العنوان هل هو حقًا مرض؟
الكاتب د. عادل الزايد
تاريخ النشر الثلاثاء 07-فبراير-1995
مشاهدات 76
نشر في العدد 1137
نشر في الصفحة 16
الثلاثاء 07-فبراير-1995
يستحيل أن يختلف
شخصان في كون أعراض الزكام والمتمثلة في الحرارة المرتفعة والرشح والسعال أحيانًا
هي أعراض مرضية نتيجة الإصابة بفيروس أو بكتيريا خاصة تؤدي إلى هذا المرض، كما أنه
لا خلاف أن آلام الصدر الحادة الناتجة عن انسداد الشرايين التاجية للقلب هي أيضًا أعراض
مرضية ولكن هل من الممكن أن يصدق أن شخصًا يسمع أصواتًا ويتحدث إلى نفسه، ويعتقد
أنه تحت مراقبة دائمة وقد يصل به الأمر إلى حد الانتحار! هل ممكن أن يكون كل ذلك
أعراضًا لأمراض أم أن له تفسيرًا آخر؟
صراع
تاريخي
على الرغم من
أنه واحد من أقدم العلوم التي عرفها الإنسان، ووضع فيها نظرياته المختلفة، إلا أنه
يعتبر أحدث العلوم الطبية على الإطلاق، وواحدًا من المجالات التي ما زالت أبواب
الاكتشاف فيه مفتوحة على مصراعيها، وذلك لأن علم الطب النفسي مر بفترات من
الازدهار وفترات عديدة وطويلة من الركود، حيث إن التقدم العلمي لم يكن قد وصل إلى
المرحلة التي يتمكن فيها الأطباء والباحثون من إثبات أن تلك الأعراض الغريبة التي
يعاني منها المصاب بالمرض النفسي إنما هي ناتجة عن اختلال في المركبات الكيميائية
الموصلة للإشارات العصبية في المخ، ولذلك كان العلماء يعتمدون على وضع النظريات
التي لم تخل في أحيان كثيرة من التأثر بالأفكار الذاتية للباحث أو الاعتقاد الشخصي
لذلك الطبيب، وهذا لا يعني إطلاقًا خلوها من البعد العلمي الصحيح، ولكن فقدانها
للإثبات العلمي الملموس جعلها عرضة للنقد، ولتعارضها مع المعتقدات الاجتماعية
والعقائدية للمجتمعات التي تواجد فيها الأطباء في ذلك الزمان أحدثت هذه النظريات
ردة فعل رهيبة بل وصلت في أحيان كثيرة إلى قتل أصحاب هذه النظريات، وزاد من حدة
ردة الفعل هذه حدة بعض هذه النظريات في تفسير بعض الظواهر المرضية، وخير دليل على
ذلك في الهزة التي أحدثتها نظرية فرويد (1856م - 1939م) عندما فسر جميع الظواهر
النفسية من خلال التطور الجنسي عند ذاك الشخص المصاب بهذه الظواهر المرضية، ولكن
ذلك لن يبخس حق فرويد فإنه مؤسس علم التحليل النفسي (Psychoanalysis)
ولكن مع دخول الأجهزة الحديثة، كتخطيط المخ والأشعات والتحليلات الكيميائية
الدقيقة دخل الطب النفسي عصرًا جديدًا من التطور والتقدم، ولكن ذلك لا يعني انتهاء
المعركة بين الطب النفسي والمجتمع.
يدخل تحت اختصاص
الطبيب النفسي كثير من الأمراض والمشاكل ولا يقتصر عمله على الأمراض النفسية،
فيدخل ضمن اختصاصه أمراض الإدمان، وأمراض الشخصية، وغيرها من المشاكل، ولكننا هنا
سنقف عند حدود الأمراض النفسية فهي محور حوارنا. تنقسم الأمراض النفسية إلى قسمين
رئيسيين وهما:
1-
الأمراض الذهنية (Psychotic
disorders)
والتي تنقسم بدورها إلى قسمين رئيسين:
أ - فصام
الشخصية (Schizophrenia):
وهنا لا بد من
الإشارة إلى أن مرض الفصام ليس نوعًا واحدًا وإنما هو خمسة أنواع تختلف من حيث
الأعراض المرضية والتطورات المتوقعة للممرض.
ب - الأمراض
العاطفية (Affective disorders):
والأمراض
العاطفية هي التي يندرج تحتها كل من:
الاكتئاب (Depression)
والانشراح (Mania)
وهذه الأمراض
الذهنية هي التي تمثل نقطة المشكلة حيث في هذه الأمراض يشتكي المريض من سماعه
أصواتًا تكلمه وتوجه إليه أحيانًا كلمات نابية أو أنها تأمر المريض بالقيام بأعمال
معينة وقد يمضيها المريض أحيانًا، وقد يصل الأمر في أن يدخل المريض في حوار مع هذه
الأصوات المسموعة، وهي الأمراض التي يعاني فيها المريض من أوهام، قد يشعر خلالها
المريض بأنه شخص عظيم ليس كمثله أحد، وبالنقيض قد يشعر بأنه لا يساوي شيئًا في هذه
الحياة، والشعور بالاضطهاد أيضًا له دور في هذه الأوهام حيث يشعر بأن الجميع يريد
التخلص منه لدرجة أنهم يرصدون حركاته عبر الكاميرات المنتشرة في كل مكان، وأن هناك
من انتزع أفكاره من رأسه وزرع أفكارًا جديدة، وبالتالي هو يتحكم في كل حركاته
وسكناته.
وإذا أردنا أن
نتحدث عن الأحلام التي يعاني منها خصوصًا مرضى الاكتئاب فهي أيضًا عجيبة غريبة،
فهي لا تتعدى الموت والأشكال الغريبة والمزعجة.
الاكتشافات
الحديثة توصلت إلى أن الاختلال في المركبات الكيميائية الموصلة للإشارات العصبية
هي التي تحدث كل تلك الأعراض التي تحدثنا عنها وغيرها من الأعراض التي لم نشر
إليها، فمرض الفصام يعتقد أن الخلل يكون في مركب الدوبامين (Dopamine)
في حين أن الخلل في الأمراض العاطفية فيكون في السيروتونين (Serotonin)
والنورإبينفرين (Norepinephrine) ولذلك فإن الأدوية الموصوفة لهذه الأمراض
تقوم على إعادة معدلات هذه المركبات إلى معدلاتها الطبيعية حتى تختفي تلك الأعراض
الغريبة ويعود المريض إلى سابق عهده ولكن قد يحتاج الأمر إلى مدة قد تصل إلى شهر
أو أكثر في بعض الأحيان.
وهنا لا بد من
التأكيد أن هذه الأعراض لا تعني الجنون، وإنما هي أعراض مرضية مثلها مثل الحرارة
والرشح والسعال وآلام الصدر، ولكن بعض هذه الأمراض قد تكون مزمنة فمما يعتقد معها
أن هذه الأعراض إنما هي من الجنون، وكون المصابين بالاختلال العقلي هم أكثر عرضة
من غيرهم للإصابة بهذه الأمراض فربطت هذه الأمراض بالجنون.
2-
الأمراض العصابية (Neurotic
disorders):
وهي الأمراض
التي لا تخرج الإنسان من الحدود الطبيعية ولكنها قد تكون ذات تأثير سلبي على حياة
الإنسان، كأمراض الخوف من المرتفعات، الخوف من الأماكن المغلقة، الخوف من اللقاءات
الاجتماعية وأمراض الوسوسة وغيرها من الأمراض النفسية التي تحتاج إلى تدخل طبي
سريع لوضع حد لها وإعادة الوضع إلى طبيعته.
العلاج
بالكهرباء
بدأت الحرب ضد
العلاج بالكهرباء عبر أجهزة الإعلام عندما حقق فيلم "أحدهم طار فوق عش
الوقواق" نجاحًا باهرًا وكانت قصته تدور داخل أروقة مستشفى للطب النفسي،
ودأبت الصحافة على أن تدخل طرفًا في هذا الصراع متحاملة على العلاج بالكهرباء
والطب النفسي رغبة في الانتشار وتحقيق المكاسب.
ولكن الحقيقة
أبعد ما تكون عن ذلك، فالكهرباء التي يتم المعالجة بها لا تسبب آلامًا على
الإطلاق، وزيادة للتأكيد فإن المريض الذي سيخضع لهذا النوع من العلاج فإنه يتلقى
إبرة مخدرة من قبل طبيب التخدير المختص مماثلة لتلك التي يتلقاها المرضى الذين
سيخضعون لعملية جراحية، كما أن العلاج بالكهرباء غير محرم دوليًّا على الإطلاق، بل
إن أكبر مراكز الطب النفسي العالمية بدأت تعطي أهمية أكبر لهذا النوع من العلاج
لأنه يؤدي إلى أعراض جانبية أقل بكثير وأخف من تلك التي تسببها العقاقير الدوائية،
وإن نتائجه العلاجية أسرع من نتائج الدواء، والعلاج بالكهرباء لا يستخدم مع كل
مريض ولكنه يستخدم ضمن شروط معينة، وبعد أن يخضع المريض للفحوصات الطبية اللازمة،
والأهم أنه لا يستخدم إطلاقًا كوسيلة للعقاب.
سحر
أم جن
على الرغم من أن
الطب النفسي أصبح جزءًا من حياة الشعوب العالمية إلا أنه ما زال يعاني من صراع
شديد في عالمنا الإسلامي وذلك يرجع إلى ثلاثة أسباب رئيسية:
1- كون الغالب
الأعظم من الأطباء النفسيين يرفضون فكرة وجود الجن وتأثيره على الإنسان ويكتفون
بالتفسير العلمي لجميع الظواهر.
2- كون أن
المشايخ الأفاضل لم يعطوا لأنفسهم الفرصة الكافية للاطلاع على علم النفس، فواجهوا
الرفض من قبل الأطباء برفض من قبلهم للتفسير العلمي لظواهر الأمراض النفسية.
3- دخول بعض
المشعوذين والدجالين إلى ساحة المنافسة، وهم يبذلون قصارى جهدهم لإبقاء الوضع على
ما هو عليه لأن هذا الوضع يمثل لهم فرصة رائدة للربح والثراء.
وهنا لا بد من
القول بأنه لا ينبغي لمسلم يؤمن بالله ورسوله أن ينكر وجود الجن والسحر وأثرهما
على الإنسان فذلك مثبت في كتاب الله كما هو مثبت في السنة الصحيحة، ولكن من الخطأ
أيضًا أن نفسر جميع الظواهر والأمراض من خلال تأثير الجن والسحر فهذا أيضًا يمثل
انحرافًا في العقيدة الإسلامية الصحيحة.
والخير في أن
يجتمع الطرفان للوصول إلى نقطة التقاء يتحقق من خلالها الخير للجميع وهذا ما قام
به بعض المشايخ الأفاضل والأطباء العارفين فكانت الخدمة المثلى لأصحاب المشكلات.
د.
عادل الزايد
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل