثيق، والخبر الذي يسعى لتحقيق هدف، فسارع كلاهما بموافاة صحفهما به، وإن كان هذا يدين الاثنين فإنه يدين أيضًا رئيس التحرير، بل والجهاز المشرف على التحرير كله.
الذين تابعوا الأمر بحكمة وعقلانية تسلموا وماذا لو كان لدى الإخوان المسلمين لجان سياسية أو أجهزة سياسية؟ أليس ذلك أفضل من أي أجهزةٍ أخرى؟ أو من أحزاب لا تملك إلا صحفها؟ كما أضافوا، وإذا كان الإخوان يؤكدون القول بالعمل حين ينادون بأن الإسلام دين وسياسة فيشكلون جهازًا سياسيًا لبحث ودراسة القضايا السياسية وبلورة الرؤية المعبرة عن توجههم ووجهة نظرهم، ألا يجعلنا هذا نفكر في إفساح المجال أمامهم للعمل والمساهمة لتكون الممارسة موضع التقويم، ويكون العمل وحده هو المحك وسبيل إصدار الأحكام وتريح في الوقت نفسه أدمغتنا من الصداع الناتج عن حرمان تيار عريض من العمل السياسي، ربما استطاع من خلال إفساح المجال أمامه المساهمة في إرساء الأوضاع، وتنقية الأفكار، ومعالجة التطرف، ونشر الآراء المعتدلة؟
ليتنا نعيد التفكير في الأمر، على وجه آخر، وبشكل جديٍد، ودون عصبية، وبدون أثرة، بل في سماحة وتجرد من الذات مع سعة من الصدر وحب لمصر وحدها يملأ القلوب.
د. سيد الفضلي
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكلنشر في العدد 2176
101
الأربعاء 01-فبراير-2023