العنوان هل نحن رجال حول الإسلام؟!
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر الثلاثاء 06-أغسطس-1996
مشاهدات 74
نشر في العدد 1211
نشر في الصفحة 51
الثلاثاء 06-أغسطس-1996
رجال الإسلام بشر لم يتخلصوا من مشاعر البشرية، ولم يخرجوا عن مشاعر الآدمية أو يفقدوا خصائصها، لأن الله خلقهم على هذه الصفة، وأراد لهم أن يظلوا كذلك، وأن لا يتحولوا إلى جنس آخر لا ملائكة ولا شياطين ولا عجماوات، وإنما يحملون صفات جنسهم يفزعون بالحوادث ويضيقون بالشدائد ويزلزلون بالخطر الذي يتجاوز الطاقة لهم شهوات، ولهم نفوس ورغبات وتطلعات وأحلام وتجري الشياطين في دمائهم مجرى الدم مثل غيرهم، بل قد يكون بعضهم ممن أسرف على نفسه، وأوغل في غيه، هم ناس من الناس وبشر من البشر، ونفوس كالنفوس ونزعات كالنزعات ولكن سر عظمتهم، وموطن الإبهار فيهم أنهم استطاعوا أن يعدلوا نوازعهم ويطهروا نفوسهم، ويستمسكوا بالعروة الوثقى التي تشدهم إلى الله، وتمنعهم من السقوط وتدفعهم إلى الآمال الكبار، وتحرسهم من القنوط.
وتمنحهم القوة والثبات والشجاعة والإقدام سر عظمتهم الوثوق في وعد الله، والالتجاء إليه، واستصحاب معيته، والارتفاع بنياتهم وأعمالهم إلى مستوى مرضاته ومنزلة عبوديته. سر تفوقهم أنهم أداروا المفاتيح الإلهية في نفوسهم فأنارتها وارتفعت بها، واستطبوا بالتعاليم الربانية فذهب ران قلوبهم وولى رهج عقولهم، فصاروا لا يفزعون إلا من خوف الله وغضبه، ولا يضيقون إلا من سخط الله وعصيانه، ولا يزلزلون إلا من التقاعس عن تنفيذ تعاليمه أو مخالفة أمره ونهيه أذابوا رغباتهم وتطلعاتهم وأحلامهم في حبه وحب رسوله وأنوار كتابه، وتنفيذ تعاليمه، فصاروا رجالًا، ولكنهم جند لله، وبشرًا، ولكنهم ربانيون ينسبون إليه، وأدميين ولكنهم أولياء للحق سبحانه، يسارعون في مرضاته، ويبيعون أنفسهم وأرواحهم وأموالهم طيبة نفوسهم سمحة قلوبهم ابتغاء ثواب ربهم ورضوانه علينا أن ندرك هذا لنعرف سر هذا النموذج الفريد في تاريخ العصور الإنسانية علينا أن ندرك أنهم كانوا بشرًا لم يتخلوا عن بشريتهم ولكنهم بلغوا في بشريتهم هذه وإنسانيتهم تلك اعلى قمة مهيأة لبني الإنسان بالإيمان حتى كانوا ربانيين أولياء الله مع الاحتفاظ بخصائص البشر في عمارة الأرض، واتباع الأسباب وممارسة الحياة، وتقديم النموذج الحي لما يجب أن تكون عليه الإنسانية في تلك الحياة ليتحقق المقصود من خلق الله لهذه الدنيا ولهذه العوالم التي سخرت لذلك الإنسان.
علينا أن نعرف أن الطباع البشرية المعوجة اليوم ما كانت ولن تكون في قساوتها مثل الطباع التي هذبها القرآن وأخرج منها الوحي خير أمة أخرجت للناس، حيث كانت طباعًا جاهلية أقسى من الصخر، وأظلم من الليل، فصارت ألين من الحرير، وأضوأ من الشمس، خاشعة لليقين مخبتة بالإيمان: وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء وإن منها لما يهبط من خشية الله.
وحين نرى اليوم ضعفنا مرة أو زلزالنا مرة أو فزعنا أخرى، أو ضيقنا بالهول والخطر والشدة والصعاب في حالات، فلا ينبغي لنا أن نيأس من أنفسنا، أو نهلع من ذواتنا، ونظن أننا هلكى، أو أننا أصبحنا لا نصلح لأمر عظيم أو فعل رائد أو تقدم سامق أو حضارة عليا، لأن معنا العروة الوثقى، عروة السماء والحبل المتين حبل الله والرسالة التي تحيي العظام وهي رميم، ولكن علينا أن نستمسك لتنهض من الكبوة، ونتزود لنسترد الثقة والطمأنينة، ونتتلمذ لنصبح قادة ورجالًا ونعاهد ونصدق لنستحق التأييد والنصر وما أحسن قول الزيات، في ذلك حين كتب في الرسالة: أن الدين الذي رفع هؤلاء السادة والقادة إلى الذروة، وضمن للخلافة في عهودهم العزة والمنعة والقوة لا يزال هو الدين الذي لا يغيره الزمن، ولا تجافيه الطبيعة، ولا يعاديه العلم، ولا تنسجه المذاهب، وإنما الأمر فيه كما قال الرسول: مثل ما بعثني به الله من الهدي والعلم، كمثل الغيث أصاب أرضا، كان منها طائفة طيبة قبلت الماء، وأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكان منها أخرى، إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ والمسلمون اليوم هم هذه القيعان، تحدرت إلى ما ركد فيها من سلسل الوحي عكارات المذاهب الطارئة ورواسب العقائد الخاطئة، فكان منها ذلك الخلط العجيب الذي يعوق السعي، ويمنع من النظر، ويصد عن الفكر، ثم كان من أثره أن نرى اليوم مواطن العروبة والإسلام قد أصبحت نهبًا مقسمًا بين دول الاستعمار يتنازعون خيراتها والنفوذ فيها ويتقاتلون عليها، وليس من أهلها من يقول فيسمع له، أو من يفعل فيُخشى فعله، وإنما هم كمتاع الأرض خسارة على المغلوب وربح للغالب لقد تغيرت عقائد الإسلام الصافية النقية في نفوس الكثير من المسلمين كما يتغير الشراب
الخالص في الإناء القذر انحلت الأخلاق فلا تتماسك في قول ولا فعل، وتقاطعت القلوب فلا تتماسك في دين ولا وطن، واستأثرت النفوس فلا تعف في صداقة ولا نسب واستبهمت المذاهب فلا تستبين بنجم ولا شمس وأصبحت غاية الدين في رأيهم مظاهر في العبادة لا تخدع وظواهر من البدع لا تنفع، وأقاويل من الوعظ لا تقنع منْ يُصدق أن المسلمين اليوم يفقهون القرآن حق الفقه، وهو الكتاب المبين الذي يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويهديهم إلى صراط مستقيم وكل انتفاعهم منه أن يحملوه للحفظ كما تحمل التمائم وأن يقرعوه للبركة كما تقرأ الأدعية وأن ينشدوه للطرب كما تنشد الأغاني.
منْ يُصدق أن المسلمين اليوم يؤمنون بالإسلام وفيهم من يؤمن بالشيوعية والوجودية والليبرالية، وهلم جرًّا، ويزعمون أنهم أعلم من الله بخلقه، واعدل منه في تقسيم رزقه، ثم يقولون بكل وسائل القول ويذيعون بكل وسائل الإذاعة، وينشرون بشتى أدوات النشر، أن الحلال مرفوض والحرام مباح وكل إرادة طليقة والمسلمون يسمعون هذه الأضاليل تبث في التلفاز، وتُنشر في الكتب، وتتردد في المجامع العلمية، فيرهفون لها سمع الغبي، وينظرون إليها نظر الأبله، ويمرون عليها مرور المعتوه وتدفعهم شهوة الإباحية، وطبيعة البهيمية إلى أن يشتروا الضلالة بالهدى، ويستبدلوا الخبيث بالطيب، ويؤثروا أن يكونوا كالذين يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام والنار مثوى لهم والعلة في كل هؤلاء وأولئك هي الجهل التام والعلم الناقص والادعاء الباطل، والأسماء المضللة والعقول النخرة، والهالات الكاذبة والريادات الخاسرة.
أين رجال الصدق في الإيمان في بيوت أذن الله أن تُرفع ويُذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال وأين رجال الصدق في الجهاد ﴿ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ (الأحزاب:23) وأين البشر الذين ارتفعوا ببشريتهم إلى عنان السماء وهل آن للمؤمنين أن يكشفوا عن العيون غشاوة الباطل، ويجلوا عن القلوب صدأ الغفلة، فيبصروا الطريق ويستبينوا الغاية وهل آن للصفوف أن تتراص وللأيدي أن تتشابك، وللنفوس أن تتعانق في صحوة عارمة ويقظة غلابة، ووعي راشد وسديد؟ نسأل الله ذلك.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل