العنوان هل هو الله.. أم الطبيعة؟
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 04-يوليو-1978
مشاهدات 117
نشر في العدد 402
نشر في الصفحة 44
الثلاثاء 04-يوليو-1978
قدرة عليا تخطط.. وهذه بعض نماذجها
إن عملية التنفس التي نجدها في جميع الكائنات الحية من أدناها إلى أرقاها عملية عجيبة، وهي في جميع الحالات ليست سوى عملية أكسدة؛ أي اتحاد الأكسجين بالمواد الغذائية التي في خلايا الجسم، ونتيجة لهذه الأكسدة تنطلق الطاقة اللازمة للكائن الحي التي لولاها لما استطاع القيام بأي نشاط من أنشطته المختلفة. هذه تتم في الحيوانات المختلفة بطرق متباينة، ولكن النتيجة في جميع الأحوال واحدة، وهي انطلاق الطاقة، وفي الوقت نفسه يتكون الماء وثاني أكسيد الكربون نتيجة لهذه العملية، ولذا فالمظهر الواضح لعملية التنفس هو أخذ الأكسجين اللازم لأكسدة المواد الغذائية وإخراج ثاني أكسد الكربون والماء الناتجين عن هذه العملية.
ففي حيوان بسيط كالأميبا حيث يتكون الجسم من خلية واحدة، تتم عملية التنفس بطريقة غاية في البساطة. إن هذا الحيوان الذي يشبه قطعة دقيقة من الجيلاتين الرخو يعيش في الماء، ويوجد بالماء المحيط به قدر من الأكسجين الذائب في الماء، ينفذ إلى جسم الأميبا حيث يؤكسد المواد الغذائية التي في جسمها فتنطلق الطاقة اللازمة لحركتها ونموها، وغيرها من العمليات الضرورية للحياة، ويتكون ثاني أكسيد الكربون والماء نتيجة لعملية الأكسدة علاوة على انطلاق الطاقة.
وتتخلص الأميبا من الماء الزائد بطريقة تثير الدهشة، حيث تتجمع قطيرات الماء حتى تتكون فجوة مليئة بالماء، هذه الفجوة تتحرك نحو حافة جسم الحيوان ملقية بالماء خارج الجسم، ثم تعود لتتكون من جديد.. وهكذا. أما ثاني أكسيد الكربون فينفذ من داخل الجسم إلى الماء المحيط به.
وتحدث عملية التنفس في الحشرات عن طريق فتحات على جانبي الجسم توصل إلى شبكة من الأنابيب الدقيقة تتفرع داخل جسم الحشرة إلى أنابيب أصغر فأصغر، حتى تصل في النهاية إلى جميع الخلايا تقريبًا. وبهذا التنظيم يدخل الأكسجين من الفتحات الخارجية ويصل مباشرة إلى خلايا الجسم. أما في الإنسان وفي العديد من الحيوانات الأخرى فإن الأكسجين يصل إلى أنسجة الجسم عن طريق الخلايا الدموية الحمراء التي تسبح في الدم حيث يوجد بداخل هذه الخلايا الدموية المادة المسماة بالهيموجلوبين، ومن الخواص العجيبة لهذه المادة سرعة اتحادها بالأكسجين وثاني أكسيد الكربون، والقدرة على الانفصال عنهما بسهولة، فإذا وصلت هذه الخلايا الدموية التي بالرئتين فإنها تتحمل بالأكسجين وتسير مع الدورة الدموية حتى تصل إلى الشعيرات الدموية الدقيقة التي في الأنسجة، فينفصل الأكسجين عنها وينفذ إلى الأنسجة من خلال الجدران الرقيقة للشعيرات الدموية حيث يستخدم لأكسدة المواد الغذائية، وينفذ إليها من الأنسجة ثاني أكسيد الكربون الناتج من عملية الأكسدة حتى تحمله كرات الدم الحمراء إلى الرئتين حيث ينفصل عن الهيموجلوبين يتخلص منه الجسم عن طريق الزفير، ثم يتحمل من جديد بالأكسجين..
وهكذا يحدث التنفس بوسائل عديدة في الحيوانات المختلفة، ولكن النتيجة في جميع الحالات واحدة، وهي وصول الأكسجين إلى خلايا الجسم والتخلص من ثاني أكسيد الكربون.
وجميع الكائنات الحية نباتات وحيوانات لا بد أن تتغذى، وتتغذى النباتات بطريقة تختلف تمام الاختلاف عن طريقة تغذية الحيوانات، نباتات ثابتة في مكانها لا يمكنها أن تتحرك لتحصل على غذائها كما يفعل الحيوان، ولذا فهي تصنع غذاءها وهي مغروسة في مكانها، مستخدمة في ذلك الطاقة الشمسية، أما الحيوان فيحصل على غذائه جاهزًا من مواد نباتية أو حيوانية، والغذاء الذي يتناوله الحيوان لا بد أن يهضم ليمتصه الجسم ويستفيد منه، وعمليات الهضم عمليات بالغة التعقيد من شأنها تحويل المواد المعقدة التركيب إلى مواد بسيطة التركيب يستطيع الجسم امتصاصها والإفادة منها.
والمواد الغذائية قد تكون دهنية أو بروتينية أو نشوية.. إلخ.
وكل نوع من الغذاء يقوم بهضمه إنزيم معين يؤثر على المواد الدهنية مثلًا، ولا يؤثر على المواد الأخرى الموجودة، معها جنبًا إلى جنب، أو يؤثر على المواد البروتينية ولا يؤثر على المواد الدهنية وغيرها، فهل من الممكن أن يحدث كل ذلك نتيجة خبط عشواء، أو صدفة عمياء، أو نتيجة تجارب عديدة تحتمل الخطأ والصواب. إن أي عقل قادر على التفكير لا بد أن يدرك هذا من المستحيل، وكما ترفضه رفضًا باتًّا نظرية الاحتمالات في العلوم الرياضية، ففي حيوان الأميبا الدقيق الحجم المكون من خلية واحدة تتم عملية التغذية بطريقة غريبة؛ إذ تمتد منه أذرع تلتف حول المادة الغذائية الموجودة حوله في الماء، والتي قد تكون حيوانًا ضئيل الحجم، أو نباتًا وحيد الخلية أصغر حجمًا من الأميبا والمواد الغذائية.
ومن العجيب أن نجد حيوان الأميبا البسيط التركيب يستطيع التفرقة بين المواد الغذائية الثابتة والمواد الغذائية المتحركة، فإذا كان الغذاء حيوانًا متحركًا، فإن أذرع الأميبا تمتد في حذر بعيدًا عن الحيوان لكي لا يهرب. أما إذا كان الغذاء ثابتًا غير متحرك فإن الأذرع تمتد حوله ملاصقة له بلا احتياط أو احتراس لإدراك الأميبا أن المادة الغذائية في هذه الحالة لن تستطيع الهرب! كيف يدري هذه الأشياء حيوان ضئيل كالأميبا لا تكاد تراه بالعين إلا من خلال عدسات الميكروسكوب؛ لا مخ له ولا أعصاب أو عيون أو أية أعضاء للإحساس؟!
فإذا أطبقت الأذرع على المادة الغذائية أصبحت في داخل الجسم محاطة بقطرة ماء.. عند ذلك يبدأ جسم الأميبا في إفراز إنزيم هاضم حامض ليقتل الفريسة إذا كانت لا تزال على قيد الحياة. بعد ذلك تفرز قلويًّا ولذلك حكمه؛ إذ إن أهم الإنزيمات هو الإنزيم الذي يهضم المواد البروتينية لا يعمل إلا في وسط قلوي، فهل يمكن أن يكن كل هذا الترتيب والتنظيم وليد صدفة؟ اللهم لا.
والدورة الدموية في شعب وطوائف الحيوانات المختلفة تتم بطرق عديدة ربما يختلف تركيب القلب في المجموعات المختلفة للحيوانات، ولكنها تؤدي إلى النتيجة نفسها وهي دوران الدم في جميع أجزاء الجسم. وإذا تأملنا تركيب القلب والجهاز الدوري في الإنسان وفي عديد من الحيوانات الأخرى، لوجدنا أن القلب، ذلك العضو الرائع التصميم، يتكون من حجرات توصل بعضها للبعض الآخر فتحات ذات صمامات، ووظيفة هذه الصمامات السماح للدم بالمرور في اتجاه واحد، وتمنع رجوعه في الاتجاه المضاد. ونجد مثل هذه الصمامات في الأوعية الدموية الكبرى للغرض نفسه. وشبكة الأوعية الدموية بأوردتها وشرايينهما وشعيراتها الدموية تصميم مذهل؛ إذ إن الشرايين تتفرع إلى أنابيب أصغر فأصغر حتى تصبح شعيرات دموية رقيقة الجدران، والحكمة في رقة جدران الشعيرات الدموية هي إمكان حدوث تبادل غازي الأكسجين وثاني أكسيد الكربون في هذه الأماكن، حيث ينفصل الأكسجين من هيموجلوبين الكرات الدموية الحمراء وينفذ إلى أنسجة الجسم، وفي الوقت نفسه ينفذ ثاني أكسيد الكربون من الأنسجة إلى الشعيرات الدموية فتلتقطه الكرات الحمراء، ثم تتجمع الشعيرات الدموية لتكوين أوردة تحمل الدم إلى الرئتين؛ حيث تتخلص الكرات الدموية من ثاني أكسد الكربون وتلتقط أكسجينًا جديدًا وهكذا. والقلب ينبض نبضات إيقاعية مدى الحياة حيث تتمدد بعض حجراته وتنقبض حجرات أخرى، دافعًا الدم النقي الحامل للأكسجين في الأوعية الدموية، ومستقبلًا له بعد دورانه في الجسم محملًا بثاني أكسيد الكربون ليرسله إلى الرئتين حيث يتحمل بالأكسجين ويتخلص من ثاني أكسيد الكربون.
هل يعقل أن يكون كل هذا من فعل طبيعة لا عقل لها ولا إدراك، تتخبط فيها الصدفة خبطات عشواء ويتجول داخل جسم الإنسان، وعديد من الحيوانات الأخرى سوائل ذات وظائف محددة مثل الدم واللمف، واللمف وسيط بين الدم والأنسجة، وللدم وظائف عديدة، منها توصيل المواد الغذائية إلى جميع أجزاء الجسم، وإذا لم يوجد الدم في أجسام بعض الحيوانات كالدودة الكبدية مثلًا فإنك تجد تركيب الجسم في مثل هذه الحيوانات مصمم بحيث تتم عملية نقل الأغذية وغيرها بوسائل أخرى. ويتكون الدم في أجسامنا وأجسام عديدة من الحيوانات الأخرى، من سائل يسبح فيه عدد هائل من الخلايا المختلفة الأشكال والوظائف، نطلق عليها أحيانًا اسم الكرات الدموية الحمراء والكرات الدموية البيضاء. والكرات الحمراء كما ذكرت ذات وظيفة تنفسية، أما الكرات البيضاء فمتعددة الأشكال والوظائف، بعضها ملتهم؛ وظيفته التهام أي جرثومة تتسرب إلى جسم الإنسان أو الحيوان فتلتهمها بطريقة تشبه التهام الأميبا لغذائها، ونحن نستنشق من الهواء ملايين الجراثيم طول النهار والليل، ولكننا لا نمرض كل يوم؛ لأن هذه الخلايا العجيبة السابحة في الدم التي من الممكن أن تخرج من تيار الدم وتنفذ إلى الأنسجة في حالة الطوارئ.. هذه الخلايا تلتهم هذه الجراثيم وتقضي عليها ولا يعترينا المرض إلا إذا ضعفت مقاومة الجسم لأي سبب من الأسباب، كما إذا ازداد عدد الجراثيم عن الحد المألوف، وتنوع وظائف الكرات الدموية لا يمكن أن يكون نتيجة صدفة عمياء، كما أنه لا يمكن أن تخضع مطلقًا للتجربة والخطأ بل هو ترتيب وتخطيط واع صنعته قوة عليا تعرف ماذا تفعل، وتهدف للحفاظ على بقاء الكائن الحي؛ إذ لو كان احتمال الصدفة في حالة سحب عشرة أرقام بترتيب معين هو واحد في العشرة بلايين كما تقول العلوم الرياضية، فإن احتمال الصدفة في حدوث مئات الأشياء في وقت واحد يصبح من المستحيلات، ولو لم توجد المخلوقات منذ البداية على هذا النحو من التصميم الدقيق لما استطاع الحيوان أن يحيا وأن يستمر في الوجود؛ إذ إن مثل هذه الأشياء كما ذكرت، لا تحتمل التجربة التي تخضع للتخبط بين الخطأ والصواب. لا بد أن يكون وراء كل هذا فكر خلاق وقدرة عليا تخطط وتدبر للوصول إلى نتيجة معينة وهدف مرسوم.